المهندس أسامة كمال:
جمعية المهندسين أكثر من قرن في خدمة العلم
الكتب والخرائط هي ذاكرة وطنية
سد أسوان وقناطر نجع حمادي.. مشروعات قومية محفوظة على الورق
من جامع السلطان حسن إلى تخطيط القرى.. العمارة والهندسة في خزائن الجمعية
1072 كتابًا نادرًا.. خطة لإنقاذ التراث الورقي من التلف
1270 كتابًا في مشروع الرقمنة بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية
التأهيل المستمر.. كيف تستعد الجمعية لمهندس المستقبل؟
بين الجمعية والنقابة.. توزيع الأدوار في خدمة المهندس والمهنة
على مدار أكثر من قرن، لم تكن جمعية المهندسين المصرية مجرد تجمع مهني للمهندسين، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة العلمية والهندسية لمصر، تحتفظ بين جدرانها بكتب نادرة وخرائط وتصميمات ووثائق ارتبطت بمشروعات كبرى وشخصيات تركت بصمتها في تاريخ الهندسة المصرية.
وفي حوار خاص، يفتح المهندس أسامة كمال، رئيس جمعية المهندسين المصرية، لـ مجلة أكتوبر أبواب الجمعية للحديث عن تاريخها ودورها العلمي والثقافي، ويكشف جانبًا من المقتنيات النادرة التي تضمها مكتبتها، بداية من خرائط سد أسوان وقناطر نجع حمادي، مرورًا بكتب العمارة ووثائق تخطيط القرى، وصولًا إلى مجموعات الكتب التي جاءت من مكتبات عدد من الشخصيات والمهندسين.
بدايةً، كيف بدأت جمعية المهندسين المصرية وما أبرز المحطات التي شكلت تاريخها الممتد لأكثر من مائة عام؟
تأسست جمعية المهندسين المصرية في 3 ديسمبر 1920، بمشاركة 40 عضوًا، تحت اسم " جمعية المهندسين الملكية المصرية"، وتم في ذلك الوقت وضع نظامها الأساسي. ثم صدر المرسوم الملكي في 22 ربيع الثاني سنة 1341 هجرية، الموافق 11 ديسمبر 1922، باعتماد النظام الأساسي للجمعية وشمولها برعاية الحكومة وكان من آثار هذه الرعاية أن منحت الحكومة الجمعية أرضًا في شارع الملكة نازلي بالقاهرة، المعروف حاليًا بشارع رمسيس، حيث أُقيمت دار الجمعية على الطراز العربي.
وشرفت دار الجمعية بحضور جلالة الملك فؤاد الأول في 2 مارس 1932، وهو ما يمثل إحدى المحطات المهمة في تاريخ الجمعية، ويؤكد المكانة التي حظيت بها منذ نشأتها، ومن ثم، فإن تاريخ الجمعية الممتد لأكثر من قرن هو في حقيقة الأمر جزء أصيل من تاريخ مصر وتطورها العلمي والهندسي.
ما الغاية الأساسية التي أنشئت من أجلها جمعية المهندسين المصرية وكيف تواصلون أداء هذه الرسالة؟
الغاية الأساسية التي أنشئت من أجلها الجمعية هي العمل في الميدان العلمي والثقافي للهندسة، من خلال مباشرة الدراسات والبحوث الهندسية والعلمية والتطبيقية، وتشجيعها ونشرها بما يسهم في تحقيق التقدم العلمي الهندسي في مختلف التخصصات.
وماذا عن دور الجمعية في المؤتمرات والتواصل مع المؤسسات الهندسية داخل مصر وخارجها؟
تحرص الجمعية على عقد المؤتمرات الهندسية داخل مصر، والمشاركة فيما يعقد منها في الخارج، كما تهتم بالتواصل مع الجمعيات والهيئات الهندسية الأجنبية بهدف تحقيق التعاون العلمي وتبادل البحوث والخبرات ونؤمن بأن التواصل بين المؤسسات العلمية والهندسية يمثل أحد أهم السبل لتطوير المعرفة والارتقاء بالممارسة الهندسية.
هل يقتصر دور الجمعية على النشاط العلمي والنشر أم يمتد إلى مناقشة القضايا والمشروعات الهندسية الوطنية؟
دور الجمعية يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يحرص مجلس الإدارة على تخصيص جانب مهم من اجتماعاته لمناقشة المشروعات الهندسية الوطنية، انطلاقًا من إيماننا بأهمية الاستفادة من الخبرات والكفاءات الهندسية في مناقشة القضايا والمشروعات التي ترتبط بمسيرة التنمية في مصر، كما تحرص الجمعية على فتح أبوابها أمام الخبراء المصريين والأساتذة الأجانب لعرض آرائهم ووجهات نظرهم في مختلف الأنشطة الهندسية والصناعية، بما يثري الحوار العلمي ويتيح تبادل الخبرات والتجارب.
الجمعية تعمل بالتعاون مع عدد من الجمعيات المتخصصة في مختلف فروع الهندسة، فما أهمية هذا التعاون؟
هذا التعاون يمثل عنصرًا أساسيًا في أداء الجمعية لرسالتها الثقافية والعلمية؛ فالجمعية تتعاون مع الجمعيات المتخصصة في مختلف فروع الهندسة، ومنها جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات، و جمعية المهندسين الكيميائيين، و جمعية المهندسين المدنيين وجمعية التخطيط، وجمعية مهندسي الري، وجمعية مهندسي المناجم والبترول، و جمعية المهندسين الميكانيكيين، وجمعية الهندسة الإدارية، و جمعية المهندسين المعماريين، وتكمن أهمية هذا التعاون في تكامل الخبرات والتخصصات، وإتاحة مساحة أوسع للتبادل العلمي والفكري، بما يعزز قدرة المجتمع الهندسي على التعامل مع مختلف القضايا والتحديات.
كيف تنسق جمعية المهندسين المصرية جهود الجمعيات الهندسية التخصصية التابعة لها أو المتعاونة معها؟
تقوم هذه الكوكبة من الجمعيات الهندسية التخصصية بأداء رسالتها بالتنسيق مع الجمعية الأم، بما يحقق الأغراض المرجوة والأهداف المنشودة، ويعزز التكامل بين مختلف التخصصات الهندسية، بما يخدم الحركة العلمية والمهنية الهندسية في مصر، وتهتم الجمعية بالنشر العلمي باعتباره أحد أهم أدوات نشر المعرفة وتبادل الخبرات، ولذلك تصدر "مجلة جمعية المهندسين المصرية"، إلى جانب نشرة علمية، بما يتيح للمهندسين والباحثين الاطلاع على الدراسات والأبحاث والمستجدات في مختلف المجالات الهندسية.
ما أبرز الثمار التي حققتها هذه الأنشطة العلمية والثقافية على مدار تاريخ الجمعية؟
من أهم ثمار هذه الأنشطة الإسهام في إعداد جيل متميز من المهندسين المصريين الذين أصبحوا، بكل المقاييس، أندادًا لزملائهم من المهندسين في الدول المتقدمة، بل ويتفوقون عليهم في بعض المجالات، وقد أسهمت طبيعة العمل الهندسي في مصر، وما يواجهه المهندس المصري أحيانًا من ظروف قاسية وتحديات بالغة الصعوبة، في إكسابه خبرات عملية عميقة، وصلابة في مواجهة المشكلات، وإصرارًا على تحقيق الأهداف مهما بلغت التحديات.
بالعودة إلى بدايات تأسيس الجمعية، كيف بدأت فكرة إنشاء هيئة تجمع المهندسين المصريين وتمثلهم؟
جاءت فكرة إنشاء الجمعية استجابة لرغبة متزايدة لدى المهندسين المصريين في وجود هيئة علمية معترف بها تمثلهم، وتعمل على نشر أبحاثهم، وتزويدهم بالمعلومات الفنية، والارتقاء بمكانتهم الأدبية، وتكون وسيلة للتواصل مع ما ينتجه الباحثون من مبتكرات ومستحدثات علمية وهندسية، وكانت هذه الرؤية ضرورية لأي هيئة علمية تسعى إلى مواكبة التطورات الحديثة في مجال تخصصها.
ومتى بدأت هذه الرغبة تتحول إلى خطوات عملية لإنشاء الجمعية؟
بدأت الرغبة تأخذ طريقها إلى التحقق عام 1919، عندما اتفق عدد من المهندسين على تشكيل لجنة مؤقتة قامت باستطلاع آراء المهندسين المصريين في مختلف أنحاء القطر، للاستئناس بها في المشروع الذي كانوا يعتزمون تنفيذه، ثم استقرت العزيمة على إنشاء جمعية هندسية، وتم وضع قانون أساسي لها، بالاستفادة من قوانين عدد من الجمعيات الهندسية في الخارج، مع إجراء ما يلزم من تعديل وتنقيح بما يتلاءم مع مقتضيات المهنة وظروفها في مصر.
ومتى انعقد الاجتماع الأول للجمعية؟ ومن تولى رئاسته؟
انعقدت أولى جلسات الجمعية في 3 ديسمبر عام 1920، برئاسة محمود سامي بك، الذي كان في مقدمة الساعين إلى إنشاء الجمعية، وتولى رعايتها والعمل على توطيد مركزها حتى تتمكن من تحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها.
ماذا حملت الجلسة الأولى من دلالات بالنسبة لمؤسسي الجمعية؟
كانت الجلسة الأولى تعبيرًا واضحًا عن عزيمة المؤسسين وإخلاصهم للفكرة التي سعوا إلى تحقيقها، فقد وقع الحاضرون، وهم جماعة من المؤسسين، على تعهد أصبح يمثل وثيقة مهمة في تاريخ الجمعية، وشاهدًا على ما تحلت به نفوس المؤسسين من عزيمة وإخلاص ورغبة صادقة في إنشاء كيان علمي يخدم المهندسين ويرتقي بالمهنة الهندسية في مصر.
وماذا عن التصميم المعماري لدار الجمعية؟
وضع تصميم الدار المهندس مصطفى فهمي بك، وجاء التصميم على الطراز العربي الحديث، بما يتوافق مع توجه الجمعية في أن تعكس مبانيها ولغتها الطابع العربي، وكانت النية أن يتم إنشاء المبنى بطابقين دفعة واحدة، إلا أن محدودية الموارد المالية حالت دون ذلك في ذلك الوقت، فاقتصر التنفيذ على طابق واحد، وبلغت نفقات البناء والتأثيث في صورته التي أقيم عليها نحو 12 ألف جنيه مصري.
من الذين أسهموا في الإسراع بإنشاء دار الجمعية؟
كان لعدد من الشخصيات دور بارز في تيسير إجراءات إنشاء الدار والإسراع في البدء بأعمال البناء، ومن بينهم عثمان محرم باشا وحسين سري بك، وقد كان لجهودهما أثر واضح في خروج المشروع إلى حيز التنفيذ، كما أشرف مصطفى فهمي بك، واضع التصميم، على عملية البناء التي اكتملت عام 1930.
ومتى صدر أول كتاب دوري للجمعية؟
صدر أول كتاب دوري للجمعية في 25 نوفمبر 1923، واستمرت بعد ذلك في إصدار كتبها تباعًا، بما أسهم في توثيق مسيرتها ونشاطها العلمي والإداري والمالي، وحفظ جانب مهم من تاريخ الجمعية للأجيال المتعاقبة.
ما الذي تمثله الجمعية ضمن الذاكرة الوطنية المصرية؟
جمعية المهندسين المصرية تمثل جانبًا مهمًا من الذاكرة العلمية والهندسية لمصر، فهي منذ إنشائها عام 1920 ارتبطت بالمشروعات الهندسية الكبرى التي شهدتها الدولة المصرية، ولذلك فإن الجمعية لا تحتفظ فقط بتاريخها المؤسسي، وإنما تحتفظ بجزء من تاريخ النهضة الهندسية المصرية وتطور المشروعات القومية عبر عقود طويلة.
وما الذي يمكن أن يراه الزائر داخل مكتبة الجمعية خاصة فيما يتعلق بالمشروعات القومية؟
مكتبة الجمعية تضم تراثًا مهمًا يتعلق بعدد من المشروعات القومية المصرية، ومن بينها الرسومات والوثائق الهندسية الخاصة بمشروعات كبرى نفذت في مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وهذه الوثائق تكشف حجم الجهد العلمي والهندسي الذي بذله المهندسون المصريون في تصميم وتنفيذ هذه المشروعات، ولدينا مجموعة مهمة من الرسومات والوثائق الهندسية الأصلية، فعلى سبيل المثال، توجد رسومات وحسابات هيدروليكية مرتبطة بمحطات القوى في أسوان، إلى جانب وثائق ورسومات لمشروعات أخرى، مثل القناطر ومشروعات الصرف، ومنها مشروع صرف المنصورة.
أمام هذه القيمة التاريخية.. هل تعمل الجمعية على ترميم هذه الوثائق والحفاظ عليها؟
نحن نولي هذه الوثائق اهتمامًا كبيرًا، ونعمل حاليًا على رقمنتها، بحيث يكون لدينا أرشيف إلكتروني يحافظ على هذا التراث ويتيح الاستفادة منه مستقبلًا، وقد بدأنا بالفعل في رقمنة بعض المواد، ومن بينها محاضر مجالس الإدارة، ونسعى إلى استكمال عملية الرقمنة لتشمل أكبر قدر ممكن من هذا التراث، فالهدف من الرقمنة ليس فقط الحفاظ على الوثائق من التلف أو الفقد، وإنما أيضًا ضمان استمرار إتاحتها والاستفادة منها علميًا وتاريخيًا، وهذه الوثائق تمثل ذاكرة مهنية ووطنية مهمة، ومن حق الأجيال الجديدة أن تتعرف على حجم الجهد الذي بذله المهندسون المصريون في بناء وتطوير الدولة.
في ظل هذه القيمة التاريخية، ما خطتكم للحفاظ على هذا التراث وإتاحته للأجيال المقبلة؟
نعمل على رقمنة هذا التراث تدريجيًا، بما يشمل محاضر مجالس الإدارة والوثائق والتصميمات والمواد العلمية القديمة، بهدف إنشاء أرشيف إلكتروني يحافظ على الأصول من ناحية، ويتيح الاستفادة من محتوياتها بصورة أكثر سهولة من ناحية أخرى، ونعتبر أن الحفاظ على هذه الوثائق مسؤولية علمية ووطنية، لأنها توثق جانبًا مهمًا من تاريخ الهندسة والمشروعات المصرية.
هل تحتفظ الجمعية بوثائق وصور توثق مراحل دخول الصناعات والمشروعات الصناعية الحديثة إلى مصر؟
نعم، لدينا مجموعة مهمة من الألبومات والصور والوثائق التي توثق جانبًا من تاريخ الصناعة في مصر، ومن بينها مواد تتعلق بإنشاء مصنع «فيات» للسيارات، إلى جانب وثائق ومخططات هندسية مرتبطة بالمشروع.
وما الذي تكشفه الوثائق الخاصة بمصنع فيات؟
لدينا ألبومات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، تتضمن وثائق وصورًا ومخططات للمصنع، ومن بين المقتنيات مخطط عام للمصنع في تورينو، أعدته نظارة الأشغال العامة في المملكة المصرية، ويكشف عن التصور الهندسي للمصنع. والأهم أن هذه الوثائق توضح كيف استفادت المشروعات التي أقيمت في مصر من نماذج وتصميمات هندسية عالمية، مع الاستفادة منها في تنفيذ المشروعات محليًا.
وهل كانت الجمعية تتابع النماذج والتصميمات الهندسية العالمية للاستفادة منها في مصر؟
بالفعل، وهذا يظهر بوضوح في المراجع والوثائق التي تحتفظ بها الجمعية. فقد كانت الجمعية حريصة على الاطلاع على أحدث ما وصل إليه الفكر الهندسي والمعماري عالميًا، ونقل الخبرات والأفكار التي يمكن أن تتناسب مع احتياجات مصر، وهو ما ساهم في تطوير شكل المشروعات والمنشآت المصرية في تلك الفترة، ولدينا مراجع وكتب ورسومات معمارية توثق نماذج لمبانٍ ومساكن ومشروعات عمرانية في أوروبا، ومن بينها مواد باللغة الفرنسية تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، وتعرض نماذج وتصميمات للمساكن والمباني وهذه المراجع كانت تمثل مصادر مهمة للمهندسين والمعماريين في ذلك الوقت.
إلى أي مدى أسهم الاطلاع على هذه النماذج العالمية في تطور العمارة المصرية؟
كان له تأثير واضح؛ فقد أتاحت هذه المراجع للمهندسين المصريين التعرف على المدارس والاتجاهات المعمارية الحديثة، والاستفادة منها في تطوير التصميمات داخل القاهرة وهذا يفسر وجود عدد من المباني والمناطق التي تحمل تأثيرات معمارية أوروبية واضحة، خصوصًا في مناطق القاهرة الخديوية ووسط البلد، فلدينا اسكتشات ورسومات معمارية توضح أشكال بعض المباني والمشروعات السكنية التي كانت نماذجها موجودة في أوروبا، ويمكن من خلال المقارنة ملاحظة أوجه التشابه بينها وبين عدد من المباني التي أقيمت في القاهرة خلال تلك الفترة، وهو ما يجعل هذه الوثائق ذات قيمة كبيرة في دراسة تطور العمارة المصرية.

ما الذي تعنيه هذه المقتنيات بالنسبة إلى الجمعية اليوم؟
هي ليست مجرد صور أو كتب قديمة، وإنما وثائق توثق مرحلة مهمة من تطور الفكر الهندسي والصناعي والمعماري في مصر ولذلك نحرص على الحفاظ عليها ورقمنتها، حتى تظل متاحة للباحثين والمهندسين، وتساعد الأجيال الجديدة على فهم كيف تطورت المشروعات والصناعات والعمارة المصرية عبر الزمن، فالهندسة ليست شكلًا معماريًا فقط، والعمارة في حد ذاتها أحد فروع الهندسة التي برع فيها المصريون منذ أقدم العصور. وعندما ننظر إلى ما تركه المصري القديم من تصميمات، فإننا نتحدث عن منظومة هندسية متكاملة تبدأ بوضع التصميم المعماري المبدئي أو ما نطلق عليه اليوم الـ«Conceptual Design»، سواء كان ذلك لهرم أو معبد أو منزل أو مدفن أو معبد جنائزي أو غيرها من المنشآت، ثم تأتي بعد ذلك الدراسات والتفاصيل الإنشائية اللازمة لتنفيذ هذا التصور.
وما الذي يجعل العمارة والهندسة المصرية القديمة نموذجًا استثنائيًا حتى بمقاييس العصر الحديث؟
الهرم، على سبيل المثال، ليس مجرد إنجاز معماري بسبب شكله، وإنما هو في الأساس معجزة هندسية وإنشائية، نحن نتحدث عن منشآت ضخمة أُقيمت منذ آلاف السنين، في وقت لم تكن فيه الأجهزة والمعدات المتقدمة التي نستخدمها اليوم متاحة؛ فلا أجهزة المساحة الحديثة ولا أجهزة الليزر ولا المعدات التي يعتمد عليها المهندس حاليًا في ضبط المناسيب والاستقامة والدقة.
ومع ذلك نجد مستويات لافتة من الدقة في التنفيذ، وهو ما يطرح أمامنا حتى اليوم أسئلة هندسية مهمة حول الأساليب والأدوات التي استخدمها المصري القديم في نقل ورفع الأحجار الضخمة وتنفيذ هذه المنشآت بهذه الدقة.
هل كانت هذه الدقة نتيجة خبرة عملية فقط، أم أن وراءها علومًا هندسية وحسابية متقدمة؟
ما وصل إلينا من آثار المصريين القدماء يؤكد أنهم امتلكوا معرفة متقدمة في مجالات متعددة، منها الهندسة والحساب والجغرافيا والفلك. فالكثير من المنشآت لم تكن مجرد مبانٍ ضخمة، وإنما كانت وراءها حسابات دقيقة وتصميمات مدروسة وعلاقة واضحة بين البناء والظواهر الطبيعية والفلكية.
وماذا عن ظاهرة تعامد الشمس على بعض المنشآت والمعابد المصرية القديمة؟
هذه الظواهر تؤكد مدى التقدم الذي وصل إليه المصري القديم في توظيف المعرفة الهندسية والجغرافية والفلكية داخل عملية التصميم والبناء فأن تصل حضارة قديمة إلى تصميم منشأة بحيث تتوافق حركة الشمس مع نقاط محددة داخلها في مواعيد معينة، فهذا يعكس مستوى متقدمًا من الحساب والدراسة والتخطيط.
واللافت أن هذه الدقة جاءت في زمن لم تكن فيه الإمكانات التقنية التي نمتلكها اليوم متاحة، وهو ما يجعل هذه الإنجازات محل إعجاب ودراسة مستمرة.
إذا كانت الهندسة المصرية تمتلك هذا الإرث التاريخي، فكيف ترون تطور دور المهندس في العصر الحديث؟
الهندسة اليوم أصبحت أوسع بكثير من الصورة التقليدية التي قد يختزلها البعض في المباني والمنشآت، هي مهنة تقوم على تشغيل العقل والابتكار والتنظيم والتطوير المستمر، وفي كل يوم تظهر احتياجات جديدة تتطلب حلولًا هندسية مبتكرة. وإذا تأملنا حياتنا اليومية سنجد أن الهندسة أصبحت حاضرة في كل تفاصيلها، حتى إن الهاتف المحمول الذي نحمله اليوم أصبح بمثابة مكتب متكامل ننجز من خلاله كثيرًا من أعمالنا، لدينا نماذج عديدة، فالهندسة المصرية شاركت في مشروعات كبرى خارج مصر، ومن الأمثلة المهمة ما ارتبط بإدخال الكهرباء إلى الحرم المكي، وكذلك تصميم وتنفيذ المظلات في الحرمين المكي والمدني، وهي مشروعات تتطلب حلولًا هندسية مبتكرة ودقيقة للغاية

يبدو أن الهندسة أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بالطب والعلوم الطبية.. كيف تنظرون إلى هذا التطور؟
بالفعل، ظهرت مجالات متقدمة مثل الهندسة الطبية، وأصبحت الهندسة شريكًا أساسيًا في تطوير الأجهزة والتقنيات الطبية الحديثة. واليوم يمكن أن يجري طبيب في مكان ما عملية لمريض في مكان آخر باستخدام أنظمة الروبوت والتحكم عن بعد، وهو ما يتطلب تكاملًا بين هندسة الاتصالات والهندسة الميكانيكية والإلكترونيات والبرمجيات وغيرها من التخصصات، فالتطور أصبح مذهلًا؛ فنحن لم نعد نتحدث فقط عن تغيير صمام في القلب، وإنما وصل العلم إلى مراحل متقدمة في مجال زراعة واستبدال القلب، وخلال العمليات التي يتم فيها استبدال القلب
وهل يقتصر هذا التطور على المجالات الطبية؟
بالتأكيد لا، انظر إلى التطور الذي شهدته صناعة السيارات، وإلى ما حدث في تصميم وتنفيذ المباني والكباري، وكذلك في وسائل النقل. التطور الهندسي جعل من الممكن تنفيذ مشروعات ضخمة ومعقدة لم تكن متاحة بهذه الصورة في السابق، كما شهدت وسائل النقل تطورًا هائلًا في السرعات والتقنيات، حتى إن بعض القطارات الحديثة تصل إلى سرعات تجعلها تقترب في مفهومها من تقنيات الطيران.
ما الذي يجعل الهندسة، من وجهة نظركم، مهنة مختلفة وممتعة بهذا الشكل؟
لأنها مهنة لا تعرف الجمود. كل يوم فيها مشكلة جديدة تحتاج إلى حل، واحتياج جديد يحتاج إلى ابتكار، وتحدٍ يدفع المهندس إلى التفكير بطريقة مختلفة، فالهندسة تجمع بين العلم والتطبيق، وبين التفكير والإبداع، وبين القدرة على فهم المشكلة وتحويل الحل إلى واقع ملموس.
ما الدور الذي تقوم به جمعية المهندسين المصرية في مواكبة هذا التطور؟
هناك تطور كبير ومتسارع في مختلف علوم وفروع الهندسة، ودور الجمعية يتركز في الجانب العلمي، من خلال التدريب والتثقيف والتنوير ورفع المستوى العلمي للمهندسين، وهذا الدور يتكامل مع الدور الذي تقوم به نقابة المهندسين في الجوانب الفنية والمهنية، مثل المراجعات وإصدار التراخيص وغيرها من الاختصاصات، وهناك اتفاق وتفاهم مع النقيب السابق والحالي بشأن التأهيل المستمر للمهندسين.
لماذا أصبح التأهيل المستمر ضرورة وليس مجرد خيار أمام المهندس؟
لأن العلوم تتطور باستمرار، وما يتعلمه الإنسان في بداية حياته المهنية قد لا يكون كافيًا بعد سنوات لمواكبة ما استجد في تخصصه. ونحن نرى ذلك بوضوح في مجالات عديدة؛ ففي القوات المسلحة توجد برامج ودورات تأهيلية مستمرة للضباط في مختلف المراحل، وفي المجال الطبي هناك مؤتمرات وأبحاث وتدريب مستمر، ويتدرج الطبيب مهنيًا وعلميًا من مرحلة إلى أخرى وفقًا لما يكتسبه من خبرات ومعارف، فالمهندس يحتاج إلى أن يظل على اتصال دائم بالتطورات العلمية والتكنولوجية في تخصصه، وأن يجدد معارفه بصورة مستمرة، ولذلك فإن الجمعية يمكن أن يكون لها دور أساسي في توفير برامج التأهيل والتدريب التي تساعد المهندس على مواكبة التطورات والارتقاء بمستوى المهنة.
هل فرضت التغيرات التي شهدها التعليم الهندسي خلال السنوات الأخيرة أهمية أكبر لهذا التأهيل؟
نعم، خصوصًا مع التوسع الكبير في منظومة التعليم وظهور أنماط متعددة من التعليم الهندسي، نحن نحتاج دائمًا إلى التأكد من أن خريج الهندسة يمتلك المستوى العلمي والمهني الذي يمكنه من ممارسة المهنة بكفاءة. وإذا كانت هناك تفاوتات في مستوى المخرجات، فإن التأهيل المستمر يصبح أكثر أهمية في سد الفجوات وتنشيط الذاكرة الهندسية لدى المهندس وتحديث معلوماته، والهدف هو الارتقاء بمستوى المهندس المصري والمهنة الهندسية ككل، وضمان أن يظل المهندس قادرًا على التعامل مع التطورات الحديثة ومتطلبات سوق العمل، نحن لا ننظر إلى التدريب باعتباره مجرد دورات يحصل عليها المهندس، وإنما باعتباره عملية مستمرة تهدف إلى بناء مهندس أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة المشكلات والتحديات الجديدة.

كيف يمكن ل جمعية المهندسين المصرية أن تسهم في مشروع وطني لتوثيق تاريخ المهندسين؟
هذا بالفعل جزء من العمل الذي نحرص عليه حاليًا بالتعاون مع نقابة المهندسين، وخاصة في ملف التأهيل المستمر، الذي نعتبره مشروعًا وطنيًا يحتاج إلى مشاركة جميع الجهات المعنية، فالموضوع لا يتوقف عند تدريب المهندس، وإنما يمتد إلى مراجعة المناهج التي يدرسها، ومراجعة التخصصات الهندسية ومدى توافقها مع احتياجات سوق العمل، ونحن ندرس حاليًا مؤشرات سوق العمل واحتياجاته، حتى تكون التخصصات التي يتجه إليها المهندسون متوافقة مع المتطلبات الفعلية للمستقبل، وهناك تخصصات بينية جديدة لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل، وهو ما يستدعي إعادة النظر بصورة مستمرة في منظومة التعليم والتأهيل، ويتم هذا العمل بالتعاون مع نقابة المهندسين ووزارة التعليم العالي، بما يضمن أن يكون لدينا مهندس مؤهل وقادر على مواكبة احتياجات سوق العمل.
هل بدأتم بالفعل في رقمنة هذا التراث الهندسي والتاريخي؟
نعم، بدأنا بالفعل في عملية الرقمنة، وكانت البداية بمحاضر مجالس إدارة الجمعية، وتم تنفيذ جانب من هذا العمل بالتعاون مع مؤسسة الأهرام. ونحن نتحرك في هذا الملف وفقًا للإمكانات المتاحة، ونخصص من ميزانية الجمعية مبالغ بشكل تدريجي للحفاظ على هذا التراث وتحويله إلى أرشيف إلكتروني، فميزانية الجمعية محدودة، وطبيعة الجمعية تختلف عن نقابة المهندسين؛ فالنقابة لديها موارد أكبر بحكم طبيعة الاشتراكات والخدمات التي تقدمها، بينما الجمعية لا تعتمد على هذا النوع من الموارد بصورة أساسية.
هل يقتصر التطوير الذي تشهده الجمعية على رقمنة الوثائق، أم يشمل أيضًا المبنى والمنشآت؟
التطوير يشمل أكثر من جانب فقد شهد مقر الجمعية خلال الفترة الأخيرة أعمال تطوير مهمة، سواء على مستوى المرافق أو القاعات وإذا قارنت حالة المبنى منذ عامين فقط بما هو عليه الآن، ستجد فارقًا واضحًا في عدد من الجوانب، كما تم تطوير قاعة المؤتمرات التي تستضيف الندوات والفعاليات الرئيسية بصورة كبيرة، بما يشمل أنظمة الصوت والإضاءة والعرض، بحيث تصبح القاعة أكثر ملاءمة للأنشطة العلمية والثقافية التي تقوم بها الجمعية، ونحن حريصون على أن يتم التطوير بما يحافظ على قيمة المبنى التاريخية، وفي الوقت نفسه يجعله قادرًا على أداء وظيفته في العصر الحديث، فالحفاظ على التراث لا يعني أن يتوقف المبنى عن التطور، وإنما يعني أن نحافظ على هويته وقيمته، مع توفير الإمكانات التي تسمح للجمعية بمواصلة رسالتها العلمية والثقافية.
هل تتيح جمعية المهندسين المصرية للباحثين الاستفادة من مكتبتها ووثائقها ومراجعها؟
هذا أحد الملفات التي نعمل على تطويرها. الجمعية تمتلك ثروة علمية وتاريخية كبيرة، ومن المهم أن تكون متاحة للباحثين بصورة منظمة تليق بقيمتها، ولدينا أيضًا "مجلة جمعية المهندسين المصرية"، وهي نشرة علمية عادت الجمعية إلى إصدارها بعد فترة من التوقف، ونحرص على أن تكون منصة لنشر الأبحاث العلمية، بحيث يستطيع الباحث أن يستفيد من نشر بحثه فيها ضمن سجله العلمي والمهني، وفقًا للقواعد المنظمة لذلك.
وهل عادت المجلة بالفعل إلى الانتظام في الصدور؟
نعم، عادت المجلة إلى النشاط، ونحن نعمل على تطويرها وتوسيع دائرة المشاركة فيها. وكنا نناقش اليوم إجراءات الاشتراك والنشر بها، بهدف إتاحة الفرصة للباحثين والمهندسين لنشر أوراقهم وأبحاثهم العلمية والاستفادة منها في مسيرتهم العلمية والمهنية، والجمعية أصبح لديها موقع إلكتروني بعد أن لم يكن لديها موقع من قبل، كما بدأنا في توثيق جانب من أنشطتها العلمية، وخاصة الندوات والفعاليات التي أقيمت خلال السنوات الأربع الأخيرة، لكن ما زال أمامنا الكثير من العمل، سواء في تطوير الموقع أو في استكمال توثيق النشاط العلمي والتاريخي للجمعية.
هل توجد مشكلة في توثيق المواد القديمة التي سبقت السنوات الأخيرة؟
للأسف، نعم لدينا ثروة كبيرة من المواد والندوات والفعاليات القديمة، لكن الوصول إليها اليوم ليس بالسهولة المطلوبة، وبعضها موجود في صور أو تسجيلات ومواد متفرقة يصعب البحث فيها والاستفادة منها. ولذلك فإن عملية الرقمنة والتوثيق المنهجي أصبحت ضرورة، وليس مجرد رفاهية، فلدينا الوثيقة والمعلومة والتراث، لكن المطلوب أن ننتقل من مجرد الاحتفاظ بها إلى تنظيمها ورقمنتها وفهرستها، بحيث يستطيع الباحث الوصول إليها والاستفادة منها والاستشهاد بها بصورة علمية.
هل يمكن القول إن الرقمنة تمثل المرحلة الأهم في إتاحة تراث الجمعية للباحثين؟
بالتأكيد الرقمنة ستنقلنا من مرحلة وجود الوثائق في أماكن محددة يصعب الوصول إليها إلى وجود أرشيف إلكتروني منظم يمكن البحث فيه والرجوع إلى مواده، وهذا مهم جدًا لجمعية عمرها أكثر من مائة عام، لأن قيمة الوثائق لا تكتمل بمجرد الحفاظ عليها، وإنما بإتاحة الاستفادة العلمية منها للأجيال الحالية والقادمة.
تتبع جمعية المهندسين المصرية أي جهة؟ وهل تخضع لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي؟
جمعية المهندسين المصرية ليست تابعة لجهة إشرافية بالمعنى التقليدي، وإنما هي جمعية علمية لها نظامها الأساسي الخاص، وتتمتع بطبيعة مميزة تختلف عن الجمعيات العادية، أما من الناحية الإدارية والإجرائية، فتتعامل مع وزارة التضامن الاجتماعي بحكم طبيعة عمل الجمعيات العلمية وما يتعلق بالاشتراكات والأنشطة والإجراءات المالية والإدارية، لكن الوزارة ليست جهة إشراف علمي أو فني على الجمعية.

وما الذي يميز جمعية المهندسين المصرية عن غيرها من الجمعيات؟
للجمعية تاريخ وطبيعة قانونية خاصة، فهي تأسست في الأصل باسم « جمعية المهندسين الملكية المصرية»، وكانت من الجمعيات العلمية التي حظيت بمكانة خاصة منذ نشأتها، ومن مظاهر هذه المكانة أن رئاسة الجمعية كانت في مراحلها التاريخية تصدر بقرار من رأس الدولة، وكان ذلك في البداية بقرار من الملك، ثم أصبح بعد قيام الجمهورية قرارًا من رئيس الجمهورية، تقديرًا للدور العلمي والتاريخي الذي تقوم به الجمعية، وهناك عدد محدود من الجمعيات العلمية التي تعود جذورها إلى فترة الملكية، ومن بينها جمعية المهندسين الملكية المصرية، والجمعية الملكية للاقتصاد والإحصاء، والجمعية الملكية للجغرافيا، والجمعية التاريخية وغيرها، وهذه الجمعيات تمثل جزءًا من تاريخ الحياة العلمية في مصر، وقد استمرت بعد ذلك مع تعديل نظمها الأساسية بما يتناسب مع النظام الجمهوري، ولا توجد لدينا جهة متخصصة تتولى الإشراف على الجمعيات العلمية باعتبارها كيانات لها طبيعة مختلفة عن الجمعيات الأهلية التقليدية ولذلك فإن وزارة التضامن الاجتماعي هي الجهة التي نتعامل معها إجرائيًا، في حدود ما يتعلق بالمحاضر والمصروفات والإجراءات القانونية والمالية، لكن هذا لا يعني أنها تمارس إشرافًا علميًا على الجمعية أو تتدخل في مضمون نشاطها وتخصصها.
وهل ترون أن الجمعيات العلمية تحتاج إلى إطار مؤسسي أكثر تخصصًا؟
بالفعل، هذا موضوع سبق أن أثير في مناقشات مع مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي، لأن الجمعيات العلمية لها طبيعة مختلفة وتؤدي دورًا علميًا وثقافيًا مهمًا، ومن المهم أن يكون هناك إطار مؤسسي واضح يتناسب مع طبيعتها ورسالتها، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالها العلمي وقدرتها على أداء دورها.