ثقافة الزواج وتحديات المستقبل

ثقافة الزواج وتحديات المستقبلدكتور يحيى هاشم

الرأى29-7-2026 | 09:31

إن المجتمع بحاجة إلى ثورة ثقافية تعيد تعريف قيمة الزواج و في كل مرحلة يمر بها المجتمع تتغير أنماط الحياة و تتبدل الأولويات و يعيد الناس ترتيب احتياجاتهم وفقا لما تفرضه الظروف الاقتصادية و الاجتماعية غير أن بعض العادات تظل ثابتة رغم تغير الواقع فتتحول من وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى عبء يهدد مستقبل الأفراد و المجتمع و من أبرز هذه العادات ما يتعلق بمتطلبات الزواج التي تضخمت بصورة غير مسبوقة حتى أصبحت تشكل أحد أهم أسباب تأخر الزواج و زيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر المصرية .

و من منظور علم الاجتماع فإن المجتمع لا يتقدم فقط من خلال المشروعات الكبرى أو النمو الاقتصادي بل يتقدم أيضا عندما يمتلك القدرة على مراجعة عاداته و تصحيح سلوكياته بما يتوافق مع المتغيرات الجديدة لأن الثقافة الحية هي التي تتطور مع الزمن بينما الثقافة الجامدة تتحول إلى قيد يعطل حركة المجتمع و يضاعف أزماته .

لقد تغيرت الظروف الاقتصادية عالميا و أصبحت تكلفة الحياة أكثر ارتفاعا و ازدادت مسؤوليات الأسرة و تغيرت طبيعة الإنفاق و أصبح من الطبيعي أن تتغير معها أنماط الاستهلاك و أولويات الشراء غير أن بعض المجتمعات ما زالت تتمسك بعادات استهلاكية نشأت في ظروف مختلفة تماما و هو ما يخلق فجوة واسعة بين الإمكانات الحقيقية و التوقعات الاجتماعية .

و تكمن المشكلة في أن كثيرا من الأسر لم تعد تنظر إلى الزواج باعتباره بداية لحياة مشتركة بل باعتباره مناسبة لإظهار المكانة الاجتماعية و القدرة المالية و هنا تتحول الكماليات إلى ضروريات و تتحول الرغبات إلى التزامات و يصبح الشاب مطالبا بتوفير عشرات المتطلبات التي لا تضيف شيئا إلى استقرار الأسرة بقدر ما تؤخر تكوينها .

و يؤكد علم الاجتماع أن الضغوط الاجتماعية تعد من أقوى العوامل المؤثرة في السلوك الإنساني فالإنسان لا يستهلك دائما لأنه يحتاج بل لأنه يخشى نظرة الآخرين أو يقارن نفسه بمن حوله أو يسعى إلى تحقيق صورة اجتماعية معينة و مع تكرار هذه السلوكيات تتحول إلى عرف اجتماعي يصعب الخروج عليه رغم أنه يرهق الجميع .

و الأخطر من ذلك أن هذه الثقافة لا تؤثر على الشباب وحدهم بل تمتد آثارها إلى الأسرة كلها حيث يتحمل الآباء و الأمهات أعباء مالية ضخمة قد تستمر سنوات طويلة و قد تلجأ بعض الأسر إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها من أجل تلبية متطلبات لا ترتبط بجوهر الحياة الزوجية بقدر ارتباطها بثقافة المظاهر .

إن المجتمع الذي يجعل بداية الحياة الزوجية مليئة بالديون و الضغوط النفسية يضع الأسرة الجديدة أمام تحديات صعبة منذ اليوم الأول بينما الأصل أن تكون بداية الزواج انطلاقة نحو الاستقرار و الإنتاج و بناء المستقبل.

و من هنا فإن تغيير الثقافة الاستهلاكية لم يعد مجرد خيار بل أصبح ضرورة اجتماعية و اقتصادية و وطنية لأن المجتمع الذي يخفف الأعباء عن شبابه هو مجتمع يستثمر في مستقبله و يحافظ على استقراره و يقلل من المشكلات الاجتماعية التي تنتج عن تأخر الزواج أو العزوف عنه.

و لا يعني ذلك التخلي عن الفرحة أو إلغاء التقاليد الجميلة بل يعني إعادة ترتيب الأولويات بحيث يكون الإنفاق على ما يحتاجه الزوجان بالفعل لا على ما تفرضه المقارنات الاجتماعية و لا على ما تمليه ثقافة الاستعراض التي انتشرت بفعل وسائل التواصل الاجتماعي.

و هنا يبرز دور الإعلام في تقديم نماذج إيجابية للزواج البسيط الناجح كما يبرز دور المؤسسات الدينية في ترسيخ قيم التيسير و الاعتدال و يبرز دور الأسرة في تربية الأبناء على أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه بل بما يقدمه من أخلاق و مسؤولية و قدرة على بناء حياة مستقرة.

و إذا كانت الدولة تبذل جهودا كبيرة لتحقيق التنمية الاقتصادية و تحسين مستوى المعيشة فإن نجاح هذه الجهود يتطلب أيضا وعيا مجتمعيا يساندها من خلال ترشيد الاستهلاك و التخلص من العادات التي تستنزف الموارد دون عائد حقيقي لأن التنمية ليست مسؤولية الحكومة وحدها بل هي مسؤولية المجتمع بكل فئاته.

إن بناء أسرة مستقرة أهم من شراء أثاث فاخر و نجاح الزواج أهم من إقامة حفل باهظ و سعادة الزوجين أهم من إرضاء نظرات الآخرين فالمجتمعات القوية لا تقاس بحجم ما تنفقه في المناسبات بل بقدرتها على صناعة إنسان قادر على العمل و الإنتاج و تحمل المسؤولية.

و اليوم نحن أمام فرصة حقيقية لإطلاق حوار مجتمعي واسع يعيد صياغة ثقافة الزواج في مصر على أسس أكثر واقعية و أكثر انسجاما مع المتغيرات الاقتصادية لأن الحفاظ على تماسك الأسرة يبدأ من إزالة العقبات التي تعترض طريق تكوينها و لأن كل عادة قابلة للتغيير إذا اقتنع المجتمع بأن مصلحته تكمن في هذا التغيير .

و يبقى الرهان الحقيقي على و عي المجتمع لأن الأمم التي تراجع عاداتها بشجاعة هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها أما الأمم التي تتمسك بعادات لم يعد الزمن يحتملها فإنها تدفع الثمن من استقرارها و من فرص شبابها و من مستقبل أجيالها و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين.

أضف تعليق

كيف تحمي مصر ثرواتها في الجنوب؟

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان