حذر الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من انتشار ما يُعرف بـ"كورسات التدريب على تعدد الزوجات"، مؤكدًا أنها تُقدِّم فهمًا مغلوطًا للتشريع الإسلامي، وتحوِّل رخصة شرعية استثنائية إلى أسلوب حياة يُروَّج له بصورة تجارية، بعيدًا عن الضوابط والمقاصد التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
وأوضح أمين الفتوى أن التعدد ليس مهارة يمكن اكتسابها من خلال الدورات التدريبية، ولا مشروعًا إداريًا يُدار بتقنيات أو "تكتيكات"، وإنما هو تشريع استثنائي أُبيح لتحقيق مصالح مجتمعية محددة وعلاج ظروف خاصة، وليس لإشباع الرغبات الشخصية أو التوسع فيه دون ضوابط.
وأشار إلى أن العلماء، ومن بينهم الإمام الشيخ مصطفى المراغي، أكدوا أن الأصل في الإسلام هو الزواج بزوجة واحدة، وأن التعدد يظل من الحالات النادرة التي تقتضيها الضرورة، بينما تأتي هذه الدورات لتقلب هذا المفهوم، فتصوِّر الاستثناء وكأنه القاعدة، وتدعو إليه باعتباره نمطًا للحياة.
وأضاف أن هذه الدورات تسلخ التشريع من حكمته، وتقدمه في صورة استهلاكية، كما أنها تُغذي الاندفاع الشهواني لدى بعض الرجال تحت غطاء ديني، من خلال تصوير التعدد باعتباره حقًا مطلقًا لا تحده مسؤولية أو التزام، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة.
وأكد الدكتور هشام ربيع أن تبرير التعدد بكون بعض الرجال أصحاب شهوة قوية لا يستند إلى تأصيل علمي صحيح، ولا ينسجم مع فلسفة التشريع الإسلامي، موضحًا أن مثل هذه الطروحات توهم الرجل بأن إدارة أكثر من أسرة يمكن أن تتحقق بمجرد تعلم بعض الأساليب، في حين أن الواقع يفرض مسؤوليات كبيرة تتطلب قدرة حقيقية على العدل والإنفاق وتحمل الأعباء.
وشدد على أن القرآن الكريم وضع شرطًا واضحًا للتعدد، يتمثل في تحقيق العدل، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، موضحًا أن العدل لا يقتصر على النفقة أو المبيت، بل يشمل حسن المعاملة، وصون الكرامة الإنسانية، ورعاية الزوجات والأبناء دون ظلم أو تمييز.
وأضاف أن من يتخذ التعدد وسيلة لإهانة زوجته الأولى، أو يهمل حقوق أسرته، أو يستخدمه أداة للضغط والإذلال، فإنه يكون قد حوّل الرخصة الشرعية إلى سبب للظلم والإثم، وهو ما يخالف جوهر التشريع الإسلامي.
واختتم أمين الفتوى حديثه بالتأكيد على أن الترويج لـ"كورسات التعدد" يمثل تبسيطًا مخلًا بأحكام الدين وتسطيحًا لمقاصده، مشددًا على أن التعدد ليس حقًا مطلقًا للرجل، ولا وسيلة لإشباع الشهوات، وإنما تشريع رباني تحكمه شروط دقيقة، في مقدمتها العدل والقدرة وتحمل المسؤولية، ومن يعجز عن الوفاء بهذه الشروط فإن القرآن الكريم قد رسم له الطريق بوضوح، وهو الاكتفاء بزوجة واحدة.