قد يبدو تناول الطعام أمرًا طبيعيًا وآمنًا، لكن بعض الأشخاص قد يواجهون استجابة مناعية غير متوقعة تجاه مكونات غذائية معينة، فيما تُعرف بحساسية الطعام، وهي حالة قد تتراوح أعراضها بين حكة بسيطة أو ظهور طفح جلدي، وبين تفاعلات شديدة قد تهدد الحياة وتحتاج إلى تدخل طبي عاجل.
وقال الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، إن حساسية الطعام تحدث عندما يتعامل جهاز المناعة بصورة خاطئة مع بروتين موجود في أحد الأطعمة، فيعتبره مادة ضارة ويطلق سلسلة من المواد الكيميائية التي تؤدي إلى ظهور أعراض الحساسية.
وأوضح أن المشكلة لا ترتبط بكمية الطعام فقط، فقد تظهر الأعراض بعد تناول كمية صغيرة من الطعام المسبب للحساسية لدى بعض الأشخاص، كما أن طبيعة الأعراض ودرجة شدتها تختلف من شخص إلى آخر، وقد تبدأ خلال دقائق أو فترة قصيرة من تناول الطعام.
وأشار بدران إلى أن هناك مجموعة من الأطعمة ترتبط بنسبة كبيرة من حالات حساسية الطعام، وفي مقدمتها الفول السوداني، والمكسرات، وحليب الأبقار، والبيض، والأسماك، والمحار والقشريات، والصويا، والقمح، والسمسم، لافتًا إلى أن القائمة لا تعني أن الحساسية تقتصر على هذه الأطعمة فقط، إذ يمكن لأي طعام أن يصبح مسببًا للحساسية لدى شخص معين.
وأضاف أن الأعراض قد تظهر على الجلد في صورة حكة أو شرى وطفح جلدي، كما يمكن أن يحدث تورم في الشفاه أو الوجه أو اللسان أو الفم، وقد تمتد الأعراض إلى الجهاز الهضمي فتسبب المغص وآلام البطن والقيء أو الإسهال.
وتابع أن الجهاز التنفسي قد يتأثر أيضًا، فتظهر أعراض مثل السعال، أو الصفير أثناء التنفس، أو ضيق النفس، أو بحة الصوت، أو صعوبة البلع، وقد يصاحب ذلك سيلان الأنف والعطس لدى بعض الحالات.
وحذر عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة من تجاهل الأعراض الشديدة، خاصة عندما يحدث تورم في الفم أو اللسان أو الحلق، أو صعوبة واضحة في التنفس أو البلع، أو دوخة شديدة وفقدان للوعي، مؤكدًا أن هذه العلامات قد تشير إلى تفاعل تحسسي شديد يستدعي طلب الإسعاف والتوجه للطوارئ فورًا.
وأوضح بدران أن احتمالية الإصابة بحساسية الطعام قد ترتفع لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ من أمراض الحساسية الأخرى، مثل الإكزيما أو الربو أو حساسية الأنف، كما يمكن أن تلعب العوامل الوراثية والتاريخ العائلي للحساسية دورًا في زيادة القابلية للإصابة. ولفت إلى أن حساسية الطعام ليست نوعًا واحدًا، فهناك تفاعلات مناعية تعتمد على الأجسام المضادة من نوع «IgE» وتظهر عادة بصورة سريعة بعد التعرض للطعام، بينما توجد أنواع أخرى من التفاعلات المناعية لا تعتمد على هذا النوع من الأجسام المضادة، وقد تكون أعراضها مختلفة أو أكثر تأخرًا.
وأشار إلى أن تشخيص حساسية الطعام لا ينبغي أن يعتمد على التخمين أو استبعاد الأطعمة بصورة عشوائية، وإنما يحتاج إلى تقييم طبي دقيق، يبدأ بمعرفة تفاصيل الأعراض وتوقيت ظهورها والأطعمة التي سبقتها. ونصح المرضى بتسجيل نوع الطعام الذي تم تناوله، والكمية، وطريقة تحضيره، والمدة التي مرت قبل ظهور الأعراض، ومدى شدتها، لأن هذه التفاصيل تساعد الطبيب على تحديد العلاقة المحتملة بين الطعام والتفاعل التحسسي.
وأوضح أن الطبيب قد يلجأ، وفقًا للحالة، إلى اختبارات مثل اختبار وخز الجلد أو تحاليل الدم الخاصة بالحساسية، وفي بعض الحالات يمكن إجراء اختبار التحدي الغذائي تحت إشراف طبي مباشر، مؤكدًا أن هذا الاختبار لا ينبغي إجراؤه في المنزل، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ من التفاعلات الشديدة.
وأكد بدران أن الركيزة الأساسية في التعامل مع حساسية الطعام هي تجنب المادة المسببة للحساسية بعد تحديدها بشكل طبي، مع ضرورة الانتباه إلى مكونات الأطعمة المصنعة والجاهزة، لأن المادة المسببة للحساسية قد توجد ضمن مكونات غير متوقعة.
وشدد على أهمية قراءة الملصقات الغذائية بعناية، وعدم الاكتفاء باسم المنتج أو العبارات الدعائية التي توحي بأنه صحي، فضلًا عن الانتباه لعبارات التحذير المتعلقة باحتمالية احتواء المنتج على آثار من أحد مسببات الحساسية.
وأضاف أن تناول الطعام خارج المنزل يحتاج إلى مزيد من الحذر، إذ يجب إبلاغ المطعم بوضوح عن نوع الحساسية قبل طلب الطعام، والاستفسار عن المكونات وطريقة التحضير، خاصة لاحتمال انتقال مسببات الحساسية من طعام إلى آخر أثناء التجهيز.
وفي حالات الحساسية الشديدة، أوضح بدران أن الطبيب قد يوصي بحمل حقنة الإبينفرين الذاتية، مع ضرورة أن يعرف المريض وأفراد أسرته والمحيطون به كيفية استخدامها عند حدوث تفاعل تحسسي خطير، لأن سرعة التعامل مع الحالة قد تكون عاملًا حاسمًا.
وأشار إلى أن مضادات الهيستامين قد تساعد في تخفيف بعض الأعراض البسيطة وفقًا لتوجيهات الطبيب، لكنها لا تُعد بديلًا عن الإبينفرين في حالات الحساسية المفرطة، ولا ينبغي الاعتماد عليها وحدها عند ظهور علامات الخطر.
ولفت بدران إلى وجود علاجات متخصصة لبعض حالات حساسية الطعام، من بينها بعض أشكال العلاج المناعي التي تهدف إلى زيادة قدرة الجسم على تحمل كميات محددة من المادة المسببة للحساسية، لكنها تحتاج إلى تقييم وإشراف طبي متخصص ولا تناسب جميع المرضى.
وفيما يتعلق بالأطفال، أكد أهمية توعية الطفل بطريقة بسيطة بطبيعة الأطعمة التي يجب تجنبها، وتعليم المدرسة أو الحضانة بحالته إذا كان مصابًا بحساسية معروفة، مع وجود خطة واضحة للتعامل مع أي تعرض عرضي للطعام المسبب للحساسية.
واختتم الدكتور مجدي بدران حديثه بالتأكيد على أن حساسية الطعام يمكن التعايش معها بصورة آمنة عندما يتم التعرف على مسبباتها بدقة والالتزام بتجنبها، مع عدم الاستهانة بأي أعراض غير معتادة تظهر بعد تناول الطعام، خاصة الأعراض التي تتعلق بالتنفس أو البلع أو الوعي، لأن الوعي والاستعداد للطوارئ يمثلان خط الدفاع الأول أمام مضاعفات الحساسية الشديدة.