على مدار سنوات طويلة ارتبط تناول البيض بالعديد من التحذيرات، فمرة يُقال إنه يرفع نسبة الكوليسترول ويزيد خطر أمراض القلب، ومرة أخرى تنتشر شائعات تربطه بالحساسية والتهابات الجيوب الأنفية. لكن مع تطور الأبحاث العلمية ظهرت صورة أكثر وضوحًا عن هذا الغذاء الشهير.
في هذا التقرير يوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، حقيقة تأثير البيض على صحة الإنسان، ولماذا ما زال يُعد من أهم مصادر البروتين في الأنظمة الغذائية.
هل البيض يرفع الكوليسترول ؟
يقول الدكتور أحمد أبو الريش:
في منتصف القرن العشرين بدأ العلماء في دراسة العلاقة بين التغذية وأمراض القلب، ولاحظوا أن البيضة تحتوي على كمية ليست قليلة من الكوليسترول ، حيث تحتوي البيضة الواحدة تقريبًا على 180 إلى 200 ملجم من الكوليسترول.
وبناءً على ذلك ظهرت تحذيرات كثيرة في ستينيات القرن الماضي، خاصة مع توصيات من جمعيات صحية مثل الجمعية الأمريكية للقلب، والتي ركزت على تقليل تناول الكوليسترول الغذائي.
ومن هنا بدأ الخوف من صفار البيض، وظهرت نصائح تدعو إلى عدم تناول أكثر من بيضتين أو ثلاث أسبوعيًا، باعتبار أن الكوليسترول الموجود فيه قد يكون سببًا مباشرًا في أمراض القلب وتصلب الشرايين.
لكن العلم لم يتوقف عند هذه النقطة، فمع مرور الوقت ظهرت دراسات أكثر دقة، خاصة منذ بداية الألفية وحتى عام 2015 تقريبًا، وأوضحت أن الكوليسترول الذي نتناوله في الطعام لا يؤثر على مستوى كوليسترول الدم بنفس الصورة التي كان يُعتقد بها سابقًا.
فالإنسان لديه مصنع داخلي للكوليسترول يعمل باستمرار، وهو الكبد، حيث يقوم الجسم بتنظيم إنتاجه. فعندما يحصل الجسم على كمية أكبر من الكوليسترول من الغذاء يقلل من تصنيعه، وعندما تقل الكمية يزيد الإنتاج للحفاظ على التوازن.
وكانت نقطة التحول المهمة عام 2015، عندما أزيل الحد الصارم السابق للكوليسترول الغذائي من التوصيات الغذائية الأمريكية، وبدأ التركيز أكثر على العوامل الأكثر ارتباطًا بارتفاع مخاطر أمراض القلب، مثل الدهون المتحولة والأطعمة المصنعة.
أما البيض، فأغلب الدراسات الحديثة تشير إلى أنه غذاء آمن لمعظم الأشخاص، وأن تناول بيضة أو بيضتين يوميًا داخل نظام غذائي متوازن يمكن أن يكون أمرًا طبيعيًا.
هل زلال البيض يسبب التهاب الجيوب الأنفية؟
ويضيف الدكتور أحمد أبو الريش:
هناك نقطة أخرى تثير الجدل، وهي استخدام زلال البيض في بعض التجارب العلمية الخاصة بالحساسية.
بالفعل يستخدم العلماء بروتين زلال البيض المعروف باسم Ovalbumin في العديد من الأبحاث على الفئران لإحداث نموذج تجريبي للحساسية أو التهابات مجرى التنفس والجيوب الأنفية.
لكن الخطأ الشائع هو تفسير هذه المعلومة بشكل غير علمي، والقول إن "العلماء يستخدمون زلال البيض لإحداث حساسية في الفئران، إذن البيض يسبب التهاب الجيوب الأنفية لكل الناس".
وهذا استنتاج غير صحيح، لأن التجارب العلمية تستخدم مواد معينة لإحداث حالة محددة داخل نماذج حيوانية بهدف دراسة المرض، وليس لأن هذه المادة تسبب نفس التأثير عند كل البشر.
والأمر مشابه لاستخدام الفول السوداني أو اللبن أو بعض الأطعمة الأخرى في أبحاث الحساسية، فهذا لا يعني أن هذه الأطعمة ضارة للجميع أو يجب منعها.
فبروتين زلال البيض هو بالفعل أحد أشهر البروتينات التي تسبب الحساسية عند بعض الأشخاص، لكن الحساسية لا تعني أن الطعام سيئ، بل تعني أن جهاز المناعة لدى شخص معين يتعامل مع بروتين طبيعي باعتباره جسمًا غريبًا.
أما الشخص الذي لا يعاني من حساسية تجاه البيض، فإن جهازه المناعي لا يراه عدوًا، بل يقوم الجسم بهضمه وتحويله إلى أحماض أمينية يستفيد منها في بناء العضلات والأنسجة والإنزيمات.
لماذا يعتبر البيض عنصرًا أساسيًا في الأنظمة الغذائية؟
يتابع الدكتور أحمد أبو الريش:
عندما يضع أطباء التغذية البيض ضمن الأنظمة الغذائية، فالأمر ليس فقط لأنه متوفر ورخيص ويمكن للجميع شراؤه، ولكن لأنه من أفضل مصادر البروتين التي عرفها الإنسان.
فالبيض يحتوي على بروتين كامل، أي أنه يوفر جميع الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها الجسم، كما يتميز بسهولة هضمه وارتفاع قدرة الجسم على الاستفادة منه.
ولهذا السبب يستخدم العلماء البيض كمرجع عند تقييم جودة البروتينات الأخرى.
فالبروتين ليس مجرد عنصر غذائي عادي، بل هو مادة البناء الأساسية في الجسم؛ فالعضلات تعتمد عليه، والإنزيمات، والعديد من الهرمونات، والجلد، والشعر، والأظافر، وكذلك جزء كبير من وظائف جهاز المناعة.
ولهذا كانت نصيحة الأمهات قديمًا: "كُل البيضة يا ابني"، تحمل في مضمونها فائدة غذائية حقيقية، حتى وإن لم تكن كل التفاصيل العلمية معروفة وقتها.