البيض.. من «خطر على القلب» إلى غذاء متكامل.. ماذا تقول الدراسات؟

البيض.. من «خطر على القلب» إلى غذاء متكامل.. ماذا تقول الدراسات؟البيض

منوعات22-9-2026 | 20:27

ما بين المسلوق و المقلي والأومليت، إلى دخوله في المخبوزات والحلويات والعديد من الأطعمة، يبدو أن البيض حاضر بقوة في تفاصيل غذائنا اليومية، ومع ذلك لا تزال تتردد من وقت لآخر تحذيرات من تناوله، وكأنه طعام يجب الابتعاد عنه خوفًا على القلب والكوليسترول.

لكن هل الخوف من البيض أمر حديث؟ أم أن له قصة بدأت منذ عقود، ثم تغيرت النظرة إليه مع تطور الأبحاث العلمية؟

يجيب عن ذلك الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، موضحًا أن قصة البيض مع الكوليسترول بدأت منذ منتصف القرن العشرين، عندما بدأ العلماء في دراسة العلاقة بين الغذاء وأمراض القلب، قبل أن تتغير الصورة تدريجيًا مع ظهور أدلة علمية أكثر تفصيلًا.

بداية القصة

مع بدايات الربط بين التغذية وأمراض القلب في منتصف القرن العشرين، بدأ الباحثون في التركيز على الدهون المشبعة والكوليسترول وعلاقتهما بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن هنا بدأ القلق من الأطعمة التي تحتوي على كميات مرتفعة نسبيًا من الكوليسترول الغذائي، وكان البيض، وخاصة صفار البيض، من أبرز الأطعمة التي دخلت دائرة الاهتمام.

وكانت نقطة مهمة في هذه القصة خلال ستينيات القرن الماضي، عندما أصدرت جمعية القلب الأمريكية (American Heart Association) توصيات ركزت على الحد من الكوليسترول الغذائي ضمن محاولات تقليل مخاطر أمراض القلب.

ومع انتشار هذه التوصيات، أصبحت فكرة تقليل تناول البيض شائعة لدى كثير من الناس، وظهرت نصائح تحدد عددًا قليلًا من البيضات أسبوعيًا.

وكان السبب الرئيسي وراء ذلك أن البيضة تحتوي على كمية ملحوظة من الكوليسترول، يتركز معظمها في صفار البيض، ما أدى إلى انتشار الاعتقاد بأن تناول البيض يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع كوليسترول الدم وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

تغير النظرة

لكن مع مرور السنوات وتراكم الدراسات، بدأت الصورة تصبح أكثر تعقيدًا.

فخلال الفترة من عام 2000 وحتى منتصف العقد التالي، ظهرت أبحاث تشير إلى أن تأثير الكوليسترول الموجود في الطعام على مستويات كوليسترول الدم ليس واحدًا لدى جميع الأشخاص، وأن الاستجابة تختلف بين الأفراد.

كما اتضح أن الدهون المشبعة والدهون المتحولة يمكن أن يكون لها تأثير أكثر أهمية على مستويات الكوليسترول في الدم وعلى خطر الإصابة بأمراض القلب مقارنة بمجرد كمية الكوليسترول الموجودة في الطعام.

وهنا بدأ التشكيك في فكرة أن البيض يجب أن يُمنع بشكل عام لمجرد احتوائه على الكوليسترول.

نقطة تحول

وجاءت إحدى المحطات المهمة في عام 2015، عندما لم تعد الإرشادات الغذائية الأمريكية تضع حدًا يوميًا صارمًا للكوليسترول الغذائي بالطريقة التي كانت متبعة سابقًا.

وكان هذا التحول جزءًا من تطور فهم العلاقة بين النظام الغذائي وأمراض القلب، مع زيادة التركيز على النمط الغذائي بالكامل، وليس على عنصر غذائي واحد بمعزل عن باقي مكونات الوجبة.

وبالتالي لم يعد السؤال ببساطة: «هل البيض يحتوي على كوليسترول؟»، وإنما أصبح: كيف يتم تناول البيض؟ وما شكل النظام الغذائي بالكامل؟ وهل توجد عوامل أخرى، مثل ارتفاع الكوليسترول في الدم أو السكري أو أمراض القلب، تستدعي توصيات فردية؟

هل البيض آمن؟

ويشير الدكتور محمد خلف إلى أن البيض يمكن أن يكون جزءًا من النظام الغذائي المتوازن لدى معظم الأشخاص، وأن وجود الكوليسترول في صفار البيض لا يعني تلقائيًا أن تناوله سيؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب.

لكن من المهم عدم تحويل هذه المعلومة إلى قاعدة أخرى مبالغ فيها، مثل القول إن تناول عدد محدد من البيض يوميًا مناسب للجميع دون استثناء.

فالكمية المناسبة تختلف حسب احتياجات الشخص الغذائية وحالته الصحية وباقي مكونات النظام الغذائي، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم ارتفاع في كوليسترول الدم أو أمراض قلبية أو عوامل خطر أخرى.

أما الأشخاص الأصحاء والرياضيون، فيمكن أن يدخل البيض ضمن نظامهم الغذائي كمصدر للبروتين والعناصر الغذائية، مع مراعاة التنوع وعدم الاعتماد على مصدر واحد للبروتين.

لماذا البيض؟

وهنا يأتي سؤال آخر: لماذا يحرص اختصاصيو التغذية على إدخال البيض في العديد من الأنظمة الغذائية؟

الإجابة ليست فقط لأنه غذاء متوافر وغير مكلف نسبيًا، وبالتالي يمكن لعدد كبير من الأسر الحصول عليه، وإنما لأنه يتميز أيضًا بقيمة غذائية مرتفعة.

ف البيض يُعد مصدرًا جيدًا للبروتين عالي الجودة، ويحتوي على مجموعة من الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها الجسم ولا يستطيع تصنيعها بكميات كافية.

كما يتميز بروتين البيض بقابلية هضم جيدة، ويستطيع الجسم استخدام الأحماض الأمينية الناتجة عن هضمه بكفاءة.

سهولة الهضم

يتحلل بروتين البيض خلال عملية الهضم بواسطة الإنزيمات الهاضمة الموجودة في المعدة والأمعاء، مثل إنزيم البيبسين في المعدة، إلى جانب الإنزيمات الهاضمة في الأمعاء.

وهذا يجعل بروتين البيض من المصادر التي تتميز بجودة غذائية مرتفعة وقابلية جيدة للهضم والاستخدام.

وهنا يؤكد الدكتور محمد خلف أن الإشارة إلى سهولة هضم البيض لا تعني أن مصادر البروتين الأخرى غير مفيدة؛ فـاللحوم والبقوليات والأسماك ومنتجات الألبان وغيرها لها قيمة غذائية مهمة، والتنوع بين مصادر البروتين هو الأفضل للحصول على مجموعة مختلفة من العناصر الغذائية.

كما تختلف البقوليات عن البيض في تركيبها، فهي تحتوي على مركبات نباتية مثل الفيتات التي يمكن أن تؤثر في امتصاص بعض المعادن، إلا أن ذلك لا يجعلها مصدرًا غذائيًا سيئًا، بل يمكن التعامل معها من خلال طرق التحضير المناسبة وتنوع النظام الغذائي.

بروتين مرجعي

ويُستخدم بروتين البيض تاريخيًا كأحد البروتينات المرجعية عند تقييم جودة البروتينات، بسبب تركيبه الجيد من الأحماض الأمينية الأساسية وقابليته العالية للهضم والاستخدام.

لكن من المهم توضيح أن عبارة «امتصاصه يقارب 100%» لا تعني أن الجسم يمتص كل جزيء من البروتين بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص، وإنما تشير إلى ارتفاع جودة بروتين البيض وقابليته للهضم والاستفادة منه مقارنة بالعديد من المصادر الأخرى.

لماذا البروتين؟

ولماذا يحظى البروتين بكل هذا الاهتمام من الأطباء واختصاصيي التغذية، ولماذا تحرص الأمهات دائمًا على أن يحصل أطفالهن على كمية مناسبة منه؟

لأن البروتين يمثل أحد أهم العناصر الغذائية اللازمة للنمو والحفاظ على وظائف الجسم.

فهو يدخل في بناء العضلات والأنسجة، ويساهم في تكوين العديد من الإنزيمات والهرمونات والبروتينات الوظيفية، كما يدخل في تكوين الجلد والشعر والأظافر وغيرها من أنسجة الجسم.

وفي مرحلة الطفولة، يحصل الجسم على البروتين الذي يحتاج إليه للنمو والتطور الطبيعي، ولذلك فإن الحصول على كمية كافية من البروتين جزء مهم من التغذية المتوازنة.

وعند وجود نقص حقيقي في البروتين أو سوء تغذية شديد، يمكن أن تظهر مشكلات مثل ضعف النمو وفقدان الكتلة العضلية وضعف المناعة، بحسب شدة النقص ومدته والحالة الغذائية العامة.

البيضة الكاملة

ولا تقتصر قيمة البيض على البروتين الموجود فيه، فـالبيضة الكاملة غذاء كثيف بالعناصر الغذائية، ويحتوي صفارها تحديدًا على الدهون والفوسفوليبيدات والأحماض الدهنية، إلى جانب مجموعة من الفيتامينات والمعادن ومركبات غذائية أخرى.

كما أن تركيب الدهون في البيض يمكن أن يتأثر بتغذية الدجاج وظروف تربيته، وهو ما تناولته بعض الدراسات التي بحثت في تركيب البيض وقيمته الغذائية.

وهذا يعني أن التعامل مع صفار البيض باعتباره الجزء «السيئ» الذي يجب التخلص منه دائمًا ليس دقيقًا من الناحية الغذائية؛ فالصفار يحتوي على جزء مهم من القيمة الغذائية للبيضة.

ماذا تقول الدراسات المصرية؟

ويشير الدكتور محمد خلف إلى وجود أبحاث مصرية تناولت القيمة الغذائية للبيض.

وتشير إحدى الدراسات المصرية المنشورة حديثًا إلى أن البيض لا يمثل مجرد مصدر للبروتين، وإنما يُعد غذاءً كثيف العناصر الغذائية، ويوفر بروتينًا عالي الجودة وأحماضًا أمينية أساسية إلى جانب مجموعة من الفيتامينات والمعادن.

كما تناولت دراسة مصرية أخرى صفار البيض باعتباره مكونًا غذائيًا مهمًا، نظرًا لاحتوائه على الدهون والفوسفوليبيدات والأحماض الدهنية، مع الإشارة إلى أن تركيب الدهون في البيض يمكن أن يتأثر بالنظام الغذائي الذي تتغذى عليه الدجاجة.

وتظل قراءة الدراسات العلمية في سياقها الكامل مهمة، لأن نتائج الأبحاث لا تعني بالضرورة أن تناول البيض بكميات غير محدودة مناسب للجميع.

الاعتدال أولًا

وفي النهاية، لا يبدو أن قصة البيض يمكن اختصارها في جملة « البيض خطر» أو « البيض مفيد للجميع مهما كانت الكمية».

فالصورة العلمية الحالية أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن للبيض أن يكون جزءًا من نظام غذائي صحي ومتوازن، وهو مصدر جيد للبروتين والعناصر الغذائية، بينما تعتمد ملاءمة الكمية على الحالة الصحية للشخص وبقية نظامه الغذائي.

والقاعدة الأهم هي التنوع والاعتدال، بدلًا من منع طعام كامل بسبب عنصر غذائي واحد أو الاعتماد عليه باعتباره غذاءً سحريًا.

ف البيض ليس عدوًا للصحة كما كان يُتصور قديمًا، لكنه أيضًا ليس طعامًا يمكن تناوله بلا حدود؛ وإنما مكانه الطبيعي هو ضمن نظام غذائي متوازن يناسب احتياجات كل شخص وحالته الصحية.

أضف تعليق

مصر والسعودية وتحديات الإقليم

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان