ما حدث في «بدر 2026»، لم يكن مجرد تدريب عسكري روتيني أو سطور نكتبها في الأخبار،
ما رأيناه بـ «العين المجردة» وبـ «الذخيرة الحية» كان بيانًا عمليًا بالقدرة، ورسالة واضحة لكل من تسول له نفسه قراءة الخريطة بشكل خاطئ.. مصر التي يظن البعض أن انشغالها بالبناء والتنمية قد يصرفها عن «سيفها ودرعها»، أثبتت في هذا المشروع التكتيكي أنها تملك جيشًا «لا ينام»، جيشاً يعرف متي يصمت، وكيف يتكلم بالنار حين يستوجب الأمر.
ببساطة المصريين، وتعبيرهم الشعبي الدارج «العفي محدش بياكل عشاه»، كانت هذه المناورة هي الترجمة الحقيقية لهذه المقولة، نحن نعيش في منطقة تغلي بالصراعات، وحدود ملتهبة تكاد تلامس أصابعنا، وفي وسط هذا «الهوجة» الإقليمية، تخرج القوات المسلحة المصرية لتقول للجميع: «نحن هنا».
مصر مستعدة.. هي في الحقيقة ليست مجرد جملة تُقال، بل واقع يتجسد علي الأرض، في تدريب حي بالذخيرة الحية، وفي رجال يعرفون جيدًا معني أن يحملوا مسئولية وطن بحجم مصر، فالمشهد لم يكن عابرًا، وأظنه لم يكن مجرد تدريب روتيني، كما قد يتصور البعض، بل رسالة مركبة، موجهة للداخل قبل الخارج، تقول: إن الدولة المصرية لا تترك أمنها للصدفة، ولا تنتظر الخطر حتي تتحرك، بل تبني قوتها كل يوم، وتحدث أدواتها، وتدرب رجالها علي أسوأ السيناريوهات حتي لا يحدث الأسوأ أبدًا.
كما أن حضور وزير الدفاع، ورئيس الأركان، وكبار قادة الجيش، إلي جانب مسئولين مدنيين وإعلاميين وطلبة، لم يكن مجرد بروتوكول، بل كان تأكيدًا أن ما يحدث شأن الدولة بالكامل، وأن الجيش جزء أصيل من هذا الوطن، يعمل لحمايته ويستمد قوته من شعبه، فمنذ اللحظة الأولي في المناورة، كان واضحًا حجم الاحتراف، -هذا حديث المتخصصين والخبراء فلست خبيرًا عسكريًا أو استراتيجيًا -، عرض الفكرة التكتيكية لم يكن مجرد شرح نظري، بل مقدمة لعمل متكامل، تتحرك فيه كل عناصر القوة في تناغم شديد، القوات الجوية في السماء تؤمّن وتستطلع، الدفاع الجوي يفرض مظلته الحامية، المدفعية تمهد الطريق، والمدرعات تتقدم بثقة، بينما تتسلل قوات الصاعقة والمظلات لتنفيذ مهامها بدقة، هذا التكامل ليس رفاهية، بل هو جوهر الحروب الحديث، لم يعد هناك سلاح يعمل بمفرده، بل منظومة كاملة تتحرك كجسد واحد، وما ظهر في «بدر 2026» هو أن الجيش المصري لا يتدرب فقط، بل يتقن هذا النوع من القتال المركب، ويستعد له بشكل واقعي جدًا، إن الجيش المصري ليس «مخزن سلاح» متطورًا فحسب، بل هو «مصنع رجال».
في «بدر 2026»، لم نرَ فقط أحدث النظم القتالية، بل رأينا «العقيدة»، رأينا الجندي الذي يري في «النصر أو الشهادة» غاية المني، هذه الروح هي التي تجعل «التنسيق» بين القوات الجوية والبرية والصاعقة والمظلات يبدو كمعزوفة موسيقية قتالية متناغمة، كما أن قوة الجيش المصري ليست في السلاح فقط، بل في الإنسان، المقاتل المصري بعقيدته وانضباطه، بقدرته علي التحمل واتخاذ القرار، هذه النقطة تحديدًا كانت دائمًا سر التفوق في حرب أكتوبر 73 وتحقيق النصر المجيد فيها، لم يكن السلاح هو العامل الحاسم فقط، بل الروح. واليوم، مع تطور التسليح، ما زالت هذه الروح هي الأساس.
الجيش لا يبني مقاتلًا فقط، بل يبني إنسانًا واعيًا قادرًا علي الفهم قبل التنفيذ، وهذا ما أكده القائد العام، عندما تحدث عن بناء «المقاتل الشامل».
وفي ظل كل ما يحدث في المنطقة، من حروب وانهيارات في بعض الدول، تصبح هذه الصورة أكثر وضوحًا، لتقول: إن الدولة التي تحافظ علي جيشها قويًا، تحافظ علي نفسها، و« بدر 2026» لم تكن مجرد مناورة عسكرية، بل كانت مرآة لحالة كاملة، دولة تعمل، وجيش يتدرب، وشعب يدعم ويطمئن.
وفي خضم هذا الفخر المتنامي بجيش بلادي القوي وثقتي فيه التي تعرف حدًا أو مستوي، يبقي من الأهمية الإجابة علي بعض الأسئلة التي تتردد، مثل، لماذا كل هذا؟.. لماذا هذا الجهد، وهذه المناورات، وهذه الرسائل؟.. والإجابة ببساطة: لأن العالم من حولنا لا يرحم الضعيف، وأعود وأتذكر معكم هنا الجملة التاريخية، التي يرددها المصريون وقالها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي من قبل وهي « العفي.. محدش بياكل عشاه»، فهذه ليست مجرد حكمة شعبية، بل قاعدة استراتيجية غاية في العمق والدلالة، الدول التي لا تملك قوة تحميها، تصبح ساحة مفتوحة لكل عابث متهور.
فالحرب، كما يقال، مكلفة جدًا، حتي لو انتصرت فيها، ويوم قتال واحد قد يعادل ميزانيات تسليح عام كامل، لذلك، الفكرة ليست أن تخوض الحرب، بل أن تمنعها.. وكيف تمنعها؟ بأن تكون مستعدًا لها، وهنا تأتي فلسفة الردع، أن يري الآخر أنك قادر، جاهز، ومتماسك، أن يفكر ألف مرة قبل أن يقترب، وهذا بالضبط ما فعلته «بدر 2026»، فالرسالة لم تكن موجهة لدولة بعينها، ولم تحمل تهديدًا مباشرًا لأحد، لكنها قالت بوضوح: هذه مصر، وهذا جيشها، جيش لا يعتدي، لكنه لا يُمس.
في الداخل، كان للمناورة أثر واضح، حالة من الطمأنينة بين الناس، ليس لأن الحرب قادمة، بل لأن هناك من يمنعها، وقد لفت نظري تعليق جاء علي لسان زميلنا الإعلامي أحمد موسي، وكان من بين الذين حضروا وشاهدوا المناورة: «الواحد قاعد مطمن»، هذه الطمأنينة لم تأتِ من فراغ، بل من رؤية «وحوش» الجيش الثالث الميداني وهم يديرون أعمال القتال بتعقيدات تكتيكية تفوق الخيال، نحن لا نلعب بالذخيرة الحية لنتسلي، نحن نعدّ أنفسنا ليوم .
«لا ينفع فيه إلا القوة»، والحقيقة أن الثقة في جيشنا العظيم ليست جديدة، فهي ممتدة عبر التاريخ، وهناك يقين راسخ أن هذا الجيش يعرف ماذا يفعل، لكن مثل هذه المناورات تعيد تأكيد هذا اليقين، خاصة في زمن تنتشر فيه الشائعات والحروب النفسية.
علي الجانب الآخر، كان هناك ما دعا للتأمل، وللفخر في آن واحد، وهو حالة «الهذيان»، التي أصابت إعلامهم وبعض قادتهم، هؤلاء الذين يتحدثون عن «انتهاك معاهدات» و«حشد قوات»، يعيدون للأذهان نغمة الخوف القديم، هم يدركون جيدًا أن المقاتل المصري الذي عبر في 73، هو نفسه الذي يتدرب اليوم في «بدر 2026».
في الواقع لا يمكن تجاهل ما يُثار، لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، مصر تجري تدريبات علي أرضها، وفق خطة سنوية معلنة، هذا حق سيادي لا نقاش فيه، وكل جيوش العالم تفعل الشيء نفسه، ومحاولة تفسير هذه التدريبات بشكل عدائي تكشف في الحقيقة شيئًا واحدًا: أن القوة المصرية تُحسب لها ألف حساب، وربما هذا في حد ذاته جزء من نجاح الرسالة، ليعلم الجميع أن مصر لم تغير من ثوابتها، ولا تبحث عن صراع، ولا تسعي لمواجهة، لكنها أيضًا لا تقبل أن تكون ضعيفة أو مكشوفة، هذه معادلة صعبة، لكنها ضرورية.
«إحنا بخير.. لأن في جيش قوي واقف علي رجله «، ربما بهذه الجملة البسيطة يمكن تلخيص جملة ما أردت الحديث عنه سابقا، ف مصر لا تبحث عن حرب، لكنها تعرف جيدًا أن السلام الحقيقي لا يحميه إلا القوة، ومادام هناك رجال يتدربون بهذا الشكل، ويستعدون بهذا المستوي، فهناك ضمانة حقيقية أن هذا الوطن سيظل آمنًا، مهما كانت التحديات، وهذه ليست مبالغة، ولا دعاية.. هذه حقيقة ظهرت علي الأرض في «بدر 2026».
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن