في أعقاب حادث وفاة عدد من الأشخاص خلال إحدى محاولات الهجرة غير الشرعية مؤخرًا، تجددت الدعوات إلى ضرورة التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية باعتبارها قضية مجتمعية وإنسانية متكاملة، لا تقتصر مواجهتها على الإجراءات القانونية وإنما تتطلب أيضًا دورًا فاعلًا للإعلام وال دراما في رفع الوعي وتصحيح المفاهيم وكشف المخاطر الحقيقية التي تحيط بهذا النوع من الهجرة.
وأكدت الدكتورة حنان يوسف، رئيس المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي والاتحاد العربي للإعلام والثقافة، أن الحوادث المتكررة التي يدفع فيها بعض الشباب حياتهم ثمنًا لمحاولات الهجرة غير الشرعية تستوجب مراجعة شاملة لطريقة تناول الظاهرة إعلاميًا ودراميًا، مشيرة إلى أن الإعلام يمتلك مسؤولية كبيرة في تشكيل وعي الجمهور، خاصة الشباب، تجاه خطورة هذه الرحلات وما تحمله من مخاطر إنسانية وقانونية وأمنية.
وقالت د. حنان يوسف إن تناول الهجرة غير الشرعية يجب ألا يقتصر على نقل أخبار الحوادث وأعداد الضحايا، أو تقديمها في إطار خبري عابر، وإنما ينبغي أن ينتقل إلى المعالجة التوعوية العميقة التي تبحث في أسباب الظاهرة، وتناقش أحلام الشباب وتطلعاتهم، وتكشف في الوقت نفسه حقيقة ما ينتظر المهاجر غير الشرعي من مخاطر قد تبدأ بالاستغلال وتنتهي بفقدان الحياة.
وأضافت أن بعض التناول الإعلامي قد يركز، بحكم طبيعة الخبر، على لحظة الحادث ونتائجه، بينما تحتاج القضية إلى سرد أكثر شمولًا يوضح كيف تبدأ رحلة الهجرة غير الشرعية، ومن يستغل أحلام الشباب، وما الثمن الذي قد تدفعه الأسر، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليها. *الدراما.. قوة ناعمة في مواجهة الوهم*
وشددت رئيس المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي والاتحاد العربي للإعلام والثقافة على أهمية توظيف ال دراما التليفزيونية والسينمائية في مواجهة الصورة الوهمية التي قد ترتبط لدى بعض الشباب بفكرة الهجرة غير الشرعية، مؤكدة أن ال دراما قادرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور والتأثير في الوعي والسلوك بصورة تتجاوز أحيانًا الرسائل التوعوية التقليدية .
وأوضحت أن المطلوب ليس تقديم أعمال درامية مباشرة تحمل رسائل وعظية، وإنما إنتاج أعمال إنسانية مؤثرة تضع المشاهد أمام التجربة الحقيقية للشاب الذي يقرر خوض رحلة محفوفة بالمخاطر، وتكشف الأبعاد الإنسانية للقضية من خلال قصص الأسر، وأحلام الشباب، واستغلال المهربين، ومآلات الرحلات التي قد تنتهي بالموت أو الفقد أو الاستغلال.
وأكدت د. حنان يوسف أن ال دراما الجيدة لا تكتفي بإدانة الظاهرة، وإنما تفسرها وتفكك أسبابها وتقدم بدائل للأمل والنجاح، مشيرة إلى أهمية أن يرى الشباب نماذج حقيقية وملهمة للنجاح داخل وطنهم، وأن تتضمن الأعمال الفنية رسائل تؤكد أن تحقيق الطموح لا ينبغي أن يرتبط بالمغامرة بالحياة أو الوقوع في أيدي شبكات الاتجار بالبشر. *من «خبر الحادث» إلى «صناعة الوعي»*
ودعت الدكتورة حنان يوسف المؤسسات الإعلامية والجهات المعنية بصناعة ال دراما إلى تبني رؤية أكثر استدامة في تناول ملف الهجرة غير الشرعية، من خلال التعاون بين الإعلاميين والأكاديميين والمتخصصين الاجتماعيين والنفسيين وصناع الدراما، بما يضمن تقديم معالجة مهنية وإنسانية بعيدة عن الإثارة أو التهويل.
وأكدت أن الإعلام المسؤول عليه أن يمنح مساحة أكبر لصوت الأسر والناجين والمتخصصين والشباب أنفسهم، حتى تصبح المعالجة الإعلامية أكثر قربًا من الواقع، وأكثر قدرة على التأثير في الجمهور. كما أوصت بضرورة إنتاج حملات إعلامية وأعمال وثائقية ودرامية تستند إلى قصص واقعية، مع مراعاة عدم استغلال مآسي الضحايا أو تحويلها إلى مادة للإثارة، والحفاظ على كرامة المتوفين وخصوصية أسرهم. *توصية بتكامل الإعلام والدراما*
واختتمت د. حنان يوسف بالتأكيد على أن مواجهة الهجرة غير الشرعية تحتاج إلى منظومة متكاملة لصناعة الوعي، يكون الإعلام وال دراما أحد أهم أذرعها، إلى جانب دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني.
وأشارت إلى أن كل حادث مأساوي من هذا النوع يجب أن يكون مناسبة لإعادة طرح السؤال حول كيفية حماية الشباب من الوقوع في فخ الهجرة غير الشرعية، وكيف يمكن تحويل الإعلام والفن من مجرد ناقل للحدث إلى شريك حقيقي في الوقاية وصناعة الوعي وبناء الأمل. وشددت على أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الشباب هي أن الحياة لا تستحق أن تُغامَر بها من أجل حلم، وأن الطريق إلى المستقبل يجب أن يكون آمنًا وكريمًا، وأن بناء الأمل في الداخل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والإعلام والثقافة والفن.