شهدت قاعة الموسيقى ب دار الكتب والوثائق القومية انطلاق الجولة الحادية والخمسين لمشروع " بستان الإبداع للطفل" في موسمه الثالث، والذي يأتي في إطار التعاون المشترك والمثمر بين الهيئة العامة ل دار الكتب والوثائق القومية وقطاع الفنون التشكيلية، برعاية وزارة الثقافة، ويقام المشروع تحت مظلة القطاع برئاسة الفنان الدكتور محمود حامد، تفعيلاً لاستراتيجية الوزارة في تنمية الوعي الفني والثقافي لدى النشء، حيث جاءت هذه الجولة المتميزة احتفالاً باليوم العالمي للموسيقى، لتؤكد على مستهدفات هذا التعاون في رعاية وتوجيه طاقات الأطفال الفكرية والفنية نحو مسارات الإبداع والتميز ونبذ العنف وحب الوطن.
وأدرات الفاعلية الأستاذة رشا أحمد مدير قاعة الموسيقى، حيث تمت استضافة أكثر من ستين طفلاً من الكشافة البحرية بمحافظة الجيزة بصحبة مشرفتهن الأستاذة نجوان، إلى جانب مشاركة فعالة ومشرفة من الفنانة الدكتورة سلوى حمدي رئيس الإدارة المركزية للمتاحف والمعارض، والفنان الدكتور شادي نصيف الأستاذ بكلية التربية الموسيقية.
بدأت وقائع الفاعلية بالندوة الثقافية التي اقتسم تقديم جانبها الفكري والفني مع الفنانة مروى محيى، حيث افتتحت الندوة بأطروحة فكرية تناولت بدايات الموسيقى الفطرية في الكون، وكيف استلهم الإنسان النغم من محيطه الطبيعي عبر صفير الرياح وحفيف الأشجار وخرير المياه وزقزقة العصافير وصيحات النداء البشرية، وهي الأصوات الأولى التي أعاد الإنسان ترتيبها وصياغتها لينبثق منها المفهوم العلمي والجمالي للموسيقى.
ثم انتقل الحديث إلى الفنانة مروى محيى مدير متحف راتب صديق، التي قدمت عرضاً رائداً لنشأة الآلات الموسيقية وتطورها الفني منذ العصور البدائية الأولى، مقسمة إياها إلى آلات النفخ المعتمدة على الهواء، والوتريات المرتكنة إلى الخيوط والأحبال، والقرع الرنيني المنسجم مع احتكاكات المعادن. واستعرضت محيى الجذور التاريخية لترسيخ هذه الآلات في الحضارة المصرية القديمة وصولاً للعصر الحديث، واختتمت كلمتها بالتطرق إلى بداية التكريس لليوم العالمي للموسيقى والاحتفاء به عبر الكرة الأرضية كلها.
وفي المحور الثالث للندوة، تم تناول فن المقام الموسيقي بتنوعاته الغنية ومدى تلاحمه وانسجامه مع الكلمة الشعرية لصياغة روح الأغنية المصرية الفاتنة، وجرى تطبيق سمعي وعلمي عبر نماذج حية من روائع الطرب الأصيل مثل أغنية "فكروني" لأم كلثوم، وأغنية "نبتدي منين الحكاية" للعندليب عبد الحليم حافظ، ورائعة "أقبل الليل" لكوكب الشرق، كما شهدت الندوة تحليلاً دقيقاً لإيقاعات الموسيقار العبقري بليغ حمدي الثرية وتأثيرها في وجدان الأمة من خلال أغنيات وطنية وعاطفية خالدة مثل "البندقية" و"بسم الله" و"شباكين على النيل عينيك".
وفي أجواء تفاعلية مشوقة، قدمت الفنانة نيرفانا محمد عرضاً مدهشاً عبر صندوق العرائس ومسرح القفاز، حيث نجحت ببراعة فائقة في تحريك العرائس من خلف الساتر الملون وتغيير نبرات صوتها بين نبرتين مختلفتين لتشرح تاريخ الموسيقى لدى المصري القديم بأنواعها الملكية والشعبية والجنائزية، كاشفة للأطفال عن الآلات الفرعونية القديمة كالهارب والناي والطبول، وسط تفاعل وتجاوب لافت من الأطفال الذين اكتملت متعتهم الفكرية والخيالية.
وعقب انتهاء الجانب النظري والمسرحي، انطلقت وقائع الورشة الفنية الحية تحت إشراف طاقم عمل المشروع وبمشاركة توجيهية مباشرة من الفنانة الدكتورة سلوى حمدي التي اندمجت مع الأطفال في متابعة إنتاجهم الفني وتفاعلت مع المادة الموسيقية والغنائية المصاحبة للورشة، وترجم الأطفال المبدعون انفعالاتهم السمعية والبصرية على المسطحات الورقية مستخدمين ألوان الأكريليك، حيث جسدوا مفردات النوتة الموسيقية بخطوطها الخمسة ومفاتيحها الشهيرة كالصول والفا وتدرجات السلم الموسيقي.
وقد امتازت لوحات الأطفال بدمج فريد بين الحس الموسيقي العاطفي والغلاف الوطني المصري بأحداثه السياسية والعسكرية، فامتزجت الألوان الساخنة والباردة لتعبر عن أهازيج الموسيقى وفي ذات الوقت ألسنة اللهب وأزيز الطائرات وهدير الدبابات وانفجارات القنابل، ليمتزج زفير النيران بجلجلة الموال وتختلط طلقات الرصاص بدندنة النغم، وأثمرت الورشة عن إنتاج أكثر من ستين عملاً تصويرياً متميزاً يقف بعضها على قدم المساواة مع كبار الفنانين، مما استدعى تنظيم حلقة نقدية في ختام اليوم لمناقشة هذا الإنتاج الإبداعي الراقي بمشاركة الأطفال المبدعين وأعضاء المنصة الفنية والثقافية.
وقد شارك في إدارة هذه الحلقة وإنجاح الفاعلية فريق عمل متميز ضم الدكتورة سلوى حمدي والأستاذة رشا صابر، كلاً من الأستاذ أسامة عادل المدير التنفيذي للمشروع، والأستاذة منى رمضان المنسق العام، والفنانة مروى محيى، والفنانة مها كامل مدير متحف محمد محمود خليل، والفنانة الدكتورة أماني الحناوي مدير متحف محمد ناجي، والفنانة الدكتورة شيماء الصياد من وزارة التربية والتعليم، والفنانة مى كامل والأستاذة نجوان، بالإضافة إلى جهود الفنانة روان عبد الله مسؤول التوثيق، والأستاذة إيمان ربيع من متحف راتب صديق، وبمشاركة برعمتي المشروع الفتاتين الصغيرتين فريدة أسامة وجاسر عمرو.