ضربة موجعة تلقتها ألمانيا بعد أن فشلت فى الحصول على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن الدولى، إذ اعتبر العديد من الخبراء والمتخصصين هذا الأمر ضربة لهيبة ألمانيا ومكانتها فى المحافل الدولية، حيث ستفقد الدولة الأكبر فى الاتحاد الأوروبى من ناحية الاقتصاد وعدد السكان نفوذًا دبلوماسيًا مهمًا فى الأمم المتحدة.
أخفقت ألمانيا فى الحصول على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن الدولى فى التصويت الذى جرى فى مواجهة البرتغال و النمسا على المقعدين المخصصين لأوروبا الغربية، واللذين يبدأ تمثيلهما عام 2027.
انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة كلاً من النمسا وقيرغيزستان و البرتغال وترينيداد وتوباجو وزيمبابوى لعضوية مجلس الأمن الدولى المكون من 15 عضوًا لفترة مدتها سنتان تبدأ فى يناير 2027. وحلت ألمانيا، التى بذلت جهودا حثيثة للحصول على المقعد، فى المرتبة الثالثة فى المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتًا للبرتغال و131 صوتًا للنمسا. وهذه الخسارة هى الأولى فى تاريخ ترشح ألمانيا لعضوية أهم هيئة فى الأمم المتحدة.
وعقب الإعلان عن تلك الخسارة، قدمت وسائل الإعلام العالمية تفسيرات متعددة لهذا الأمر، وتأثير ذلك على نفوذ ومكانة برلين على الساحة الدولية، فى هذا الإطار، نقلت إذاعة "دويتشه فيله" الألمانية عن "كريستوف هويسجن" السفير الألمانى السابق لدى الأمم المتحدة قوله، إن الحكومة الألمانية تتحمل جزءًا من المسئولية فى هذا الفشل، مضيفًا: "بعد آخر مرة شغلنا فيها مقعدًا فى مجلس الأمن خلال عامى 2019 و2020، اكتفينا بالجلوس جانبًا ولم ننظم حملة الترويج اللازمة بالزخم الذى كان ينبغى أن نقوم به ... دخلنا بقوة خلال العام الماضى، لكن فى ذلك الوقت كانت أصوات كثيرة قد حسمت بالفعل".
واعتبر هويسجن، أن دور المستشار الألمانى فريدريش ميرتس كان من بين أسباب الإخفاق، وقال "عندما يشارك 130 رئيس دولة وحكومة فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا يحضر المستشار الألمانى، وعندما تشارك النمسا برئيسها ومستشارها ووزيرة خارجيتها، بينما تُمثَّل ألمانيا بوزير خارجية نشط للغاية فقط، فإن ذلك يعكس إلى حد ما حجم التقدير الذى توليه ألمانيا للأمم المتحدة".
كما رأى الدبلوماسى الألمانى أن دعم ألمانيا لإسرائيل ربما كان أحد أسباب عدم حصولها على الأصوات الكافية، وقال "لقد وُجهت إلينا للأسف اتهامات باتباع معايير مزدوجة"، مضيفا أن ذلك "ربما أسهم أيضا فى عدم انتخابنا".
موقع "يورو نيوز"، لم يختلف كثيرًا، وذكر فى تقرير أن موقف ألمانيا الداعم لإسرائيل برز كأحد أبرز العوامل التى أضعفت فرصها فى الفوز، خصوصًا فى ظل تصاعد الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة، وأشار دبلوماسيون ومحللون إلى أن إحجام برلين عن تبنى موقف أكثر تشددًا تجاه الانتهاكات المرتكبة فى القطاع ربما دفع عددًا من الدول الأعضاء إلى حجب أصواتها عنها.
"الغرور الألمانى" .. هكذا عنونت صحيفة "دى تسايت" الألمانية تقريرها، تعليقًا على الهزيمة الألمانية فى الحصول على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن، قائلة: أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة نتائج الجولة الأولى من التصويت، فتعالت الاحتفالات فى صفوف وفدى البرتغال والنمسا، فى حين اكتفى وزير الخارجية الألمانى بالتصفيق بهدوء، علما بأن صدمته كانت واضحة.
وذكرت الصحيفة، أن سبب فشل ألمانيا فى الحصول على المقعد يتعلق بموقفها من القانون الدولى ومن الصراع فى الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن مواقف المستشار الألمانى خلال العام الماضى ساهمت فى إضعاف صورة البلاد كمدافع ثابت عن القانون الدولى، وذلك بسبب تبرير بعض العمليات العسكرية التى نفذها حلفاء برلين بدلًا من تقييمها بوضوح وفق المعايير القانونية الدولية.
وخلصت الصحيفة، إلى أن حملة الترشح الألمانية كشفت مشكلة أعمق فى النظرة الألمانية إلى الأمم المتحدة، وهى الاعتقاد بأن لها حقاً شبه تلقائى فى الحصول على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن كل 8 سنوات، ورأت أن هذا التصور يُعد نوعًا من الغرور السياسى الذى لا يلقى قبولًا لدى كثير من الدول، خصوصًا عندما لا تكون المواقف الألمانية حاسمة ومتسقة فى القضايا الدولية الأساسية.
من جانبها، رأت مجلة "دير شبيجل" الألمانية، أن الدبلوماسية الألمانية تعيش واحدة من أصعب لحظاتها بعد فشل ألمانيا فى الفوز بالمقعد، مشيرة إلى أن نتيجة التصويت أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل الدور الألمانى داخل الأمم المتحدة، وحول ما إذا كانت برلين ستعيد النظر فى حجم مساهماتها المالية الكبيرة للمنظمة الدولية، وأضافت أنه على مدى عقود كانت ألمانيا تنجح فى جميع محاولاتها السابقة للحصول على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن، حيث شغلت هذا المقعد ست مرات كان آخرها خلال عامى 2019 و2020.
وفى التصويت الأخير خسرت ألمانيا أمام البرتغال و النمسا من الجولة الأولى وبفارق واضح، ما اعتُبر انتكاسة دبلوماسية كبيرة للمستشار فريدريش ميرتس ولوزير الخارجية يوهان فاديفول.
وتساءلت المجلة الألمانية، عما إذا كان وزير الخارجية سيستقيل بعد خسارة ألمانيا، وذكرت أن فاديفول كشف أنه فكر فى تحمل مسئولية سياسية عن هذا الفشل، إلا أنه أكد فى الوقت نفسه أنه لا يرى سببًا يدفعه للاستقالة، كما أن استقالته فى هذه المرحلة قد تُفسر على أنها إشارة ضعف إضافية للحكومة الألمانية التى تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، وطرحت المجلة سؤالًا آخر عما إذا كانت سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل قد لعبت دورًا فى الهزيمة، وقالت إن بعض السياسيين خاصة داخل الحزب الاشتراكى الديمقراطى يرون أن مواقف برلين من الحرب فى غزة ودعمها القوى لإسرائيل ربما أثرت فى نتيجة التصويت، وأضافت أن فاديفول نفسه أقر بإمكانية أن تكون مواقف ألمانيا الداعمة لأوكرانيا وإسرائيل قد أثرت على تصويت بعض الدول، لكنه شدد على أن بلاده لن تغير نهجها الأساسى تجاه إسرائيل.