عندما يتحول القلب إلى صخرة

عندما يتحول القلب إلى صخرةدكتور يحيى هاشم

الرأى19-8-2026 | 13:00

هناك لحظة في حياة الإنسان لا يستطيع فيها أن يشرح ما الذي حدث له بالضبط لا يستطيع أن يقول إنه حزين فقط و لا يستطيع أن يقول إنه متعب فقط و لا يستطيع حتى أن يقول إنه فقد شيئا محددا هو فقط يشعر أن الحياة فقدت طعمها.

إن الأشياء التي كانت تفرحه لم تعد تعنيه و أن الوجوه التي كانت تمنحه الأمان لم تعد قادرة على الوصول إلى قلبه و أن الأيام أصبحت متشابهة بصورة مخيفة يأتي الصباح فلا يشعر ببدايته و يأتي المساء فلا ينتظر نهايته كل شيء أصبح له طعم واحد و كل الطرق تبدو متشابهة و كل المحاولات تنتهي إلى الإحساس نفسه ذلك الإحساس الثقيل بأن الإنسان يركض كثيرا لكنه لا يصل إلى أي مكان.

فمن منظور علم الاجتماع فإن الإنسان لا يعيش منفصلا عن المجتمع فالإنسان ابن الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و الأسرية و المهنية و عندما تتراكم عليه الضغوط بصورة مستمرة يبدأ في تغيير طريقته في التعامل مع الحياة في البداية يقاوم ثم يحاول ثم يؤجل أحلامه ثم يتنازل عن بعض رغباته ثم يقول لنفسه إن الظروف سوف تتحسن لكن عندما تطول المعركة كثيرا قد يحدث شيء أكثر خطورة يبدأ الإنسان في فقدان قدرته على الإحساس ليس لأنه أصبح بلا مشاعر و لكن لأن كثرة الألم جعلته يتعلم كيف يخفي مشاعره حتى يستطيع الاستمرار.

هناك إنسان يخرج كل صباح لكي يعمل و يعود في المساء وهو يحمل فوق كتفيه سنوات من المسؤوليات مسؤوليات الأسرة و متطلبات الأبناء و أعباء العمل و ارتفاع الأسعار و الخوف من المستقبل و القلق على المرض و الخوف من فقدان الوظيفة و الإحساس الدائم بأن ما يحصل عليه لا يكفي و في وسط كل ذلك يطلب منه المجتمع أن يكون قويا أن يتحمل أن يبتسم أن يستمر أن ينجح أن يكون سندا للآخرين.

أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يبكي أن يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها البكاء أن يتألم دون أن تظهر عليه علامات الألم أن يسمع خبرا مؤلما فيكتفي بالصمت أن يخسر شيئا عزيزا فلا يجد في داخله القدرة على الغضب أن تحدث له أشياء كانت في الماضي قادرة على إسعاده فلا يشعر تجاهها بشيء هنا يبدأ التحول يتحول الإنسان من كائن يبحث عن المعنى إلى كائن يبحث فقط عن القدرة على الاستمرار و تصبح الحياة بالنسبة له مجموعة من الواجبات التي يجب أن يؤديها لا مجموعة من الأشياء التي يريد أن يعيشها .

نحن كثيرا ما نصف الإنسان بأنه قوي لأنه لا يشكو و نصفه بأنه صلب لأنه لا يبكي و نفتخر بمن يتحمل كل شيء دون أن يتحدث لكن علم الاجتماع يعلمنا أن الصلابة المفرطة قد تكون في بعض الأحيان نتيجة مباشرة لضغط اجتماعي طويل فالإنسان الذي لم يجد مساحة آمنة للحديث عن ضعفه قد يتعلم إخفاء ضعفه و الإنسان الذي اعتاد أن يسمع دائما عبارة تحمل قد ينسى أنه من حقه أن يقول أنا تعبت و الإنسان الذي عاش سنوات و هو يحمل الآخرين قد يشعر بالخجل عندما يحتاج هو نفسه إلى من يحمله وهكذا يتحول الإنسان تدريجيا إلى كتلة صلبة تشبه الصخر لا لأن الصخر أقوى منه و لكن لأن الحياة لم تترك له مساحة كافية لكي يكون إنسانا بكل هشاشته و مشاعره و احتياجاته و أخطر لحظة هي عندما يفقد الإنسان الأمل لأن الأمل ليس رفاهية نفسية الأمل حاجة إنسانية أساسية فالإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر إذا كان يرى احتمالا للخروج منه و يستطيع أن يتحمل التعب إذا كان يؤمن أن هناك راحة في النهاية و يستطيع أن يتحمل الألم إذا كان يشعر أن الغد يمكن أن يكون أفضل لكن عندما يختفي الغد من خيال الإنسان تصبح الحاضر أثقل من أن يحتمل لذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله تجاه إنسان فقد الأمل هو أن نطالبه بمزيد من التحمل قد لا يكون محتاجا إلى محاضرة قد لا يكون محتاجا إلى نصيحة قد يكون محتاجا فقط إلى إنسان يجلس بجواره و يقول له أنا أراك أنا أشعر بتعبك أنت لست وحدك فلا أحد يعرف المعركة التي يخوضها الآخر .

المجتمع يميل إلى الحكم على الناس من الخارج نرى شخصا ناجحا فنعتقد أنه بخير و نرى شخصا يضحك فنعتقد أنه سعيد و نرى شخصا يعمل كثيرا فنعتقد أنه قوي لكن الحقيقة أن لإنسان قد يكون واقفا على قدميه و هو من الداخل يوشك على السقوط و قد يكون أكثر الناس قدرة على مساعدة الآخرين هو أكثرهم احتياجا إلى من يطمئنه لذلك نحن بحاجة إلى تغيير ثقافتنا الاجتماعية بحاجة إلى أن نتوقف عن السخرية من الضعف و أن نتوقف عن اعتبار التعب عيبا و أن نمنح الإنسان حقه في أن يقول لا أستطيع و حقه في أن يستريح و حقه في أن يبدأ من جديد .

لكن الإنسان ليس آلة و القلب الذي يتحمل كثيرا يحتاج إلى مساحة للراحة و العقل الذي يفكر طوال الوقت يحتاج إلى لحظة صمت و الروح التي انكسرت تحتاج إلى كلمة صادقة ربما لا يحتاج الإنسان إلى حياة جديدة فأحيانا لا يحتاج الإنسان إلى أن يغير حياته كلها قد يحتاج فقط إلى أن يستعيد شيئا صغيرا فقده في الطريق ابتسامة حقيقية صديقا صادقا حضنا آمنا مكانا يشعر فيه أنه ليس مضطرا إلى التظاهر بالقوة أو حلما صغيرا يستطيع أن يبدأ من أجله من جديد فالإنسان لا يستعيد رغبته في الحياة دائما من خلال الأحداث الكبيرة أحيانا تعيده إليها كلمة و أحيانا موقف و أحيانا شخص واحد قرر ألا يتركه وحيدا في أصعب أيامه فلا تتركوا الإنسان وحيدا أمام صمته هناك صمت يحتاج إلى احترام و هناك صمت يحتاج إلى سؤال و هناك صمت يحتاج إلى يد تمتد دون أسئلة كثيرة و ربما يكون أهم ما نستطيع أن نفعله في مجتمعنا هو أن نتعلم كيف نرى الإنسان خلف صمته خلف عصبيته خلف قسوته خلف انشغاله خلف ابتسامته خلف جملته المتكررة أنا بخير فليس كل من قال أنا بخير بخير و ليس كل من ابتسم سعيدا و ليس كل من تحمل قويا.

قد تطحن الحياة الإنسان حتى يشعر أنه أصبح حجرا لكن الحجر نفسه يمكن أن تعود إليه حرارة الشمس و الإنسان الذي فقد الأمل اليوم ليس بالضرورة إنسانا فقد الحياة إلى الأبد ربما هو فقط إنسان أنهكته الطريق و أرهقته المسؤوليات و خذلته بعض الوجوه و أثقلته الأيام و يحتاج إلى أن يتوقف قليلا و أن يتنفس و أن يجد من يقول له إن قيمتك ليست فيما تستطيع أن تقدمه للآخرين فقط بل في كونك إنسانا يستحق أن يعيش بسلام فلا تسألوا دائما ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل اسألوه أحيانا ماذا فعلت به الحياة فربما كان خلف أقسى الوجوه قلب ظل طويلا ينتظر من يربت عليه و ربما كان خلف أكثر الناس صمتا إنسان يتمنى فقط أن يشعر أن للحياة طعما آخر غير طعم التعب انها رحلة الحياة بكل ما فيها من احلام و آمال و طموحات و تحديات و عثرات و احزان علينا ان نتصارع معها حتى تصل الى النهاية.

أضف تعليق

في الحروب النفسية.. على الحكومات أن تنتبه! (3)

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان