لم يكن مؤتمر « الهوية الوطنية .. جذور راسخة ورؤية متجددة» الذي استضافته مكتبة الإسكندرية على مدار ثلاثة أيام مجرد لقاء فكري لمناقشة مفهوم الهوية المصرية ، وإنما جاء ليضع قضية الهوية في سياق أوسع يرتبط ببناء الإنسان، وحماية الذاكرة الوطنية، وصون التراث، وتعزيز التماسك المجتمعي، والتعامل الواعي مع التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة.

واختُتم المؤتمر بإطلاق « وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية »، التي جاءت ثمرة للحوار والمناقشات التي شهدها المؤتمر، لتطرح إطارًا متكاملًا لتعزيز الهوية المصرية من خلال الشراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع والأسرة والتعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمع المدني، إلى جانب الجهات المعنية بالتواصل مع المصريين في الخارج.
وقد عقد المؤتمر خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026، بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية ووزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية، وبمشاركة مسؤولين وأكاديميين ومثقفين وإعلاميين وشباب.
الهوية ليست ماضياً.. بل مشروعاً للمستقبل
تنطلق الوثيقة من رؤية أساسية مفادها أن مصر تمتلك جذورًا حضارية عميقة، وأن الشخصية المصرية لم تتشكل في لحظة تاريخية واحدة، وإنما تبلورت عبر آلاف السنين من التفاعل الحضاري المتواصل.
وتؤكد الوثيقة أن المصريين عاشوا على أرض واحدة منذ توحيد القطرين في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد، وأن هذا الامتداد الحضاري أسهم في تشكيل حضارة جمعت بين المعرفة والعمران والقيم الأخلاقية والروحية، وتفاعلت مع الحضارات المختلفة بصورة خلّاقة.
ومن هذه الرؤية، تنظر الوثيقة إلى الهوية المصرية باعتبارها نتاجًا لتفاعل حضاري طويل، وليس مفهومًا جامدًا أو مغلقًا؛ فهي، بحسب الوثيقة، متصلة في ركائزها ومتطورة في أشكال التعبير عنها، وتتسع لجميع فئات المصريين، وتستوعب تفاعلهم مع محيطهم العربي والإفريقي والمتوسطي والإنساني.
وهنا تبرز إحدى أهم رسائل الوثيقة: أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، وإنما امتلاك قاعدة ثقافية وحضارية راسخة تسمح بالتفاعل مع العالم بثقة ووعي.
«المصرية».. منظومة جامعة
تعرف الوثيقة الهوية المصرية بأنها منظومة من الركائز المشتركة التي تشكلت عبر التاريخ، وتشمل الذاكرة التاريخية الجامعة، والروافد الحضارية المتنوعة، واللغة، والقيم الروحية والأخلاقية، والتراث الثقافي، والرموز الوطنية، ورابطة المواطنة التي يكفلها الدستور.
وتقدم الوثيقة الهوية باعتبارها إطارًا جامعًا للمصريين على اختلاف تنوعاتهم، بما يؤكد أن التنوع الثقافي والاجتماعي لا يتناقض مع وجود هوية وطنية جامعة، بل يمثل أحد مكوناتها.
ومن هذا المنطلق، تصبح الهوية مسؤولية مجتمعية مشتركة، وليست مسؤولية مؤسسة واحدة أو قطاع بعينه.
سبعة أعمدة تحمل الهوية المصرية
حددت الوثيقة مجموعة من المرتكزات التي ترى أنها تشكل أساس الهوية المصرية.
في مقدمتها وحدة واستمرار أرض مصر، ثم الذاكرة التاريخية المتصلة، واللغة العربية باعتبارها أداة للتواصل ووعاءً للثقافة المصرية، إضافة إلى منظومة القيم الروحية والأخلاقية المستمدة من الأديان السماوية والموروث الحضاري المصري.
وتضيف الوثيقة إلى ذلك ثراء التراث الثقافي المصري بمكوناته المادية وغير المادية، والرموز الوطنية، والمواطنة العادلة والجامعة، إلى جانب قوة مشاعر الانتماء لدى المصريين.
وبذلك لا تختزل الوثيقة الهوية في الآثار والمعالم التاريخية فقط، وإنما توسع مفهومها ليشمل اللغة والقيم والفنون والآداب والعادات والتقاليد والمواطنة والذاكرة الجمعية.
الذاكرة الوطنية.. الجسر بين الماضي والمستقبل
تولي الوثيقة أهمية خاصة للذاكرة الجمعية باعتبارها إحدى الأدوات التي تصل الماضي بالحاضر وتساعد على بناء رؤية للمستقبل.
وتربط بين الحفاظ على التراث المادي وغير المادي وبين بناء الوعي بالتاريخ، واستخلاص الدروس من الانتصارات والانكسارات، والاحتفاء بالأبطال والشهداء والمبدعين عبر التاريخ.
ومن ثم، فإن استعادة التاريخ لا تأتي في الوثيقة باعتبارها عودة إلى الماضي، وإنما باعتبارها وسيلة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.
في مواجهة عصر «السوشيال ميديا» والذكاء الاصطناعي
أحد أبرز أبعاد المؤتمر والوثيقة هو التعامل مع التحديات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي.
فالمؤتمر ناقش تأثيرات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب عدد من القضايا المرتبطة بالشباب والتعليم والأسرة والخطاب الثقافي والإعلامي.
وتشير الوثيقة إلى أن التحول الرقمي وسرعة تداول المعلومات وانتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والانقسام تمثل تحديات أمام التماسك الاجتماعي والذاكرة المشتركة.
ومن هنا تدعو إلى بناء وعي نقدي وثقافة رقمية لدى الأجيال الجديدة، وتشجيع إنتاج محتوى إبداعي ورقمي مستلهم من الثقافة المصرية، مع إشراك الشباب في تصميم البرامج الثقافية وتنفيذها.
الأسرة والتعليم والإعلام..
مثلث صناعة الوعي
لا تضع الوثيقة مسؤولية بناء الهوية على عاتق المؤسسات الثقافية وحدها، وإنما ترى أن هناك منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الشبابية والثقافية والدينية.
وتعتبر الأسرة الإطار الأول الذي يكتسب فيه الفرد اللغة والقيم وأنماط السلوك والذوق، كما تقوم بدور مهم في نقل التراث الشفهي بين الأجيال. وفي الوقت نفسه، تؤكد ضرورة تكامل دور الأسرة مع المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية لمواجهة التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي.
أما المؤسسات التعليمية والإعلامية والشبابية، فتراها الوثيقة مؤسسات أساسية في تشكيل معارف النشء ومدركاتهم العقلية والوجدانية، خاصة مع تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
العربية.. لغة المعرفة والإبداع
تضع الوثيقة اللغة العربية في موقع محوري داخل مشروع الهوية.
فالعربية، وفق الوثيقة، ليست فقط لغة رسمية، وإنما وعاء جامع للثقافة المشتركة وأداة للتواصل والتعبير، وتؤكد ضرورة تعزيز حضورها في التعليم والعلم والإعلام والثقافة والفضاء الرقمي، ودعم حركة الترجمة من العربية وإليها.
وفي الوقت ذاته، تطرح الوثيقة رؤية متوازنة تؤكد أهمية إتقان اللغات الأجنبية دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف حضور اللغة العربية أو التعامل معها باعتبارها نقيضًا للانفتاح على العالم.
التراث.. من الحفظ إلى الحياة
تتجاوز الوثيقة مفهوم حماية التراث بمعناه التقليدي، لتدعو إلى الحفاظ على التراث المادي وغير المادي وضمان انتقاله إلى الأجيال الجديدة.
وتشمل الرؤية الآثار والمباني والمواقع التاريخية، إلى جانب الممارسات الاجتماعية والمعارف والعادات المتوارثة، وكذلك التراث الفني والأدبي والعلمي.
كما تدعو إلى صون الموسيقى والغناء وفنون الأداء والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والحرف الفنية، إضافة إلى التراث الأدبي والعلمي، وتقدير رواد الإبداع والإنتاج المعرفي المصري.
التنوع الثقافي.. مكون أصيل للهوية
من النقاط اللافتة في الوثيقة تأكيدها أن التنوع الثقافي داخل المجتمع المصري يمثل مكونًا من مكونات الهوية الوطنية.
وتدعو إلى إبراز التنوع الثقافي في المناطق الريفية والحضرية والساحلية والبدوية والصحراوية، وضمان الحق في الثقافة لجميع المصريين دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافي أو الانتماءات الاجتماعية والدينية والقبلية، مع إعطاء أولوية للمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجًا والأشخاص ذوي الإعاقة.
وهذه الرؤية تضع الثقافة باعتبارها حقًا مجتمعيًا وأداة للاندماج، وليست نشاطًا نخبوياً محدودًا.
من التوصيات إلى «خريطة طريق»
ربما تكون أهم نقطة في الوثيقة هي أنها لا تتوقف عند تشخيص التحديات، وإنما تحدد 11 هدفًا استراتيجيًا لتعزيز الهوية الوطنية المصرية من خلال الشراكة المجتمعية.
وتشمل الأهداف:
ترسيخ الوعي بالتاريخ المصري وروافده الحضارية.
صون التراث الثقافي المادي وغير المادي.
وصون وتنمية التراث الفني والأدبي والعلمي.
وتعزيز مكانة اللغة العربية.
بناء وتعزيز القوى الخلاقة والابتكارية.
وترسيخ منظومة القيم المشتركة.
واحترام التنوع وضمان الحقوق الثقافية.
وتعزيز الوعي بالرموز الوطنية وتقديرها.
وتعزيز قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع التحولات المعاصرة والرقمية.
ودعم التفاعل المنفتح مع العالم.
وتعزيز الصلابة المجتمعية.
وهكذا تنتقل الوثيقة من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال أكثر عملية: «كيف نحول وعينا بمن نحن إلى ممارسة مجتمعية يومية؟»
الوثيقة تقترح آلية للاستمرار
لا تنظر الوثيقة إلى مؤتمر الهوية باعتباره فعالية تنتهي بانتهاء جلساتها، بل تقترح استمرارية الحوار حول الهوية.
وتنص في قسمها الأخير على أن تتحول أوراق المؤتمر ومناقشاته إلى آليات وبرامج عمل فعلية تنفذها الوزارات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني والمبادرات الفردية.
كما تدعو إلى عقد المؤتمر بصورة دورية في شهر سبتمبر من كل عام، وتنظيم حلقات نقاشية ومؤتمرات بمشاركة المحافظات والجامعات ومراكز الشباب والمؤسسات الإعلامية والمصريين في الخارج، بما يضمن استمرار حضور خطاب الهوية الوطنية.