هل يمكن لما نأكله أن يؤثر في حالتنا المزاجية وصحة الدماغ؟ تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود علاقة معقدة بين الجهاز الهضمي و الدماغ تُعرف باسم "محور الأمعاء–الدماغ" (Gut-Brain Axis)، وهي علاقة لا تتوقف عند عملية الهضم، بل تشمل إشارات عصبية ومناعية ومواد تنتجها البكتيريا الموجودة في الأمعاء.
ويقول الدكتور محمد عبد الله، أخصائي التغذية العلاجية، إن فهم هذه العلاقة يساعد على إدراك أهمية النظام الغذائي في دعم صحة الجهاز الهضمي والجسم والدماغ، مع التأكيد على أن الطعام وحده لا يُعد علاجًا للاضطرابات النفسية أو العصبية.
كيف تتواصل الأمعاء مع الدماغ؟
من أهم وسائل التواصل بين الجهاز الهضمي و الدماغ العصب الحائر (Vagus Nerve)، الذي ينقل الإشارات في الاتجاهين بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي المركزي.
لكن التواصل لا يعتمد على الأعصاب فقط، إذ تنتج البكتيريا الموجودة في الأمعاء مواد مختلفة تُعرف باسم المستقلبات (Metabolites)، ويمكن لبعض هذه المواد التأثير في وظائف المناعة والبيئة الالتهابية في الجسم، بما في ذلك الخلايا المناعية الموجودة داخل الجهاز العصبي المركزي، والمعروفة باسم الخلايا الدبقية الصغيرة (Microglia).
وبالتالي، فإن تركيب ميكروبيوم الأمعاء والمواد التي تنتجها قد يكون له دور في تنظيم بعض العمليات المناعية والالتهابية المرتبطة بالدماغ.
ما علاقة ذلك بالالتهاب العصبي؟
يحظى الالتهاب العصبي (Neuroinflammation) باهتمام متزايد في الأبحاث المتعلقة بالعديد من الاضطرابات العصبية والنفسية.
وتشير الدراسات إلى وجود ارتباط بين اضطرابات محور الأمعاء– الدماغ وبعض الحالات، من بينها:
الاكتئاب.
القلق.
مرض باركنسون.
بعض أشكال التدهور المعرفي.
لكن وجود هذا الارتباط لا يعني أن اضطرابات الأمعاء هي السبب المباشر لهذه الأمراض، فالعلاقة بين الأمعاء و الدماغ معقدة، وتتداخل فيها عوامل وراثية وبيئية ونمط الحياة والصحة النفسية والجسدية، وما زالت موضع بحث.
وماذا عن النظام الغذائي؟
يلعب نمط الطعام دورًا مهمًا في تكوين البيئة التي تعيش فيها بكتيريا الأمعاء.
وقد يرتبط النظام الغذائي الذي يعتمد بكثرة على الأطعمة فائقة التصنيع والسكريات المضافة والدهون غير الصحية، مع انخفاض تناول الألياف والتنوع النباتي، بتغيرات في تركيب ووظيفة ميكروبيوم الأمعاء.
كما تحظى العلاقة بين الأحماض الدهنية أوميجا-3 وأوميجا-6 باهتمام بحثي فيما يتعلق بالعمليات الالتهابية، لكن الأهم هو التركيز على جودة النظام الغذائي ككل، وليس على عنصر غذائي واحد بمعزل عن باقي المكونات.
كيف ندعم صحة ميكروبيوم الأمعاء؟
لا توجد حاجة إلى "ديتوكس" خاص بالأمعاء أو مشروب سحري لإعادة توازن الميكروبيوم، وإنما يبدأ الأمر من أساسيات التغذية الصحية، ومنها:
تناول مجموعة متنوعة من الخضروات.
الاعتماد على الفواكه الكاملة.
زيادة مصادر الألياف الغذائية.
تناول المكسرات والبذور باعتدال.
الحصول على مصادر جيدة لأوميجا-3.
اختيار مصادر متنوعة وجيدة للبروتين.
تقليل الاعتماد على الأطعمة شديدة التصنيع.
الحد من السكريات المضافة.
وكلما كان النظام الغذائي أكثر تنوعًا وغنى بالأطعمة النباتية والألياف وأقل اعتمادًا على الأطعمة فائقة التصنيع، كان ذلك أكثر دعمًا لصحة الميكروبيوم.
هل 90% من السيروتونين موجود في الأمعاء؟
من المعلومات الشائعة أن نحو 90% من سيروتونين الجسم يُنتج في الجهاز الهضمي، وليس في الدماغ.
لكن هذه المعلومة تحتاج إلى توضيح مهم، فسيروتونين الأمعاء لا ينتقل ببساطة إلى الدماغ ليؤثر مباشرةً في الحالة المزاجية، لأن السيروتونين لا يعبر حاجز الدم– الدماغ بهذه الصورة.
ومع ذلك، فإن وجود كمية كبيرة من السيروتونين في الجهاز الهضمي يعكس الدور المهم الذي يؤديه هذا الناقل العصبي في وظائف الأمعاء وتنظيم بعض العمليات المناعية والفسيولوجية.
هل يجب التوقف عن تناول الجلوتين؟
يرتبط الجلوتين، وبخاصة بروتين الجليادين (Gliadin) الموجود فيه، ببعض التغيرات في نفاذية الأمعاء لدى الأشخاص المصابين باضطرابات معينة.
كما توجد حالات عصبية نادرة مرتبطة بالاستجابة المناعية للجلوتين، مثل الترنح المرتبط بالجلوتين (Gluten Ataxia).
لكن هذا لا يعني أن جميع الأشخاص يحتاجون إلى الامتناع عن الجلوتين. فالأشخاص المصابون بمرض السيلياك أو حساسية الجلوتين أو اضطرابات أخرى مرتبطة به يحتاجون إلى تقييم طبي مناسب، بدلًا من اتباع حميات خالية من الجلوتين بصورة عشوائية.
لا تهمل سكر الدم وصحة التمثيل الغذائي
ولا تقتصر أهمية التغذية على ميكروبيوم الأمعاء، إذ يُعد الحفاظ على مستويات صحية لسكر الدم والاهتمام بعوامل الخطورة الأيضية جزءًا أساسيًا من الحفاظ على الصحة على المدى الطويل.
كما ينبغي تقييم مؤشرات الالتهاب عند الحاجة وفي إطار طبي مناسب، بدلًا من الاعتماد على اختبارات أو منتجات تدّعي "تنظيف الجسم من الالتهابات".