ربما يكون فيلم أسد من كتابة الثلاثي محمد دياب وشيرين دياب وخالد دياب، وإخراج محمد دياب، واحدا من أكثر الأفلام طموحا وانتظارا من الجمهور والنقّاد، بالنظر إلى أعمال صنّاعه السابقة، وضخامة الإنتاج، وعودة بطله محمد رمضان إلى الشاشة بعد طول غياب، ولكنه أصبح مع الأسف في رأيي أكثر المشروعات الفنية إثارة للأحباط والصدمة، لنفس الأسباب التي جعلتنا ننتظر ونأمل ونتمنى.
حمل الإعلان التشويقي للفيلم، وكذلك مقدمة الفيلم الدعائية، وعودا هائلة بفيلم عالمى، والحقيقة أنه فيلم عالمي من حيث التقنية العالية، في كل العناصر الفنية، ولكنه يبدو أيضا عملا ميلودراميا بائسا وسطحيا وساذجا، وأقرب إلى المعالجة الهندية لموضوع جديد وواعد من حيث إمكانياته الدرامية، وقد كانت المسافة الهائلة بين إجادة التنفيذ الفنى والتقنى، وضعف الكتابة الحافلة بالثغرات، من الأسباب الإضافية للإحباط والصدمة، ولم تخفف منهما كما يظن البعض، إذ يبدو من المدهش أن تجند كل هذه الإمكانيات الضخمة، ومن أفضل العناصر التقنية المصرية، لتنفيذ سيناريو مليء بالمشاكل، وكأنك بالضبط تنفق الملايين على حفل زفاف أقبح عروس، وأقبح عريس!
تحدثت من قبل عن مشكلات قالب الميلودراما، وبالذات فى تنميطه للشخصيات بين الأبيض والأسود، وفى الاعتماد على المفاجآت العجيبة، والإسراف العاطفي، الذى يبدو هدفا فى حد ذلك، ولكنها عموما نوع من أنواع الدراما، واختيار فنى للمؤلف، والمشكلة هنا بداية فى أنها تقدم من فئة متواضعة مسرفة فى البكائيات، وعبر بناء درامى حافل بالمشكلات، مما حرم الفيلم حتى من التأثير العاطفي، فأصبحنا أمام مزيج مزعج للغاية من الدماء والدموع، وافتقدت الحكاية الحد الأدنى من الإقناع، ومنذ وقت مبكر، حتى وصلنا فى النصف الثانى من الفيلم إلى تشويش كامل، وفوضى فى الإمساك بالخطوط والمسارات الكثيرة المختلطة.
افتقد الفيلم إذن أبرز نقاط قوة أعمال الأخوة دياب، وهى قوة السيناريو، واحترام النوع السينمائى شكلا ومضمونا وحرفة، بل والإضافة إلى النوع أحيانا، وبينما اثبتوا قدرتهم مثلا على تقديم التراجيديا فى «الجزيرة 2»، فإنهم لم يستطيعوا أن يضبطوا خلطة الميلودراما الرومانسية الملحمية.
يزيد الأسف والأسى لأن الثلاثى وجدوا فكرة ذهبية، وعالما بكرا لم يتم تقديمه كموضوع مستقل فى فيلم مصري، وأقصد به فترة العبودية فى مصر، ثم صدور فرمان بمنعها، وتحرير العبيد، ورغم أن السينما الأمريكية، وقبلها الدراما التليفزيونية الأمريكية من خلال المسلسل الأشهر «جذور»، قدمتا هذا العالم وفق سياقه الغربي، إلا أن التجربة المصرية فريدة أيضا، وحافلة بالتفاصيل التاريخية الشيقة، فما بالنا بعمل درامى يفترض أن فيه الكثير من حرية الخيال والتصرّف والرؤية المعاصرة؟
الأكثر غرابة أن السيناريو وضع يده بنجاح على مفارقتين فى منتهى الأهمية تضمنان معالجة فريدة حقا: المفارقة الأولى هى لحظة صدور فرمان تحرير العبيد من ولى النعم، والمفارقة الثانية عدم تنفيذ الفرمان على أرض الواقع، بسبب مقاومة تجار العبيد (النخّاسين) من ناحية، وبسبب تردد العبيد أنفسهم لأنهم قد لا يجدون عملا ولا طعاما، وبسبب هاتين المفارقتين يمكن أن يتحدد مغزى الحكاية كلها فى أن الحرية لا تمنح بقرار، وإن كانت قد منحت فعلا وحررت الكثيرين فى أمريكا مثلا، ولكنها لابد أن تنتزع انتزاعا.
لا بأس أبدا فى هذه الفكرة الجيدة، ولكن ما أن تحولت إلى شخصيات أحادية الجانب، وعبر بكائيات وعواطف لا يمكن السيطرة عليها، ومن خلال تصرفات غريبة ومرتبكة وغير مقنعة، وعدم ضبط لاتجاهات الصراع وصولا إلى الذورة، كل ذلك أدى إلى مشكلات بالجملة، لا يمكن التغاضى عنها، ولا تستطيع العناصر التقنية إخفاءها.
يبدأ الفيلم من العام 1840 فى بلد أسد الإفريقي ، ولعلها أرض الحبشة، حيث يعيش الطفل حياة سعيدة مع والديه، ويدهشنا أن سفينة تجار العبيد الضخمة تترك الجميع، ولا تختطف إلا أسد! وهو الاسم الذى سيطلقه عليه الخاطفون لشراسة الصبي، وفى السفينة سيجد أمًّا بديلة هى وردة، ويتم بيع الاثنين إلى تاجر الرقيق محروس (كامل الباشا)، وهو رجل شامي، ويتربى الصبى أسد مع ليلى، ابنة محروس، والتى ستلعب دورها فى مرحلة الشباب رزان جمال.
لن تتوقع شيئا إلا ويتحقق، ولكن بصورة مبالغ فيها، أى أننا سنصبح دوما أمام كل الكليشيهات الممكنة، وفى حدها الأقصى، فالمنتظر أن تحب ليلى الشاب أسد ( محمد رمضان طبعا )، ولكن الحد الأقصى العجيب أن يتزوجا سرا بمباركة وردة (إسلام مبارك) وفريق من العبيد، وأن تنجب ليلى طفلا، وأنت تعرف ما سيفعله والدها النخّاس الأبيض، وما سيقوم به شريكه يكن (على قاسم)، الذى يطمع فى الزواج من ليلى، ولكن الانتقام يصل أيضا إلى الحد الأقصى.
وسط هذه المهزلة العائلية، يصدر فرمان تحرير العبيد، ووفقا لرؤية السيناريو لم يكن القرار الصادر من ولى النعم (ماجد الكدواني)، إلا بناء على طلب ولى عهده الشاب القادم من أوروبا (أحمد داش)، والذى يريد أن يقدم مصر فى صورة عصرية، ولكن الفرمان يظل حبرا على ورق لمقاومة تجار الرقيق، ولخوف العبيد من مسئولية الحرية، ومن انتقام التجّار.
وبينما يتحدد الصراع واضحا بين أسد المنكوب ومن انضم إليه من العبيد، فإن السيناريو يبدو حائرا فى حسم أمر بطله الشعبي، إذ يظل متأرجحا بين قيادة التمرد لتحرير العبيد، أو استعادة ابنه، وسيكون محور تحالف تجار العبيد هو الأقوى، والأكثر إقناعا، مما يحدث خللا فادحا فى البناء، يعمقه تلفيق كامل يدفع ولى العهد الشاب (العبيط تقريبا) إلى مكايدة والده الذى حرمه من حبيبته الأجنبية، فيقوم بتسليح أسد والعبيد.
وقبل أن تتوقع أننا اقتربنا من ذروة ونهاية، نعود من جديد إلى إزدواجية أسد بطل تحرير العبيد، وأسد الأب الباحث عن ابنه، وبدلًا من الشرس يكن، ينظم إليه تاجر آخر للرقيق (عمرو القاضي)، ثم تظهر أسخف المفاجآت بتورط ولى العهد فى اختطاف ابن أسد، فيرد أسد باختطاف ولى العهد نفسه، مما يحول دفة الصراع من مواجهة تجار العبيد، وهو الأمر المعقول بدعم من الفرمان، إلى مواجهة ولى النعم ذات نفسه فى مشهد طويل، انتقل بالفيلم من الميلودراما الملحمية، الى السيريالية الهزلية.
إنما هى الصنعة والحدود القصوى المبالغات العاطفية حد الإلحاح المزعج، تلك خلاصة المشاكل، التى زاد منها طوفان من الجثث، والقتل والإعدام المجاني، وحتى مشهد ولادة ليلى وصراخها أضيف بالمرة (على البيعة)، دون أن يدرك كتاب السيناريو أن الجرعة لا تطاق، وأن الخلطة فاشلة، وخصوصا أن مفاجآت اكتشاف الآباء المجهولين حاضرة أيضا، وبينما تفلت بعض المشاهد الرقيقة الجيدة، مثل مشهد الطفل الذى يمنع أسد من الانتحار، فإن مشاهد الصراخ والنحيب والصوت العالى تمحوها محوا، وتذكرنا من جديد بالكليشيهات السهلة والساذجة التى حاصرتنا على مدى زمن الفيلم الطويل.
لا يمكن فعل الكثير أمام تلك الشخصيات الحديّة المتطرفة، وإن كان على قاسم وأحمد داش وإسلام مبارك الأكثر محاولة لتقديم بصمة ما، ورغم أن الفيلم سيرشح بالتأكيد فى معظم عناصره التقنية رفيعة المستوى، وخصوصا موسيقى هشام نزيه، ومونتاج أحمد حافظ، وديكور وإشراف فنى أحمد فايز، وملابس ريم العدل، وهندسة الصوت أحمد عدنان، إلا أنه مع الأسف لن يكون بين الأفلام الأفضل، لأنه يفتقر إلى العنصر الأهم والأساسى وهو السيناريو الجيد.
وستصبح المفارقة الأهم، التى تتجاوز عجائب حكاية فيلم "أسد"، أن محمد دياب المخرج تفوّق بمراحل على محمد دياب وأخوته كتاب السيناريو، وأنه فشل مع ذلك كمخرج فى أن ينقذ الفيلم أو شخصياته أو أحداثه الغريبة، الغارقة فى الميلودراما الهندية، وفى الكليشيهات والإضطراب والتشويش.