مع التسليم بأن "التيمات" التي تعالجها الدراما محدودة ومتكررة، ومع التسليم بأن السينما الرومانسية بالذات تعمل فى إطار أكثر تحديدا، إلا أن ذلك لا يعني أن تكون الأفلام قادمة من المخازن أو الثلاجات، أو أن يكون هناك استسهال أو سذاجة فى استخدام "التيمات" المعروفة، بل على العكس، فإنه كلما كانت الأطر محدودة ومعروفة، فلابد أن تكون المعالجات أكثر اجتهادا وابتكارا، لجذب اهتمام المتفرج إلى ما يشاهده، وخصوصا أنه سيذهب إلى السينما فى عز الحرّ والزحام، محاولا أن يجد شيئا مختلفا عما يراه فى المسلسلات المنزلية.
هنا تكمن مشكلة فيلم الكراش ، الذي كتبه لؤي السيد وأخرجه محمود كريم ، والذي يقدم ما يفترض أنه "كوميديا رومانسية معاصرة"، ولكن عبر أقدم وأسهل الطرق، ودون ضحك أو ابتكار، وكأنك تشاهد شخصيات من الأربعينيات مثلا ترتدي موضة هذه الأيام، وبكثير من الاستسهال والعادية المستفزة، اللهم إذا كان الجديد أن نرى منتجعا فى الغردقة، وأن نرى أبطال الفيلم على ظهر أحد اللنشات !
الثنائي لؤي السيد ومحمود كريم قدّما من قبل تجارب مشتركة كوميدية ناجحة، بعضها جيد ومبتكر مثل فيلم " ياباني أصلي "، وبعضها ظريف ومسلي، بالذات مع رامز جلال ، مثل فيلم "سبع البرمبة"، وكان واضحا بالنسبة لي أن لؤي وكريم لديهما الموهبة وربما الحرفة أيضا، ولكن تجاربهما متباينة المستوى بشكل لافت، أي أن بعضها تأخذ وقتها، وتُنفذ "على المزاج"، وبعضها تُكتب وتُنفذ بشكل "مسلوق" ينقصه الكثير، ويبدو أنه يُنتج تحت ضغط الطلب عليهما، واستجابة لظروف السوق، ومواسم السينما المختلفة.
"الكراش"، والاسم هو المصطلح الشائع (crush) أي "الشخص الذي تعجب به حد الوله والانسحاق"، من تلك الأفلام المسلوقة، والذي يبدو من خطوط عامة يقوم عليها البناء أنه معالجة معاصرة لفيلم "إشاعة حب"، لا أعني بذلك أن لدينا نفس القصة والتفاصيل، ولكن لدينا عناصر أساسية متكررة فى الفيلمين، ففي "إشاعة حب" لدينا شاب خجول وعاشق يحاول عمه أن يساعده على الزواج من ابنة عمه الجميلة، وفى "الكراش" لدينا أيضا شاب خجول هو عمر ( أحمد داود )، يعمل مديرا ماليا فى شركة خاله زير النساء فؤاد ( باسم سمرة )، يقع الشاب الخجول فى أول نظرة فى حب مي ( ميرنا جميل )، صاحبة شركة السياحة التي جاءت الى شركة فؤاد لعمل حملة إعلانية لمنتجع سياحي تملكه مي.
سيقوم الخال بمساعدة عمر الولهان الخجول، ولكن باصطحابه معه الى المنتجع، وهناك يظهر غريم عمر ( أو لوسي فى نسخة "إشاعة حب")، وهو هنا الشاب الرياضي تامر (حسن أبو الرووس) المتعاقد مع المنتجع لإدارة الجيمنازيوم، والذي يريد خطبة مي، ولكي يدفع فؤاد مي لكي تحب عمر، يستثير غيرتها بادعاء محبة راقصة شهيرة تدعى سوزانا لـ عمر، وهذه الحيلة هي المعادل الجديد لحكاية عمر الشريف مع هند رستم فى "إشاعة حب".
تلك ملامح التماثل الواضحة بين خطوط الفيلمين، ثم أضاف لؤي السيد خطا آخر إضافيا بجعل فؤاد يقع فى حب نازلي ( شيرين رضا ) أم مي، لزوم زيادة حالات الكراش ، وإطالة زمن الفيلم ليكون روائيا طويلا .
أرجو ألا تفهم من كلامي أنني ضد استلهام أو حتى اقتباس أفلام مصرية قديمة، و فيلم "إشاعة حب" نفسه مقتبس من نص أجنبي، ولكن السؤال هو:
ما الذي ستضيفه لكي تكون مقنعا ومختلفا؟
من هذه الزاوية فإن " الكراش " يبدو فقيرا فى عنصري الخيال والضحك، وحتى مكان المنتجع يبدو مكانا محدودا، لأن الشخصيات لا تتوقف عن الحوار، وتصرفات كثيرة تبدو مفتعلة، كأن يصر فؤاد على سفر مدير الشركة المالى إلى المنتجع، رغم الصدام الذي حدث بين عمر ومي فى أول لقاء، والأغرب أن توافق مي على سفر عمر، قبل أن تقع فى حبه.
من ناحية أخرى، تشعر مي بالغيرة بسهولة من الراقصة سوزانا، ودون أن تشك حتى فى أن فؤاد هو الذي قام بتدبير هذه العلاقة، وفى حين يقع فؤاد فى غرام نازلي عاشقة الحياة، فإن نازلي ترفض الزواج حتى تتزوج ابنتها مي، وهو موقف لا يتناسب مع شخصية الأم المنطلقة والحرة.
ولو صمدت أمام ثقل ظل شخصية تامر، فلن تتفهم لماذا تصبر عليه مي ؟ ولماذا تتردد أصلا فى رفضه بصرف النظر عن علاقتها مع عمر المتعثر فى خجله؟!!، والأغرب أننا سنعرف فى النهاية أنه لم يكن يحب مي وإنما كان يطمع فى المنتجع، ولدينا ثغرات كثيرة أساسها الاستسهال والتلفيق والكسل، مثل مباراة ملاكمة ساذجة بين عمر وتامر، ومسابقة فى صيد الريتسا من الأعماق، وعليك أن تصدق أن عمر المرتبك غواص محترف ينزل إلى البحر، ويهرب من سمكة القرش، وغير ذلك من المشاهد العجيبة.
نصل قرب النهاية إلى مؤامرة مفبركة موديل الأربعينيات نعرف من وراءها قبل أن يعلنه الفيلم، وندرك أن ضبط عمر فى سرير سوزانا وليد الشر الكامن فى نفس تامر، المهم أن تتزوج كل كراش من كراشها، وأن تتزوج مي من عمر، ونازلي من فؤاد، و"توتة توتة فرغت الحدوتة".
مرة أخرى، ليست المشكلة فى "التيمة" ولكن فى المعالجة البائسة، ولا أعتقد أن الفيلم كان سيخسر كثيرا لو لم يصوّر فى منتجع فى البحر الأحمر، فلا أظن أن البحر وحفلات هاواي والنايت كلب كانت أشياء جديدة أو مختلفة، ورغم عناصر جيدة مثل تصوير مروان صابر وموسيقى عمرو إسماعيل، إلا أن الحوارات هي أساس الحكاية، وبعضها لا يستحق أكثر من مقعدين وكوبين من الليمون فى أي ناد على النيل !
أفضل الممثلين هو أحمد داود، مناسب تماما لشخصية عمر الخجولة بكل تفاصيلها، بما فى ذلك البنطلون ذي الحمالات (مثل حسين فى "إشاعة حب")، ميرنا جميل وجه يتميز بالقبول مع أداء هاديء وبسيط، و شيرين رضا مناسبة أيضا لشخصية نازلي، وإن بدا موقفها من الزواج غريبا، أما باسم سمرة، فرغم خفة ظله، فقد كان أقرب إلى رئيس عصابة فى عطلة على الشاطيء منه إلى شخصية صاحب شركة أعلانات يتميز بالوسامة واللباقة والعين الفارغة .
"الكراش" دليل جديد على أن الأعمال ليست بالتيمات ولا بالنيّات، ولكنها بالتعب فى المعالجات، وفى الاستلهام الخلاّق والحر والمناسب لطبيعة شخصيات هذا الزمن، حتى لو كانت عناصر البناء من أفلام مصرية قديمة.