تشهد الساحة السينمائية حاليا إسدال الستار تدريجيًا على موسم الصيف في البلاد.
وتبدو الحصيلة أبعد من مجرد سباق تقليدي على شباك التذاكر. فصيف 2026 أعاد رسم خريطة المنافسة، وقدم واحدًا من أقوى المواسم التي عرفتها دور العرض المصرية خلال السنوات الأخيرة، سواء بحجم الإيرادات أو كثافة الأفلام أو تنوع النجوم والأنواع السينمائية، ليؤكد أن الجمهور ما زال مستعدًا للذهاب إلى السينما عندما يجد الفيلم القادر على جذبه.
والأرقام تكشف حجم التحول. ففي مطلع أغسطس، وقبل اكتمال الموسم أشارت تقارير لغرفة صناعة السينما وجهات إنتاجية إلى أن إيرادات أفلام الصيف تجاوزت 740 مليون جنيه، مقابل نحو 510 ملايين جنيه لموسم صيف 2025، ونحو 430 مليونًا في 2024 و400 مليون تقريبًا في 2023.
وهي مقارنة تجعل صيف 2026 استثنائيًا من الناحية التجارية، حتى مع ضرورة الانتباه إلى اختلاف عدد الأفلام وأسعار التذاكر بين موسم وآخر.
موسم قاوم المنافسة من خارج السينما
قوة الموسم لا ترتبط بالإيرادات وحدها، وإنما بالظروف التي تحققت فيها. فقد واجهت دور العرض منافسة متزايدة من منصات المشاهدة الرقمية، كما تزامنت أجزاء من الموسم مع امتحانات الثانوية العامة وبطولة كأس العالم، وهي عوامل كان يمكن أن تسحب قطاعًا مهمًا من الجمهور بعيدًا عن السينمات.
ومع ذلك، حافظت الأفلام المصرية على زخم واضح، وهو مؤشر على استعادة السينما جانبًا من حيويتها.
وكان التنوع أحد أهم أسلحة الموسم. فلم يعتمد صيف 2026 على فيلم ضخم واحد يحمل السوق، بل توزعت المنافسة بين الأكشن والكوميديا والرومانسية والمغامرة، وبين نجوم أصحاب جماهيرية راسخة ووجوه شابة بدأت تثبت قدرتها على قيادة أفلام تجارية.
«7Dogs».. قاطرة الموسم
في مقدمة أفلام الصيف جاء «7Dogs» لكريم عبد العزيز وأحمد عز، والذي تحول إلى أحد أكبر الرهانات التجارية للموسم.
وبحلول منتصف أغسطس كانت إيراداته قد تجاوزت 270 مليون جنيه، مع بيع نحو 1.79 مليون تذكرة، ليفرض نفسه في صدارة إجمالي إيرادات أفلام الصيف.
نجاح الفيلم لم يكن مجرد إضافة رقم ضخم إلى شباك التذاكر، بل كشف عن استمرار قدرة الإنتاجات الكبيرة متعددة النجوم على تحويل الفيلم إلى «حدث» جماهيري، خصوصًا عندما تجتمع أسماء ذات قاعدة جماهيرية واسعة مع الأكشن والإنتاج الضخم والحملة التسويقية المكثفة.
وإلى جانبه برز "صقر وكناريا" لمحمد إمام وشيكو، الذي قدم نموذجًا آخر للسينما الجماهيرية القائمة على المزج بين الأكشن والكوميديا.
الفيلم تجاوز حاجز 110 ملايين جنيه بحلول 17 يوليو، بعدما استحوذ في أحد أيام عرضه على أكثر من 63% من إيرادات السوق اليومية، ما يعكس قوة انطلاقته وقدرته على الاحتفاظ بالجمهور.
نجوم كبار ومفاجآت شبابية
الموسم حمل كذلك عودة قوية لياسمين عبد العزيز وأحمد السقا من خلال "خلي بالك من نفسك"، وهو أول تعاون سينمائي يجمعهما.
ورغم الجدل الذي صاحب تداول أرقام إيراداته وإعلان الشركة المنتجة في يوليو عدم الدخول في سجالات بشأن الأرقام غير الموثقة، واصل الفيلم حضوره في دور العرض. وبحلول أوائل سبتمبر أشارت بيانات إنتاجية إلى اقتراب إيراداته من 80 مليون جنيه.
لكن إحدى أهم رسائل صيف 2026 جاءت من خارج دائرة النجوم التقليدية. فيلم "محمود التاني"، بطولة كزبرة وأحمد غزي، استطاع المنافسة بقوة وتصدر الإيرادات اليومية في مراحل متقدمة من الموسم. وفي الأسبوع الـ37 من العام سجل إجمالي إيرادات للفيلم تجاوز 65 مليون جنيه.
هذه النتيجة تحديدًا تحمل دلالة مهمة للصناعة: الاسم الكبير لم يعد الطريق الوحيد إلى شباك التذاكر، وهناك مساحة تتسع لنجوم جدد متى امتلك الفيلم فكرة قابلة للتسويق واتصالًا حقيقيًا بجمهور أصغر سنًا.
لماذا كان صيف 2026 مختلفًا؟
الاختلاف الأساسي أن المنافسة لم تعد مباراة بين فيلمين أو ثلاثة. الأفلام دخلت تباعًا إلى السوق، وتغيرت الصدارة أكثر من مرة، بينما حافظت أعمال أقدم على جزء من إيراداتها بالتزامن مع وصول منافسين جدد.
وهذا يعني أن السوق استطاعت استيعاب عدد أكبر من الأعمال بدلًا من اعتماد الموسم بالكامل على "فيلم القمة".
كما أن شباك التذاكر أظهر تعددًا في شرائح الجمهور: الإنتاج الضخم وجد جمهوره، والكوميديا حافظت على قوتها، والأفلام التي يقودها الشباب استطاعت انتزاع الصدارة اليومية.
وحتى في الأسابيع الأخيرة، استمرت المنافسة مع طرح أعمال جديدة، ما جعل نهاية الصيف أقرب إلى امتداد للسباق منها إلى هبوط سريع في النشاط.
لكن قوة الإيرادات لا تعني أن الموسم بلا ملاحظات. فالجدل الذي ظهر حول دقة بعض الأرقام ومصادر إعلانها يعيد طرح ضرورة وجود آلية أكثر شفافية وتوحيدًا لبيانات شباك التذاكر، خصوصًا بعدما أصبحت الإيرادات نفسها جزءًا من الحملات الدعائية للأفلام.
يودع صيف 2026 جمهوره وقد حقق ما هو أهم من رقم قياسي: أعاد إثبات قدرة السينما المصرية على صناعة موسم طويل ومزدحم ومتعدد الرهانات. نجوم كبار حافظوا على ثقلهم، ووجوه جديدة فرضت نفسها، وأفلام تجاوزت حاجز المئة مليون، بينما وصل فيلم واحد إلى ما فوق ربع مليار جنيه.
إنه موسم لم يفز فيه فيلم واحد فقط؛ الرابح الأكبر كان شباك التذاكر نفسه، بعدما أثبت أن السينما المصرية، رغم المنصات وتغير عادات المشاهدة وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا تزال قادرة على تحويل ليلة أمام الشاشة الكبيرة إلى حدث جماهيري.