«كله بيقعد ويمشي.. لكن هي تستني».. هذه الجملة البسيطة التي جاءت في خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية بوزارة العدل من الأكاديمية العسكرية المصرية، تمثل ملامح مختصرة لأعمق فلسفة سياسية واستراتيجية لبقاء الدول واستمرارها عبر التاريخ.
لم يكن الرئيس يتحدث في الأكاديمية العسكرية أمام خريجي دورة تدريبية من أعضاء الهيئات القضائية فحسب، بل كان يعيد هندسة وتعريف مفهوم المسؤولية والوطنية، فالوظيفة مهما علَت ليست امتيازًا شخصيًا أو مغنمًا، والدولة الحديثة لا ترتبط بأشخاص أو حكومات، بل هي الكيان الباقي الذي يحتضن الأجيال ويحفظ الهوية، من هنا، ومن هذه الفلسفة المختصرة وتلك النافذة تحديدًا، ينطلق سؤالاً مهمًا ربما يتجاوز التغطيات الصحفية التقليدية لأي مؤتمر أو حدث وهو: كيف يصبح الوعي خط الدفاع الأول عن استقرار الأمة ودرعها الأقوي في مواجهة العواصف؟
تتبع مضامين ودلالات كلمة الرئيس في الاحتفالية التي جرت فعالياتها الخميس الماضي، يكشف عن وجود فلسفة وهندسة متكاملة لبناء الدولة، لا تعتمد علي الإجراءات الأمنية وحدها، علي أهميتها، بل تتسع لتشمل فلسفة إصلاح المؤسسات، وبناء الإنسان، وتوحيد معايير الاختيار والتأهيل، فضلاً عن خلق مساحات مشتركة للتعايش والتفاهم بين مختلف مؤسسات الدولة، وهنا تبرز كلمة «التحصين» بوصفها العمود الفقري لأي استراتيجية حقيقية لحماية الوطن، هذا التحصين متعدد المستويات والأبعاد، يبدأ بتطهير وتطوير الإدارات، ويمتد إلي معايير اختيار الكفاءات وفق أسس موضوعية، ولا يتوقف عند حدود تسليح الشباب بالمعرفة و الوعي المجتمعي، بل يمتد ليصل إلي الأسرة ذاتها، لحمايتها من أمواج الشائعات المتلاطمة والدعاية الموجهة التي تستهدف استنزاف الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية.
لكن كما هو معروف ومنطقي، فإن بناء الدولة وإصلاح مؤسسات تضم ملايين العاملين، لا يحدث بضغطة زر ولا بمنطق النتائج الفورية، ولقد لفت الرئيس الانتباه بوضوح إلي الفارق الجوهري بين إطلاق مسار التغيير وبين قطف ثماره، مؤكدًا أن بعض نتائج الإصلاح الحقيقي تتطلب سنوات من المثابرة والعمل التراكمي الشاق، وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لتلك اللقاءات والدورات التي تجمع متدربين من جهات ومؤسسات متباينة داخل صرح الأكاديمية العسكرية ، فالهدف لم يعد مجرد تدريب علمي أو مهني، بل خلق «معرفة مشتركة» وروح مؤسسية واحدة تذوب فيها الفوارق الضيقة لصالح المصلحة الكبري للدولة، بحيث يدرك الجميع أنهم أجزاء متكاملة في منظومة واحدة تعمل لغاية واحدة هي رفعة مصر واستقرارها.
هذا الفهم لطبيعة بناء الدول يقودنا بالضرورة إلي التوقف أمام استدعاء الرئيس ذاكرة عام 2011 ومخاطر تلك المرحلة، فاستدعاء هذه المحطة التاريخية ليس مجرد وقفة عابرة عند الماضي، بل هو قراءة لحقيقة أن المخاطر الكبري التي تواجه الدول لا تختفي بانتهاء لحظة سياسية، بل تتطور وتتحور، فالأدوات تتبدل، والشعارات تتغير، وتنتقل المواجهة من الشارع والصدام المباشر إلي الفضاء الرقمي وشبكات الإنترنت، ومن التنظيمات المغلقة إلي المنصات العابرة للحدود، ومن التحريض الفج إلي الصناعة المتقنة لحملات التشكيك المنهجي في كل إنجاز، بل وفي ثوابت الوجود الوطني ذاتها، فهم - أقصد من صنعوا مخاطر تلك الحملات من أهل الشر والكارهين للوطن والدولة - يبحثون دائمًا عن ثغرات جديدة للنيل من وعي المواطن وإسقاط هيبة المؤسسات.
لقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالاً للشك أن الهجوم علي الوطن لم يعد تقليديًا، فهو اليوم يدار عبر منصات رقمية مغرضة، وشبكات علاقات معقدة، ومؤتمرات مشبوهة، ومنظمات تسوق الأكاذيب، وجماعات تعمل في الظلام، ومحتوي ذكي وخبيث موجه للشباب.
وهنا تحديدًا تبرز حالة يمكن طرحها كمثال ونموذج حديث وهي مؤتمر جماعة الإخوان الإرهابية الذي انعقد مؤخرًا في هولندا، كنموذج صارخ لاستمرار تلك المحاولات اليائسة من خارج الحدود للهجوم علي الوطن والنيل من الدولة، حيث تتلاقي كيانات وحركات إرهابية في محاولة لإعادة إنتاج النشاط التنظيمي والسياسي في الساحات الأوروبية لخدمة أجندات هدم الأوطان، ويظل هذا المؤتمر دليلاً عمليًا علي أن الخارج لم يغلق الملف، وأن خصوم الاستقرار من فلول الإخوان وأعوانهم لا يتوقفون عن البحث عن موطئ قدم أو منبر جديد لبث سمومهم نحونا.
لكن الأخطار الحقيقية لا تكمن فقط في انعقاد مؤتمر هنا أو تأسيس مكتب هناك وفقط، بل في الخطر الأكبر المتمثل في «صناعة الرواية البديلة»، فالمعركة اليوم هي معركة سرديات وعقول بامتياز، حيث يراد تكريس رواية وهمية تُصور الدولة علي أنها عاجزة، والمؤسسات علي أنها فقدت شرعيتها، والإصلاح علي أنه مستحيل، وكل أزمة باعتبارها نذير انهيار، وحين تتحول هذه الرسائل التخريبية، عبر التكرار والتكثيف، إلي حالة نفسية مجتمعية يائسة، تفعل فعل السم في عقول البسطاء، ومن هنا ترتفع قيمة «الوعي» الذي دعا إليه الرئيس، فالتحصين يبدأ حين يصبح المواطن قادرًا علي الفهم وقادرًا علي طرح الأسئلة بذكاء: من يقول؟ ولماذا يقول؟ وإلي أين يراد لي أن أذهب؟، كما أن الغاية النهائية من هذا التحصين مواطنًا واعيًا، يقظًا، قادرًا علي القراءة والتحليل، ومقارنة المعلومات، وفهم السياقات الإقليمية والدولية المعقدة، والتمييز بدقة بالغة بين النقد البناء الذي يستهدف الإصلاح وبين الدعوة الهدامة التي تستهدف التخريب، بين المعارضة السياسية المشروعة تحت مظلة الدستور وبين التحريض علي العنف والفوضي، بين كشف الخلل بقصد التطوير وبين صناعة اليأس بقصد إسقاط الوطن.
وفي سياق التحصين وأهميته في مواجهة التهديدات الخارجية والروايات المضللة، فإن هناك أمرا داخليًا لا يقل أهمية أشار إليه الرئيس بوضوح عندما حذر من آفة «الاستعلاء»، الاستعلاء بالوظيفة، أو بالرتبة، أو بالسلطة، أو حتي بالتدين والاستقامة المزيفة، لأن ذلك في حقيقته يمثل معول هدم خفي داخل بنيان الدولة، فالأوطان لا تضعف فقط بفعل الضربات الخارجية والمؤامرات المدبرة، بل تضعف وتتضرر أيضا عندما يتحول المسئول إلي حاجز يتعالي علي المواطن، أو عندما يشعر الإنسان البسيط أن كرامته مستباحة أمام باب أي مؤسسة خدمية، من هنا تظهر أهمية التلاحم بين إصلاح المؤسسات وبين الوعي المجتمعي، فهما وجهان لعملة واحدة اسمها، «دولة قوية».
في الحصيلة الأخيرة، يثبت مؤتمر هولندا وغيره من التحركات الإرهابية الإخوانية أن معركة الوعي واستقرار الأوطان هي مسار مستمر لا تنتهي محطاته، وإن رسالة الأكاديمية العسكرية وجوهر ما طرحه الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يخصان الخريجين وحدهم، بل هما نداء متجدد لجيل كامل من أبناء مصر الشرفاء العاملين في شرايين الدولة وخارجها: بأن الأوطان تحميها المؤسسات الكفؤة، والإنسان والمؤهل والمدرب، والمواطن الواعي الذي يعرف تمامًا كيف يمارس حقه في الاختلاف والنقد والسؤال والتحقق، لكنه يدرك في الوقت ذاته أين تقف حدود الخلاف، ومتي يتحول الرأي السياسي إلي أداة هدامة تستهدف تقويض أركان الدولة، وحين تتكامل هذه العناصر الوطنية الواعية، يصبح «الوعي» هو الركن الأرسخ في عقيدة الأمن القومي المصري، والضمانة الأكبر والأكيدة لبقاء مصر عزيزة منيعة قادرة علي عبور كل التحديات والعبور نحو مستقبل يستحقه شعبها العظيم.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن