تشكل الكراسي البحثية في سلطنة عُمان ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات رؤيتها المستقبلية 2040، حيث تعمل كجسور استراتيجية تربط مؤسسات التعليم العالي بالقطاعات الإنتاجية والتنموية، وتهدف هذه الكراسي إلى بناء اقتصاد معرفي، وتوطين المعرفة، وتوفير حلول علمية مبتكرة للتحديات الوطنية عبر تخصصات استراتيجية، ومن خلال ربط البحث بالأولويات الوطنية والقطاعات الحيوية (مثل المياه، الطاقة، والأمن الغذائي) لدعم سياسات التنويع الاقتصادي المستهدفة في خطط التنمية الشاملة.
وقد أولى السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، اهتماماً كبيراً للمشروعات والمبادرات القائمة على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وتدريب الشباب وتمكينهم للاستفادة من الفرص التي يتيحها القطاع، إذ استهلت عُمان مع بداية الخطة الخمسية العاشرة 2021 ـ 2025 تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي والتطوير 2040.
وتقوم خطة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي والتطوير 2040 على التكامل بين إنتاج وتوظيف المعرفة من جهة، تعزيز البيئات التمكينية لها من جهة أخرى، وذلك على ثلاثة مستويات، وهي المستوى التنظيمي الذي يؤكد على ضرورة دعم منظومة البحث العلمي والتطوير لإنتاج المعرفة وتعزيز التمويل، ومستوى الأداء الفعلي لتحقيق التكامل التخصصي بين البحوث الأساسية والتطبيقية، وتبني مسارات جديدة لنقل وتوطين التقنيات، والمستوى القيمي لتكريس أخلاقيات البحث العلمي والتطوير ورفع الوعي بأهمية الفهم الواعي بدور المعرفة كدعامة أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي.
ومن هنا تُمثِّل مبادرة (كراسي السُّلطان هيثم) البحثيَّة خطوةً تعكس تحوُّلًا نوعيًّا في نظرة سلطنة عُمان إلى دور البحث العلمي داخل معادلة التنمية الاقتصاديَّة، وبناء بيئة معرفيَّة اقتصادية مستدامة تعزز المكانة العُمانية في مؤشرات التنافسيَّة العالميَّة، حيث ينتقل البحث من الإطار الأكاديمي التقليدي إلى مساحة أكثر تأثيرًا ترتبط بصناعة الحلول ودعم القطاعات الإنتاجيَّة وتعزيز القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطني، في توجُّه ينسجم بصورة واضحة مع مستهدفات رؤية « عُمان 2040» التي تضع المعرفة والابتكار ضمن أولويَّات المرحلة المقبلة.
ويظهر إطلاق (كرسي السُّلطان هيثم للتقنيَّات المتقدمة) باعتباره بداية لمسار يستهدف تحويل الجامعات والمؤسسات الأكاديميَّة إلى منصَّات قادرة على التعامل مع التحدِّيات الوطنيَّة بعقليَّة علميَّة وتطبيقيَّة، بما يفتح المجال أمام إنتاج حلول ترتبط بالطاقة والتقنيَّة والصناعة والقطاعات التنمويَّة المختلفة، ويؤكِّد أن الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنيَّة أصبح جزءًا من مشروع اقتصادي أشمل يسعى لبناء اقتصاد أكثر استدامةً وقدرةً على التكيُّف مع التحولات العالميَّة المتسارعة، خصوصًا في ظل عالم أصبحت فيه المعرفة أحد أهم عناصر القوة والنفوذ والتنافس بين الدول.
تسعى كراسي السُّلطان هيثم البحثيَّة إلى تأسيس منظومة علميَّة أكثر ارتباطًا بالواقع الاقتصادي واحتياجات التنمية المستقبليَّة، عبر بناء بيئة قادرة على استقطاب الخبرات النوعيَّة وتوجيه الطاقات البحثيَّة نحو إنتاج حلول عمليَّة تخدم القطاعات الحيويَّة في البلاد، حيث يمنح هذا البرنامج الجامعات والمؤسسات الأكاديميَّة دورًا أوسع يتجاوز التعليم التقليدي نحو المشاركة المباشرة في تطوير الصناعة والطاقة والتقنيَّات المتقدمة ودعم الابتكار، كما يُعزِّز من فرص بناء شراكات استراتيجيَّة مع المؤسسات العلميَّة العالميَّة بما يُسهم في نقل المعرفة وتوطين التقنيَّة ورفع كفاءة الكوادر الوطنيَّة، في وقت أصبحت فيه الاقتصادات الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على البحث العلمي باعتباره أداةً لإنتاج القيمة وتحقيق التنافسيَّة وتعزيز الاستدامة، وهو ما يضع سلطنة عُمان أمام فرصة مهمَّة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرةً على التعامل مع التحوُّلات العالميَّة المتسارعة عبر الاستثمار في المعرفة والعقول الوطنيَّة.
ولعلَّ ما يمنح برنامج «كراسي السُّلطان هيثم البحثيَّة» أهميَّة استثنائيَّة يتمثل في اعتماده على منظومة حوكمة متكاملة تركِّز على قياس الأثر التطبيقي، وتحويل المخرجات العلميَّة إلى قيمة اقتصاديَّة واجتماعيَّة ملموسة، حيث ترتبط عمليَّة التقييم بمستوى ما تنتجه الكراسي من براءات اختراع وحلول معرفيَّة، ومنتجات مبتكرة قادرة على خدمة القطاعات المختلفة، ورفع تنافسيَّة الاقتصاد الوطني.
كما يُعزِّز البرنامج من حضور البحث العلمي داخل عمليَّة صنع القرار عبر توفير دراسات وبيانات تستند إلى التحليل العلمي والمعرفة الدقيقة، بما يدعم بناء سياسات تنمويَّة أكثر كفاءةً وقدرةً على التعامل مع المتغيرات الاقتصاديَّة والتقنيَّة المتسارعة. ويواكب ذلك اهتمام واضح بدعم طلبة الدراسات العُليا، وتوسيع نطاق النشر العلمي، وإدارة الملكيَّة الفكريَّة وفق أفضل الممارسات العالميَّة، في توجُّه يعكس إدراكًا متقدمًا لأهميَّة بناء بيئة معرفيَّة مستدامة قادرة على إنتاج حلول طويلة المدى، وتعزيز موقع السلطنة داخل مؤشرات الابتكار والتنافسيَّة العالميَّة.
المؤكد أن "كراسي السُّلطان هيثم البحثيَّة" تُمثِّل استثمارًا طويل المدى في بناء قوة وطنيَّة قائمة على المعرفة والابتكار، حيث تفتح المجال أمام تكوين جيل علمي يمتلك القدرة على إنتاج الحلول وتطوير التقنيَّات، والمشاركة في صياغة مستقبل اقتصادي أكثر استدامةً وتنافسيَّة. كما تمنح المؤسسات الأكاديميَّة دورًا أكثر تأثيرًا داخل المجتمع والاقتصاد عبر تحويل البحث العلمي إلى أداة ترتبط بالصناعة والتنمية وصناعة القرار. ويُعزِّز هذا التوجُّه من قدرة البلاد على بناء حضور أكثر فاعليَّة داخل الاقتصاد العالمي القائم على التقنيَّة والمعرفة، خصوصًا في ظل التحوُّلات المتسارعة التي تدفع الدول نحو الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنيَّة باعتبارها الثروة الأهم في المستقبل، وهو ما يؤكِّد أن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصاديَّة وتنمويَّة قادرة على خلق فرص جديدة، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق النمو المستدام.
ولعل هذه المبادرة تشكل دفعة قوية نحو تعزيز اقتصاد المعرفة في عُمان، انطلاقاً من أن المعرفة باتت المحرك الرئيسي للتنمية، والعنصر الأهم في بناء اقتصادات تنافسية قادرة على التكيّف مع متطلبات العصر، واستيعاب التغيرات المتلاحقة في التقنيات والاتجاهات العالمية، إذ تواصل سلطنة عمان جهودها الحثيثة نحو هذا التوجه من خلال عدد من المبادرات الداعمة، بعد أن حققت أداءً ملحوظاً في مؤشرات الابتكار.
ولا شك أن اقتصاد المعرفة يمثل أولوية استراتيجية ل سلطنة عمان لما له من قدرة على رفع التنافسية الاقتصادية، وتوفير مصادر جديدة للدخل، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وخفض التكاليف، وتكوين رأس مال معرفي يُعزز النمو. كما يسهم في خلق فرص عمل نوعية، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، والاستثمار في الكفاءات الوطنية القادرة على التكيّف مع المتغيرات العالمية المتسارعة.
فضلاً عن أن مخرجات الكراسي البحثية تدعم فكرة التمكين، بما يعني إتاحة الوسائل والفرص التي تعزز من استقلالية الأفراد والمجتمعات، وتمنحهم القدرة على اتخاذ قرارات تحقق نتائج إيجابية في سبيل الارتقاء باقتصاد المعرفة.
إذ يتمثل الفرق الجوهري بين الاقتصاد التقليدي واقتصاد المعرفة في أدوات النمو؛ حيث يعتمد الاقتصاد التقليدي على كثافة الأيدي والاستهلاك المتكرر للموارد، بينما يُمكّن اقتصاد المعرفة الأفراد والمجتمعات عبر أدوات مثل الابتكار، وتكافؤ الفرص، والسياسات المُحفِّزة، ما ينعكس على مؤشرات تؤشر إلى تحوّل الدول من الاعتماد على الموارد الأولية إلى اقتصاد عالي القيمة يقوم على المعلومات والابتكار.
وكشفت المؤشرات العالمية عن تحقيق سلطنة عُمان أداءً ملحوظًا في ركيزة تطوير بيئة الأعمال، إذ حققت سلطنة عُمان المرتبة 86 في 2024، متقدمة من المرتبة 95 في 2023 و97 في 2022. أما في ركيزة مخرجات المعرفة والتقانة، فقد تحسّن ترتيب سلطنة عمان لتصل إلى المرتبة 87 في عام 2024، مقارنة بالمرتبة 75 في 2023 و94 في 2022.
غير أنه ثمة جملة من التحديات على طريق التحول إلى اقتصاد المعرفة، بداية من ضرورة تحديث المناهج التعليمية لتواكب متطلبات العصر الرقمي، مروراً بتحسين البنية الأساسية التقنية، ودعم المشاريع الناشئة، والتوسع في فرص عمل بالقطاعات المعرفية، انتهاءً بمشاركة الشباب في صنع القرار، وتطوير التشريعات ذات العلاقة.
ولعل المبادرات العُمانية، والتي منها: الاستراتيجية الوطنية للابتكار، ومبادرات التحول الرقمي، والمركز الوطني للتشغيل لربط الشباب بالفرص الرقمية، وواحة المعرفة بمسقط التي تحتضن الشركات التقنية الناشئة، وبرامج دعم البحث العلمي مثل "قمم" و"إيجاد"، قادرة على مواجهة التحديات وبناء المستقبل.
إضافة إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يُعدان من أهم المحركات في تسريع التحول نحو اقتصاد المعرفة، وزيادة الإنتاجية، وإعادة هيكلة الصناعات التقليدية بما يتماشى مع بيئة الاقتصاد الرقمي، فضلًا عن دعم الشراكات الذكية بين المؤسسات، وتمكين الشركات الناشئة بصفتها محركًا رئيسيًا للابتكار، عبر تقديم حوافز وتمويلات مرنة، وتحديث التشريعات، وتشجيع القطاع الخاص على نقل وتوطين المعرفة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق، وتطوير الصناعات المعرفية، بما يعزز من فرص التنويع والاستقرار الاقتصادي لسلطنة عُمان.
إجمالاً يمكن القول أن "رؤية عمان 2040" تُعد خارطة طريق واضحة تعكس الطموح العُماني لربط مخرجات البحث العلمي في خدمة التنمية المستدامة؛ إذ تضع اقتصاد المعرفة وتمكين الشباب في صميم أولوياتها، إيمانًا بأن الاستثمار في العقول العمانية هو السبيل لبناء اقتصاد تنافسي ومتين.