فى كلمته أمام مؤتمر الهوية الوطنية جذور راسخة ورؤية متجددة والذى عقد بمكتبة الإسكندرية قال اللواء خالد فوده مستشار الرئيس للتنمية المحلية ورئيس المؤتمر إن المؤتمر يأتى في توقيت بالغ الدقة والأهمية.
وأضاف أن مناقشة الهوية الوطنية اليوم لم تعد ترفاً فكرياً أو سجالاً أ كاديمياً، بل هي ضرورة أمن قومي ومحرك أساسي للتنمية المستدامة، ودرع لحماية وجدان الأمة.
وأضاف اللواء خالد فوده قائلا إن استراتيجيتنا للتنمية المحلية التي نعمل عليها تهدف إلى ترسيخ وتمكين الهوية المحلية في كل محافظة، كجزء لا يتجزأ من الهوية الكلية للوطن. فعندما ننمي التراث والموروث الشعبي والصناعات الحرفية في صعيد مصر أو سيوة أو سيناء، فأنت لا تخلق فرص عمل فحسب، بل تحمي بصمة الهوية الخاصة بتلك المناطق من الاندثار.
ومن هذا المنبر العريق، أطرح أمامكم أفكار خارطة طريق استراتيجية للتعامل مع ملف الهوية الوطنية في المرحلة القادمة، تتلخص في خمسة محاور رئيسية:
أولاً: بناء الوعي الرقمي للأجيال الجديدة؛ لأن الشباب والنشء الذين ولدوا في عصر التكنولوجيا هم هدفنا الأول، ولا يمكننا حماية هوية أجيال المستقبل بمنع التكنولوجيا، بل بامتلاك أدواتها من خلال إنتاج محتوى رقمي مصري ينافس عالمياً، يجسد تاريخنا وقيمنا وبطولاتنا بأسلوب تفاعلي جذاب.
ثانياً: التنمية العمرانية الصديقة للهوية، الأصالة والمعاصرة؛ فالطفرة العمرانية غير المسبوقة التي تشهدها مصر من بناء العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الذكية من الجيل الرابع وتطوير العشوائيات والمناطق التاريخية، يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع الحفاظ على الطراز المعماري والبصري الذي يعبر عن الهوية المصرية ويحتفي بتاريخ مصر المجيد. فالعمران ليس مجرد أحجار، بل هو الوعاء الذي تتشكل فيه سلوكيات المجتمع وهيبته الحضارية. وإن الاستثمار في الهوية البصرية للمدن المصرية يعزز من الانتماء الداخلي ويشكل أداة جذب سياحي واستثماري عالمية، وهو ما نقوم به في تطوير وحماية القاهرة التراثية على سبيل المثال، بالتعاون مع جميع الجهات ومؤسسات الدولة.
ثالثاً: الاقتصاد الثقافي والصناعات التراثية؛ يجب تحويل الهوية إلى قوة اقتصادية منتجة ومستدامة، من خلال دعم أصحاب الحرف التراثية والصناعات التقليدية في كافة المحافظات (السجاد، الفخار، التشكيل على النحاس، الخيامية... كل هذا موجود)، وتيسير تسويق منتجاتهم عالمياً، وبما يساهم في تعزيز سياحة الهوية والذاكرة، حيث لا يزور السائح مصر لرؤية الآثار فقط، بل ليعيش التجربة الثقافية والحضارية المصرية بكافة تفاصيلها المحلية.
رابعاً: دعم دور المؤسسات المجتمعية والقيادات المحلية؛ إن الحفاظ على الهوية ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو عقد الاجتماعي شامل، دور الأسرة والمؤسسات الدينية (الأزهر الشريف والكنيسة المصرية)، الجامعات، مراكز الشباب، قصور الثقافة، والمجتمع المدني.
خامساً: تعزيز مفهوم المواطنة التنموية؛ لأن الهوية الحقيقية تنعكس في السلوك الداعم للدولة والتنمية. فالمواطنة ليست شعارات نرددها، بل هي الحفاظ على الممتلكات العامة، حماية البيئة، إتقان العمل والإنتـاج، والتضامن والتكافل الاجتماعي في مواجهة الأزمات.
وأضاف نحن نريد رؤية قابلة للتطبيق على أرض الواقع، تتكامل مع الخطط الاستراتيجية للدولة ورؤية مصر 2030.
و أدعوكم من خلال جلسات هذا المؤتمر إلى التفكير فيه:
صياغة المؤشر الوطني للهوية، ليكون مؤشر قياسي يستطيع قياس مدى اتساق واستجابة الشباب والشرائح المختلفة لمفاهيم الهوية والانتماء وتحديد الفجوات لمعالجتها مبكراً.
وإطلاق مبادرة رياضية وطنية للهوية المصرية والاحتفاء بالتراث المحلي بالتعاون مع بين وزارة التنمية المحلية، وبين وزارة الثقافة، والمحافظات، ومكتبة الإسكندرية.
إنشاء بنك لمعرفة والتراث الشعبي المصري، يتولى توثيق كافة أشكال الفلكلور والتراث اللامادي لجميع المحافظات باستخدام تقنيات التوثيق الرقمي الحديثة.
وأضاف اللواء خالد فوده قائلا إن هذا المؤتمر ما كان ليكون إلا برعاية فخامة السيد رئيس الجمهورية، وما كان ليكون لولا مشاركته الفعالة وحرصه الشديد ودعوته المستمرة على إقامة مثل هذا المؤتمر الذى يجمع المفكرين والقادة والقيادات .
وقال في نهاية هذا المؤتمر سنصدر وثيقة صريحة ووثيقة مبسطة من مكتبة الإسكندرية. هذه الوثيقة الوطنية ستقدم لسيادة الريس، وستوزع على المحافظات كلها. هنطالب برضه وسنطالب في هذه الوثيقة أن يكون المؤتمر سنوياً، ويتبعه مؤتمرات داخل المحافظات من أجل الاستدامة.
فالحديث عن الهوية المصرية هو حديث عن أعرق حضارة عرفها تاريخ البشرية. مصر لم تكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كانت وما زالت فكرة وضياء وهوية مصر هي إنتاج نماذج نادرة مما تراه في أمة من الأمم، تداخلت فيها الحضارة الفرعونية مع الرومانية واليونانية والقبطية والإسلامية، لتصنع نسيجاً وطنياً فريداً صلباً لا ينكسر.
والهوية ليست جموداً ولا انغلاقاً على الماضي، بل هي كائن حي يتنفس وينمو ويتجدد دون أن يفقد جيناته الأصلية فالهوية الوطنية الحقيقية هي التي تمنح الفرد شعوراً بالانتماء والجذور، وفي الوقت ذاته تعطيه القدرة على الطيران نحو المستقبل والتفاعل مع التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والعولمة دون أن يذوب أو يفتقد خصوصيته الثقافية.
وأضاف قائلا إنني أؤكد لكم من واقع الخبرة الميدانية أن الهوية الوطنية لا تبنى في الغرف المغلقة، بل تصاغ وتعاش في الشارع وفي القرية وفي المدينة وفي المركز.
والتنمية المحلية ليست فقط إنشاء طرق أو رصف شوارع أو إنشاء شبكات مياه وصرف صحي، على الرغم من الأهمية المطلقة لهذه الإنجازات والملحة لتوفير حياة كريمة لشعب مصر العظيم، ولكن التنمية المحلية في جوهرها هي ما يمكن اعتباره إعادة اكتشاف وتنمية الشخصية المصرية في كل شبر من أرض مصر.
فمصر ليست لوناً واحداً، بل هي لوحة مزركشة متناغمة؛ هوية النوبة في أسوان تستند إلى عمق نوبي نيلي أصيل، وهوية سيناء تتجلى في البداوة الوطنية والشهامة والصمود، وهوية مدن القناة ترتبط بالنضال والمقاومة، وهوية الصعيد تتسم بالقيم والأصول العريقة، بينما هوية الدلتا و الإسكندرية تعبر عن الزراعة والصيد والانفتاح المتوسطي.