تولي سلطنة عُمان اهتمامًا متزايدًا لقضية الأمن الغذائي وتوفير الغذاء للسكان وتمكينهم من الحصول عليه، وتعمل جاهدة على تعزيز الإنتاج في قطاعي الزراعة (النباتية والحيوانية) والثروة السمكية لتوفير المزيد من الغذاء، كما تسعى أيضًا إلى تطوير السياسات الزراعية والغذائية وتعزيز الاستثمار في قطاع الأمن الغذائي عبر برنامج وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، للاستثمار الاستراتيجي، الذي برز كأحد المحركات الرئيسة للنمو في قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات الغذائية، إذ تم خلال البرنامج بالخطة الخمسية العاشرة تنفيذ 493 مشروعًا استثماريًّا بقيمة إجمالية بلغت 1.8 مليار ريال عُماني ما يعادل 4.7 مليار دولار أمريكي. فضلاً عن توقيع الشراكات مع مختلف دول العالم في هذا المجال.
ونظرًا لأهمية الأمن الغذائي في اقتصاد عُمان ودوره البارز كقطاع مساهم في التنويع الاقتصادي، تم تضمينه كهدف رئيس في رؤية عمان 2040، ضمن أولوية البيئة والموارد الطبيعية، بهدف تحقيق أمن غذائي ومائي يعتمد على الموارد الطبيعية المتاحة واستخدام التقنية الحديثة والاستفادة من التنوع البيولوجي. حيث تضمنت وثيقة رؤية عمان 2040 مؤشراً للاكتفاء الذاتي من الغذاء، وتعمل الجهات المختصة على تطوير وتحديد أهدافه في هذا السياق.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، شهد منتدى الأعمال العُماني البيلاروسي الذي أقيم بمدينة مينسك توقيع 7 مذكرات تفاهم في مجال الأمن الغذائي، على هامش زيارة الوفد التجاري العُماني إلى جمهورية بيلاروس.
تتعلق مذكرات التفاهم التي وقّعتها الشركات العُمانية مع نظيراتها البيلاروسية، بمجال الأمن الغذائي وتطوير نماذج أولية للذكاء الاصطناعي لقطاعات المياه والزراعة والتربة ونقل المعرفة والتعبئة المشتركة ونقل المعرفة التصنيعية والبنية الأساسية للتخطيط العمراني وحلول المدن الذّكية ونظم المعلومات الجغرافيّة.
وتم خلال المنتدى تقديم عرض مرئي لوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، تناول الحوافز والمزايا التنافسية التي توفرها سلطنة عُمان للمستثمرين، وتسليط الضوء على البيئة الاستثمارية الجاذبة والفرص الاستثمارية الواعدة المتاحة في مختلف القطاعات الاقتصادية، إضافة إلى التسهيلات والخدمات التي تقدمها منصة "استثمر في عُمان".
وتم على هامش المنتدى عقد لقاءات ثنائيّة مُباشرة بين ممثلي الشركات والمؤسسات من الجانبين لبناء شراكات تجارية واستثمارية جديدة، بما يسهم في توسيع حجم التبادل التجاري وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وجمهورية بيلاروس.
وفي ذات السياق، وفي إطار تنفيذ استراتيجية التنمية المتوازنة لكل المحافظات في عُمان للاستفادة من الميزة النسبية لكل واحدة منها، تواصل محافظة مسندم تعزيز حضورها بوصفها إحدى المحافظات الواعدة في قطاع الأمن الغذائي بسلطنة عُمان، مستفيدة من مقوماتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي وما تشهده من مشروعات تنموية واستثمارية متسارعة تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق مُستهدفات التنمية المستدامة، إلى جانب دعم منظومة الأمن الغذائي والمائي ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي.
ويمنح الموقع الاستراتيجي لمحافظة مسندم على خطوط الملاحة البحرية العالمية أهمية متزايدة في دعم سلاسل الإمداد الغذائي والتجارة البحرية وتعزيز فرص تصدير المنتجات السمكية والغذائية، بما يسهم في ترسيخ دور المحافظة كمركز داعم للأمن الغذائي البحري على مستوى سلطنة عُمان ودول الخليج.
وهنا تعمل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه وتحديداً في مسندم وفق أهداف استراتيجية تركز على إدارة وتنمية الثروات الزراعية والسمكية والموارد المائية بما يضمن استدامتها وتعزيز إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب زيادة فرص الاستثمار في القطاعات الزراعية والسمكية والمائية وتعزيز القيمة المضافة والخدمات المرتبطة بها.
إذ تنفرد مسندم بمزايا استراتيجية جعلتها في مقدمة المحافظات الجاذبة للاستثمارات، خاصة في ظل تنفيذ العديد من المشروعات التنموية التي تسهم في توفير فرص العمل وتنشيط الحركة الاقتصادية وتعزيز التنمية الإقليمية بالمحافظة.
ويشهد قطاع الثروة السمكية بالمحافظة نموًّا ملحوظًا في حجم الاستثمارات الاقتصادية المنتجة، حيث تتوزع المشروعات بين مصانع تجهيز وتعبئة وتعليب الأسماك، ومصانع الثلج المستخدمة في حفظ وتجميد الأسماك، إضافة إلى محلات معدات وأجهزة الصيد وورش صيانة القوارب، مبينًا أن هذه المشروعات استفادت من البنية الأساسية التي أنشأتها الوزارة والتسهيلات المقدمة للمستثمرين في القطاع السمكي.
كما تشهد مسندم توسعًا في مشروعات الاستزراع السمكي، مستفيدة من المقومات البيئية والطبيعية التي تتميز بها من خلجان وأخوار ومساحات بحرية واسعة وموارد مائية مناسبة، الأمر الذي يعزز قدرتها على التحول إلى مركز رئيس للاستزراع السمكي في الأقفاص العائمة، خاصة بعد أن أثبتت المسوحات الفنية وجود أكثر من 30 موقعًا ملائمًا لتنفيذ هذه المشروعات في مختلف خلجان وأخوار المحافظة.
ولعل المشروعات الاستثمارية القائمة بمسندم تمثل ركيزة مهمة لدعم الأمن الغذائي وتحفيز الاقتصاد المحلي، حيث تم تنفيذ عدد من المشروعات النوعية من بينها مشروع استزراع الأسماك الزعنفية بالأقفاص العائمة والمشروعات المرتبطة بالقطاع السياحي والغذائي.
وطرحت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه عبر منصة "تطوير" حزمة من الفرص الاستثمارية الجديدة خلال عام 2025م بتكلفة استثمارية تتجاوز 10 ملايين ريال عُماني، كما وصلت التكلفة للخطط الاستثمارية لمسندم خلال عام 2026م، إلى 16.6 مليون ريال عُماني. هذه المشروعات تعزيز استقرار المجتمعات الساحلية والريفية ودعم سلاسل الإمداد الغذائي ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي من عدد من المنتجات الغذائية.
ووفق المؤشرات الاستثمارية وحجم المشروعات الجاري تنفيذها، فإن مسندم تتجه نحو بناء منظومة إنتاج غذائي متكاملة تقوم على تنويع مصادر الغذاء وتعزيز الصناعات المرتبطة بالقطاعات الزراعية والسمكية والمائية، بما يدعم استقرار سلاسل الإمداد ويرفع إسهام المحافظة في تحقيق الاكتفاء الذاتي على المستوى الوطني. بما ينسجم مع مستهدفات رؤية “ عُمان 2040” الرامية إلى بناء منظومة غذائية مستدامة وتعزيز قدرة سلطنة عُمان على مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بالغذاء.
وهنا يأتي أهمية المحور الثالث المتعلق بالثروة الحيوانية في عُمان باعتبارها أحد روافد تحقيق الأمن الغذائي، ووفقاً للدراسات الاقتصادية، ترتكز الاستراتيجية العُمانية لتنمية واستدامة الثروة الحيوانية على تحقيق الأمن الغذائي ورفع نسب الاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية إلى ما لا يقل عن 75% من سلع السلة الغذائية الحيوانية، بما يعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني ويرفع إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي.
إذ يعد قطاع الثروة الحيوانية أحد الركائز الأساسية في منظومة الأمن الغذائي، حيث يشهد تطورا ويحظى باهتمام حكومي متواصل مدعوم بحزمة من السياسات والاستثمارات الاستراتيجية الهادفة إلى رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الاستدامة.
فالتوجه العُماني الحالي يركز على التحول بالقطاع من نمط تقليدي إلى قطاع إنتاجي واستثماري متكامل، عبر توسيع آفاق التعاون الإقليمي والدولي، وتنفيذ مشروعات نوعية تسهم في زيادة الإنتاج المحلي، إلى جانب التوسع في برامج الأمن الغذائي وتحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي، لا سيما في مجالات اللحوم البيضاء والحمراء، ومنتجات الألبان والصناعات التحويلية المرتبطة بها.
بلغ إجمالي حجم الثروة الحيوانية في سلطنة عُمان نحو 4 ملايين و112 ألفا و824 رأسا بنهاية عام 2025م، وسجل إنتاج اللحوم البيضاء في عُمان نحو 149.6 ألف طن خلال عام 2024م، في حين بلغ إنتاج البيض نحو 977 مليون بيضة، ما يعكس مساهمة هذا القطاع في دعم منظومة الأمن الغذائي وتلبية الطلب المحلي.
ونظراً للتقلبات العالمية المتمثلة في ارتفاع أسعار الأعلاف، تبذل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بعُمان، جهودًا متواصلة لمعالجة هذه التحديات، من خلال البحث عن مصادر محلية بديلة لإنتاج الأعلاف، ودراسة إمكانية استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في زراعة الأعلاف، إلى جانب تشجيع الاستثمار في مجالات إنتاج وتصنيع الأعلاف، بما يسهم في تعزيز الأمن العلفي وتقليل الاعتماد على الواردات.
إذ تؤكد الدراسات أن الاستراتيجية الوطنية لاستدامة الثروة الحيوانية تعتمد في تحقيق مستهدفاتها على عدد من المحاور الرئيسة، من أبرزها تحديث أنماط الإنتاج الحيواني التقليدي، والمحافظة على السلالات المحلية وتحسينها وتنميتها، إلى جانب رفع القدرة التنافسية للمنتجات الحيوانية في الأسواق المحلية والخارجية. كما تشمل تطوير سلاسل القيمة وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات، وتشجيع الاستثمارات النوعية في القطاع.
إجمالاً يمكن القول أن الإستراتيجية الوطنية العُمانية تعتمد على عدة ركائز أساسية لضمان توافر الغذاء واستدامته، وهي الاستثمار الإستراتيجي عبر إنشاء الشركة العمانية للاستثمار الغذائي، والاستغلال الأمثل للموارد عبر الاعتماد على التقنيات الحديثة في قطاعي الزراعة والمصايد السمكية، والمخزون الاستراتيجي عبر توسيع السعات التخزينية للسلع الأساسية وبناء صوامع ومستودعات حديثة لضمان استقرار الإمدادات في حالات الطوارئ والأزمات العالمية، وأخير تأتي أهمية الابتكار والاستدامة، عبر دعم البحث العلمي في مجالات تقنيات الغذاء، وتمكين القطاع الخاص.