لماذا تُقلق الدبلوماسية المصرية تل أبيب بشدة ؟

لماذا تُقلق الدبلوماسية المصرية تل أبيب بشدة ؟عاطف عبد الغني

الرأى20-9-2026 | 14:44

ظهيرة الثلاثاء من الأسبوع الماضي، شاركتُ في حلقة تليفزيونية عبر شاشة «الفضائية المصرية»، تناولتُ خلالها بالشرح والتحليل نهج الدبلوماسية المصرية في التعاطي مع التحولات الدولية والأزمات الإقليمية، وحرصتُ في تحليلاتي علي إسناد الطرح النظري بأمثلة حية من الواقع، ولم أكن أعلم أن المساء سيعاجلني بدليل جديد يؤكد ما طرحته، وهو ما يهمني أن أطلعكم عليه؛ ويتمثل في تقرير نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، يتناول حدثًا يعكس بشدة موضوع النقاش الذي دار علي الشاشة.

والحدث – كما وثّقه الإعلام القبرصي وأكده الرئيس نيكوس خريستودوليدس– يتمثل في مشاركة عناصر من القوات المسلحة المصرية ، للمرة الأولي، في العرض العسكري المقرر إقامته بالعاصمة القبرصية «نيقوسيا» في الأول من أكتوبر المقبل بمناسبة عيد الاستقلال، إلي جانب الحرس الوطني القبرصي وضباط القوة اليونانية المتمركزة في الجزيرة (ELDYK).

غير أنه، وكعادة الإعلام العبري والاهتمام الصهيوني، لم يمر الأمر مرور الكرام؛ إذ سارعت الصحافة الإسرائيلية إلي بث السموم ومحاولة تعكير صفو العلاقات الوطيدة بين القاهرة ونيقوسيا.

وعلي الرغم من علاقات تل أبيب الجيدة باليونان وقبرص وتوظيف هذه العلاقات ضد تركيا يأتي الطرح الإسرائيلي يري في التطور النوعي للعلاقات المصرية القبرصية اليونانية تحولاً استراتيجيًا يبعث علي الغضب والغيرة الشديدين.

ويزداد هذا القلق مع كل خطوة تُخطوها مصر لتعميق شراكاتها؛ ففي أبريل الماضي، اتفقت مصر وقبرص علي تعزيز التعاون الدفاعي وتوسيع التبادل بين المؤسسات والمصانع العسكرية وتبادل الخبرات بين كلياتهما العسكرية، وتشكيل لجنة مشتركة للتعامل مع التحديات الأمنية، وجاءت «قمة العلمين» الثلاثية في الثامن من سبتمبر الماضي لترسخ هذه الآلية بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا، مع التركيز علي ملفات الأمن، والطاقة، والأمن المائي، والاستقرار الإقليمي، والتأكيد علي الاحتكام للقانون الدولي في حل الأزمات.

لكن الإعلام العبري "الخبيث" حاول اللعب علي وتر «التناقض الظاهري»، متسائلا بما يشبه الاستنكار: كيف توازن مصر علاقاتها الاستراتيجية هذه مع استئناف علاقاتها الكاملة وتناميها مع تركيا، ورغم الأزمات التاريخية بين أنقرة من جهة وكل من أثينا ونيقوسيا من جهة أخري؟، ولَم يكتفِ الإعلام الإسرائيلي بذلك، بل سارع للنبش في دفاتر الماضي، مستحضرًا حادثة «مطار لارنكا» الشهيرة عام 1978 – التي شهدت عملية اغتيال الأديب الكبير يوسف السباعي واشتباكًا مؤسفًا بين أفرد من الجيشين المصري والقبرصي خلّف ضحايا من الجانبين – وكأنه ينكأ الجرح الذي اندمل، ويتعامل مع الحدث وكأن التاريخ توقف عنده والكرة الأرضية كفّت عن الدوران!، وهذا الاستحضار الفج، علي ما فيه من سذاجة وغرض مكشوفين، يعكس حقدًا دفينًا تجاه قدرة القاهرة علي الصياغة المتوازنة لعلاقاتها الخارجية، وهو ما ذكرته وأكدت عليه في البرنامج التليفزيوني الذي شاركت فيه.

إن نجاح مصر في الحفاظ علي علاقات متزامنة وقوية مع قبرص واليونان وتركيا في آن واحد، تعود إلي ثابت استراتيجي صريح في السياسة الخارجية المصرية، ألا وهو التمسك بمساحة حركة مستقلة تتيح لها التعاون مع أطراف بينها منافسات جيو- سياسية متي اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، وتؤمن الدبلوماسية الرشيدة التي تنتهجها مصر الآن بأن النفوذ السياسي، والوساطة الفعالة، وقنوات الاتصال المفتوحة، قادرة علي حماية الأمن القومي المصري وتحقيق توازنات الاستقرار الإقليمي، بعيدًا عن الاستقطاب أو الانخراط المباشر في الصراعات.

أضف تعليق

مصر والسعودية وتحديات الإقليم

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة

تسوق مع جوميا
اعلان