قبل حوالي شهرين، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية و إيران عن وقف إطلاق النار بعد حرب استمرت 40 يومًا، ومنذ ذلك الحين يقول الرئيس الأمريكي إن اتفاق إنهاء الحرب مع إيران بات وشيكًا، ثم يعود الوضع إلي نقطة الصفر أو ربما أسوأ.
وفي ظل الحديث عن قرب التوصل لاتفاق علي "مذكرة تفاهم" تحدد جدول أعمال المزيد من المحادثات بين الجانبين، تقول "بي بي سي" إن الوصول إلي ذلك يبدو أنه أمر صعب، مضيفة أن ترامب يجد نفسه في مأزق، بعدما تورط في تداعيات ما وُصف بأنه خطأ فادح ارتكبه عندما خاض الحرب وهو يفترض تحقيق نصر سهل، وهو ما أكدته العديد من وسائل الإعلام العالمية التي شددت علي أن الرئيس الأمريكي في ورطة حقيقية، وأنه عجز عن تحقيق معظم أهدافه التي أعلنها في بداية الحرب ، والتي أعتقد أنه سيحققها بسهولة.
ذكرت صحيفة "الجارديان" البريطانية، أن أهداف ترامب المتضاربة ورواياته المتباينة بشكل كبير منذ بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير تشكل رحلة محيرة تهدد في النهاية بإعادته إلي نقطة البداية، مشيرة إلي أنه بعد أسابيع من المفاوضات المتقطعة، باتت الولايات المتحدة و إيران علي وشك التوصل إلي اتفاق لإنهاء القتال، وستكون النتيجة المباشرة والملموسة لهذا الاتفاق هي إعادة فتح مضيق هرمز. وكان لإغلاق إيران هذا الممر المائي الحيوي استراتيجيًا، الذي كان يمر عبره 20% من إمدادات النفط الخام العالمية قبل بدء الحرب، أثر كارثي علي الولايات المتحدة واقتصادها، حيث أدي إلي ارتفاع أسعار البنزين بشكل حاد ونقص في الأسمدة يهدد الإمدادات الغذائية وأسعارها.
ولهذا، فإن الأولوية التي يراها ترامب في إعادة فتح المضيق تجسد بوضوح الردع والنفوذ الإضافي الذي اكتسبته طهران نتيجة الصراع، وهو ما يؤكده قرار إدارة ترامب معالجة المشكلة عبر المفاوضات بدلا من القوة العسكرية، ولوضع الأمور في نصابها، تقول الصحيفة، كانت حركة الملاحة البحرية تمر عبر المضيق دون عوائق قبل اندلاع الحرب.
وأشارت "الجارديان"، إلي أن العديد من مؤيدي ترامب الجمهوريين المتشددين أقروا حجم التراجع الوشيك عن الأهداف السابقة، وحذروا من مخاطر اتفاق بشأن قدرة إيران علي تخصيب اليورانيوم، والذي قد ينتهي به المطاف شبيها بالاتفاق الذي وقعه باراك أوباما عام 2015.
ورأت الصحيفة، أن ترامب يعتبر، إلي حد كبير، مسئولًا عن مشاكله، بفضل مجموعة أهداف وتصريحات مبالغ فيها أطلقها في بداية الحرب، والتي لا يزال يردد بعضها، فقد أعلن في بيانه الافتتاحي بعد أولي الضربات الأمريكية علي أهداف إيرانية: "هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء علي التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني".
ودعا ترامب في الخطاب نفسه، أعضاء الحرس الثوري والقوات المسلحة والشرطة إلي إلقاء أسلحتهم، وحدد تغيير النظام كهدف من خلال حث الشعب الإيراني علي "تولي زمام الأمور، لقد حان وقت العمل"، علي حد قوله، ثم طالب لاحقا بـالاستسلام غير المشروط من القيادة الإيرانية، وأنه سيكون الخيار الوحيد المقبول، بينما قال أكثر من مرة إن الحرب قد انتهت فعليا، مصرًا علي تأكيده بتدمير القوات الجوية والبحرية الإيرانية، فضلا عن قدرات إيران العسكرية عمومًا.
ونقلت "الجارديان"، عن "سينا طوسي" المحلل في مركز السياسة الدولية قوله إن ترامب شن هذه الحرب بأهداف طموحة للغاية، وأعلن علانية رغبته في تغيير النظام، وتدمير برنامجهم النووي وقدراتهم الصاروخية، وحلفائهم الإقليميين، أو ما يسمي بالوكلاء، و"لكننا نري أنه وافق في نهاية المطاف علي وقف إطلاق النار، ونعلم من جميع التقارير التي صدرت منذ ذلك الحين أن القدرات العسكرية الإيرانية لم تنخفض بالقدر الذي صوره البيت الأبيض ، إذ يحتمل أن نحو 70% من صواريخهم الباليستية، و70-80% من طائراتهم المسيرة، لا تزال سليمة".
وأضاف طوسي، أنه خلافًا لتوقعات ترامب الأولية، ورغم عمليات الاغتيال التي استهدفت عددًا كبيرًا من قادته، بمن فيهم المرشد الأعلي آية الله علي خامنئي، علي يد إسرائيل، لا يزال النظام الإيراني قائمًا، وبينما يعلن الرئيس الأمريكي أن قادة النظام الذين خلفوه أكثر اعتدالًا من ذي قبل، يبدو النظام أكثر تصلبًا من أي وقت مضي.
ومع استبعاد تغيير النظام باعتباره دربًا من الخيال، حوّل ترامب هدفه الرئيسي إلي منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أن هذا الهدف كان قد تحقق ظاهريًا بقصف ثلاث منشآت نووية في فوردو ونطنز وأصفهان في يونيو العام الماضي، حيث أصر ترامب في حينه علي أنه دمر مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب، وفي الحقيقة، لا تزال إيران تمتلك 970 رطلا من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يكفي لصنع عشر قنابل، ويقال إنه موزع في عدد من المواقع تحت الأرض.
من جهتها، ذكرت مجلة "ذي نيويوركر" الأمريكية، أن عملية "الغضب الملحمي" تحولت إلي كارثة ملحمية، ونقلت عن "علي واعظ" مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية قوله: "المفارقة الكبري هي أننا خضنا هذا الصراع المكلف للغاية لننتهي في وضع نحصل فيه علي وثيقة من صفحة واحدة تفتقر إلي أي تفاصيل فنية. الكثير من النقاط لا معني لها علي الإطلاق".
أما "باربرا ليف" السفيرة الأمريكية السابقة ومساعدة وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط، فقالت إن الاتفاقات المبرمة مع إيران حتي الآن لم تعالج العديد من المبررات الأصلية التي ساقها ترامب لشن الحرب، وأشارت ليف، أيضًا إلي عدم وجود أي ذكر لقطع إيران دعمها لوكلائها الإقليميين. وبدلاً من ذلك، اشترطت إيران أن يتضمن أي اتفاق إنهاءً موازيًا للحرب الإسرائيلية علي لبنان .
وذكرت مجلة "ذي أتلانتك" الأمريكية، أن فشل ترامب في إبرام اتفاق لا ينبع من عدم رغبته في ذلك، فقد أمضي أسابيع يبحث عن مخرج من الصراع، وحاول إجبار إيران علي الاستسلام بسلسلة من التهديدات المتصاعدة والمواعيد النهائية، لكن في كل مرة، كانت إيران تتحدي تهديداته.
ورغم تهديداته المتكررة، فإن ترامب متردد في استئناف الأعمال العدائية، حيث قال مساعدوه إنه يدرك استنزاف مخزون الذخائر الأمريكية، ويخشي أن ترد إيران باستهداف البنية التحتية للطاقة لدي جيرانها في الخليج، ما سيفاقم أزمة الوقود العالمية. ويعتقد مساعدوه أن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، الذي يوقف صادرات النفط الإيرانية، سيؤدي في نهاية المطاف إلي استسلام إيران. لكن ترامب أعرب عن نفاد صبره إزاء هذه العملية، وشجع المفاوضين علي تكثيف جهودهم.
وشددت "ذي أتلانتك"، علي أنه إذا تم التوصل إلي اتفاق، فمن المرجح أن يُعلن ترامب النصر- وقد فعل ذلك بالفعل عدة مرات لكن هذا سيكون ادعاء مشكوكًا فيه.
لقد ازداد المتشددون في إيران جرأة، وحتي لو أُعيد فتح مضيق هرمز ، فقد أظهرت طهران قدرتها علي إغلاقه فعليًا في المستقبل، علي أقل تقدير، وأصبح النظام أكثر وعيًا بالسلاح الاقتصادي الذي يمتلكه، مما يمنح إيران نفوذًا، حتي مع ادعاء ترامب بأن أي اتفاق نووي يبرمه سيكون أشد صرامة من اتفاق إدارة أوباما لعام 2015.