لا تحتاج المرأة أثناء الولادة إلى من يشاركها المكان فقط، وإنما إلى شخص يمنحها شعورًا مستمرًا بالأمان في لحظة تتداخل فيها مشاعر الخوف والألم والقلق والترقب. وفي هذه المرحلة تحديدًا، يمكن لطريقة الزوج في التعامل مع زوجته أن تؤثر بشكل واضح في حالتها النفسية، سواء من خلال نبرة صوته، أو طريقة استماعه إليها، أو قدرته على احتواء انفعالاتها دون إصدار أحكام عليها.
ويقول الدكتور محمد فياض، استشاري العلاقات الأسرية، إن الولادة تمثل تجربة نفسية شديدة الخصوصية بالنسبة للمرأة، ولذلك فإن احتياجها إلى الدعم لا يعني بالضرورة أن الزوج مطالب بإيجاد حلول لكل ما يحدث، وإنما أن يشعرها بأنه حاضر معها وقادر على استيعاب خوفها وانفعالها دون أن يزيد الضغط الواقع عليها.
ويضيف أن أول أشكال الدعم النفسي يبدأ قبل الوصول إلى المستشفى، من خلال الحوار الهادئ بين الزوجين حول مخاوف المرأة وتوقعاتها من تجربة الولادة. فكلما شعرت الزوجة بأن زوجها يستمع إليها بجدية ولا يسخر من مخاوفها أو يقلل منها، أصبحت أكثر قدرة على التعبير عما تحتاج إليه عندما تبدأ الولادة.
الطمأنينة أهم من النصائح
ويشير الدكتور محمد فياض إلى أن الزوج قد يقع في خطأ شائع يتمثل في محاولة تقديم نصائح متواصلة لزوجته أثناء الألم، معتقدًا أن ذلك نوع من المساندة، بينما قد تكون هي في حاجة إلى الشعور بالاحتواء أكثر من حاجتها إلى الكلام.
وأوضح أن المرأة في لحظات التوتر قد لا تكون مستعدة لسماع تعليمات كثيرة أو عبارات تشجيع متكررة، ولذلك من الأفضل أن يختار الزوج كلماته بعناية، وأن يركز على رسائل بسيطة تمنحها الأمان، مثل التأكيد على وجوده إلى جوارها واستعداده لمساعدتها فيما تحتاج إليه.
ويرى استشاري العلاقات الأسرية أن الاستماع في حد ذاته سلوك داعم، حتى إذا كانت الزوجة تكرر شكواها أو تعبر عن خوفها بطريقة انفعالية. فليس مطلوبًا من الزوج أن يصحح مشاعرها أو يقنعها بأنها لا يجب أن تخاف، وإنما أن يسمح لها بالتعبير عنها دون أن تشعر بأنها مطالبة بالتظاهر بالقوة طوال الوقت.
لا تجعل خوفك عبئًا إضافيًا عليها
ويؤكد الدكتور محمد فياض أن الزوج نفسه قد يكون خائفًا وقلقًا، وهذا أمر طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول خوفه إلى مصدر توتر إضافي للزوجة. فإظهار الهلع المستمر، أو طرح أسئلة كثيرة بطريقة مرتبكة، أو توقع الأسوأ أمامها، يمكن أن يجعلها تشعر بأن هناك خطرًا لا تعرفه.
لذلك، ينصح بأن يحاول الزوج تنظيم انفعالاته قدر الإمكان، وإذا شعر بالقلق تجاه تطور معين، فمن الأفضل أن يستفسر من الطبيب أو الفريق الطبي بعيدًا عن نقل مخاوف غير مؤكدة إلى زوجته.
ويضيف أن الهدوء لا يعني أن يتظاهر الزوج بأنه لا يشعر بأي شيء، وإنما أن يتعامل مع قلقه بطريقة لا تجعل المرأة تشعر بأنها أصبحت مسؤولة أيضًا عن تهدئته في الوقت الذي تحتاج فيه إلى من يساندها.
احترم تغير احتياجاتها أثناء المخاض
ومن الجوانب النفسية المهمة، بحسب الدكتور محمد فياض، أن ما تحتاج إليه المرأة في بداية الولادة قد يختلف تمامًا عما تحتاج إليه بعد مرور عدة ساعات. فقد ترغب في الحديث في وقت، ثم تفضل الصمت لاحقًا، وقد تحتاج إلى الإمساك بيد زوجها في لحظة، ثم تطلب منه عدم لمسها في لحظة أخرى.
ويؤكد أن هذه التغيرات لا ينبغي تفسيرها باعتبارها رفضًا للزوج أو تقلبًا غير مبرر، وإنما باعتبارها جزءًا من الضغط الجسدي والانفعالي الذي تمر به المرأة. لذلك فإن أفضل استجابة هي احترام احتياجاتها المتغيرة وعدم الدخول معها في نقاش حول سبب تصرفها بهذه الطريقة.
ابتعد عن المقارنات
ويحذر استشاري العلاقات الأسرية من مقارنة الزوجة بامرأة أخرى أثناء الولادة، حتى لو كانت المقارنة بهدف التشجيع، مثل الحديث عن قريبة أو صديقة تحملت الألم بطريقة مختلفة.
ويقول الدكتور محمد فياض إن لكل امرأة تجربتها الخاصة، وإن المقارنة قد تجعلها تشعر بأنها لا تتعامل مع الولادة بالشكل الصحيح، وهو ما يزيد الإحساس بالذنب والضغط النفسي بدلًا من تخفيفه.
كما أن عبارات من نوع «أنتِ قوية» قد تكون داعمة في بعض اللحظات، لكنها قد تتحول إلى ضغط إذا قيلت بطريقة توحي بأن عليها تحمل كل شيء دون التعبير عن الألم أو الخوف. والأفضل أن يكون التشجيع متوافقًا مع حالتها في اللحظة نفسها.
لا تحاول السيطرة على التجربة
ويؤكد الدكتور محمد فياض أن بعض الأزواج قد يتعاملون مع الولادة باعتبارها موقفًا يحتاج إلى إدارة كاملة، فيحاولون اتخاذ القرارات بدلًا من زوجاتهم أو التحدث نيابة عنهن طوال الوقت.
ويرى أن الدعم النفسي الصحي يقوم على الشراكة، وليس السيطرة. فإذا كانت الزوجة قادرة على التعبير عن رغباتها واتخاذ قراراتها، فمن المهم منحها المساحة لذلك، مع احترام التقييمات والتوجيهات الطبية.
أما دور الزوج فيمكن أن يتمثل في مساعدتها على طرح الأسئلة التي تريد معرفة إجاباتها، والتأكد من فهمها لما يحدث، ومساندتها في التعبير عن احتياجاتها، بدلًا من افتراض أنه يعرف تلقائيًا ما هو الأفضل لها.
وجود الزوج لا يعني ضرورة الحديث طوال الوقت
ومن الأخطاء التي قد تحدث دون قصد، وفقًا للدكتور محمد فياض، الاعتقاد بأن الصمت يعني تقصير الزوج في الدعم. ففي بعض اللحظات قد يكون مجرد الجلوس بجوار الزوجة أو الإمساك بيدها أو النظر إليها بهدوء أكثر تأثيرًا من عشرات الكلمات.
ويشير إلى أن الدعم الحقيقي يعتمد على قراءة احتياجات الطرف الآخر، وليس على تنفيذ قائمة ثابتة من التصرفات. فإذا كانت الزوجة تحتاج إلى الهدوء، فإن احترام رغبتها يصبح دعمًا، وإذا كانت تحتاج إلى الحديث، فإن الإنصات إليها يصبح دعمًا، وإذا احتاجت إلى مساعدة عملية، فعلى الزوج أن يبادر بها دون انتظار أن تطلبها في كل مرة.
ما بعد الولادة لا يقل أهمية عن المخاض
ويلفت الدكتور محمد فياض إلى أن بعض الأزواج يركزون اهتمامهم بالكامل على لحظة الولادة، ثم يتراجع الدعم النفسي بعد وصول الطفل، رغم أن المرأة تدخل بعد الولادة في مرحلة جديدة قد تكون شديدة الحساسية نفسيًا وبدنيًا.
ولهذا، فإن شعورها بأن زوجها يقدر المجهود الذي بذلته، ويساعدها في المسؤوليات الجديدة، ويمنحها مساحة للراحة، ويستمع إليها دون إصدار أحكام، يمكن أن يدعم شعورها بالاستقرار داخل الأسرة.
ويؤكد أن الزوج ليس مطالبًا بأن يكون مثاليًا أو أن يعرف دائمًا التصرف الصحيح، وإنما الأهم أن يكون حاضرًا وقابلًا للتعلم، وأن يسأل زوجته عما تحتاج إليه بدلًا من افتراض احتياجاتها.
وفي النهاية، يرى الدكتور محمد فياض، استشاري العلاقات الأسرية، أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الزوج لزوجته أثناء الولادة هو أن يجعلها تشعر بأنها لا تواجه هذه التجربة بمفردها. فالدعم النفسي لا يقاس بكثرة الكلام أو حجم التصرفات، وإنما بمدى شعور المرأة بأن الشخص الموجود إلى جوارها يفهم خوفها، ويحترم مشاعرها، ولا يزيد عليها أعباء جديدة في واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياتها.