خبير مصري يطرح «الفجوة الأخيرة» لإنقاذ أمهات من تسمم الحمل عالميًا

خبير مصري يطرح «الفجوة الأخيرة» لإنقاذ أمهات من تسمم الحمل عالميًاالأستاذ الدكتور عمرو حسن حسين

مصر29-9-2026 | 17:44

طرح الأستاذ الدكتور عمرو حسن حسين، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة وعضو المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بوفيات الأمهات وأسبابها، رؤية علمية متكاملة لمواجهة أحد أكثر التحديات استمرارًا في صحة الأمهات عالميًا: كيف يمكن أن يستمر تسمم الحمل في تهديد حياة النساء، رغم ما حققه الطب من تقدم كبير في فهم المرض واكتشافه والوقاية من مضاعفاته وعلاجه؟
جاء ذلك خلال مشاركة حسن متحدثًا في سلسلة علمية دولية متخصصة في أبحاث تسمم الحمل، حيث قدم يوم 28 سبتمبر 2026 محاضرة بعنوان «سد الفجوة الأخيرة: لماذا لا تزال النساء يفقدن حياتهن بسبب تسمم الحمل في عصر الطب المبني على الدليل؟».
وتجمع السلسلة باحثين وأطباء ومتخصصين في أبحاث تسمم الحمل واضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل وصحة الأم وطب الأم والجنين، في إطار نقاش علمي دولي حول كيفية تحويل التقدم البحثي إلى نتائج أفضل في حياة النساء.
حين لا تكون المشكلة في نقص المعرفة
وانطلق حسن في محاضرته من فكرة رئيسية مفادها أن العالم أصبح يمتلك قدرًا كبيرًا من المعرفة حول تسمم الحمل؛ بدءًا من عوامل الخطورة، ومرورًا بالاكتشاف المبكر والوقاية والعلاج، ووصولًا إلى التعامل مع المضاعفات.
لكن وجود المعرفة، بحسب حسن، لا يعني بالضرورة وصولها دائمًا إلى كل امرأة بالصورة والتوقيت اللذين يحققان أقصى استفادة منها.
وقال حسن: «السؤال لم يعد فقط: ماذا نعرف عن تسمم الحمل؟ فنحن نعرف الكثير بالفعل. السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نجعل هذه المعرفة تعمل لصالح كل امرأة، في المكان والوقت اللذين يمكن أن تصنع فيهما الفارق؟».
وأوضح أن هذه المسافة بين «ما يعرفه الطب» و«ما تحصل عليه المرأة بالفعل» تمثل ما وصفه بـ«الفجوة الأخيرة» التي ينبغي أن تركز عليها الجهود العالمية لتحسين صحة الأمهات.

ست حلقات قد تفصل بين الخطر والأمان
وقدم حسن خلال المحاضرة إطارًا متكاملًا للتعامل مع هذه الفجوة، يقوم على ست حلقات مترابطة تبدأ بالتنبؤ بالمخاطر، ثم الاكتشاف المبكر والعلاج، والتصعيد والإحالة عند الحاجة، والمتابعة بعد الولادة، وأخيرًا التعلم المستمر من حالات الوفاة والمضاعفات الشديدة.
وأكد أن نجاح رعاية الأم لا يعتمد على قوة إحدى هذه الحلقات منفردة، وإنما على قدرة النظام الصحي على جعلها تعمل كسلسلة واحدة متصلة.
وقال: «قد تمتلك أفضل بروتوكول، لكن القيمة الحقيقية للبروتوكول تبدأ عندما يصل إلى المريضة في صورة قرار صحيح وفي اللحظة المناسبة. إنقاذ الحياة لا يحدث على الورق، وإنما عند سرير المريضة».
وأضاف أن هذه الرؤية تنقل النقاش من التركيز فقط على وجود الإرشادات العلمية إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالنتائج: هل تستطيع المنظومة تقديم ما توصي به هذه الإرشادات بصورة موثوقة ومتسقة؟

مصر.. نجاح في الوصول يفتح الباب للمرحلة التالية
واستعرض حسن خلال المحاضرة بعض المؤشرات الحديثة المتعلقة برعاية الأمومة في مصر، مشيرًا إلى أن البلاد حققت مستويات مرتفعة في وصول النساء إلى الخدمات الصحية، حيث تشير أحدث البيانات إلى أن 98% من الولادات تتم بحضور مقدم خدمة صحية.
وأكد أن هذا المستوى المرتفع من التغطية يمثل قاعدة قوية يمكن البناء عليها، ويتيح الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا تركز بصورة متوازية على جودة الرعاية واستمراريتها وتعظيم الاستفادة من كل نقطة اتصال بين المرأة والمنظومة الصحية.
وقال حسن: «حين تصبح الغالبية الساحقة من الأمهات بالفعل داخل دائرة الرعاية الصحية، نمتلك فرصة كبيرة للبناء على ما تحقق، بحيث تتحول كل زيارة وكل متابعة وكل لحظة اتصال بالنظام الصحي إلى فرصة إضافية للوقاية والاكتشاف المبكر وإنقاذ الحياة».
وأوضح أن تطوير صحة الأمهات عملية تراكمية؛ تبدأ بتوسيع الوصول إلى الخدمة، ثم تستمر بالعمل على الجودة والاستمرارية وسرعة الاستجابة للمخاطر، بما يحقق أفضل النتائج الممكنة للأم وطفلها.

الطفل وُلد.. لكن رحلة حماية الأم لم تنتهِ
وسلط حسن الضوء على فترة ما بعد الولادة باعتبارها إحدى الحلقات المهمة في رحلة رعاية الأم، خاصة لدى النساء اللاتي تعرضن لتسمم الحمل أو اضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل.
وأكد أن ولادة الطفل لا ينبغي أن تُفهم طبيًا باعتبارها نهاية متابعة الأم، وأن استمرارية الرعاية بعد الولادة تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الوقاية من المضاعفات.
وقال حسن: «ولادة الطفل لحظة فرح، لكنها لا تعني أن رحلة الأمان للأم قد انتهت. علينا أن نضمن أن تخرج الأم أيضًا من رحلة الحمل والولادة بأمان، وأن تحصل على المتابعة التي تحتاج إليها بعد الولادة».
وأشار إلى أن التفكير الحديث في صحة الأمهات يتطلب النظر إلى الحمل والولادة وما بعد الولادة باعتبارها رحلة صحية واحدة متصلة، وليس ثلاث مراحل منفصلة.

وراء كل رقم امرأة
وتوقف حسن عند الدور الذي يمكن أن تلعبه البيانات في إنقاذ حياة الأمهات، مؤكدًا أن الهدف من تسجيل حالات الوفاة والمضاعفات الشديدة لا ينبغي أن يقتصر على إنتاج الإحصاءات، وإنما يجب أن يمتد إلى التعلم المستمر وتحسين الرعاية.
وقال: «وراء كل رقم امرأة وأسرة وقصة. البيانات لا تحقق قيمتها الحقيقية عندما تخبرنا فقط بما حدث، وإنما عندما تساعدنا على منع حدوثه مرة أخرى».
وأوضح أن مراجعة الحالات ينبغي أن تبحث في رحلة المرأة كاملة: متى ظهرت أول علامة للخطر؟ ومتى كان من الممكن اكتشافها؟ وهل حدث التدخل في الوقت المناسب؟ وما الذي يمكن للنظام الصحي أن يتعلمه لتقديم رعاية أفضل للأم التالية؟
وشدد على أن الهدف من هذه المراجعات ليس البحث عن اللوم، وإنما البحث عن فرص التحسين، وتحويل كل حالة إلى معرفة يمكن استخدامها في الوقاية من حالات مماثلة مستقبلًا.

ربما لا يكون الاختراق القادم دواءً جديدًا
وأكد حسن أن أحد أهم التحولات المطلوبة في التفكير العالمي حول صحة الأمهات هو عدم حصر مفهوم التقدم العلمي في اكتشاف دواء أو اختبار أو تقنية جديدة.
وقال إن الاختراق القادم الذي يمكن أن ينقذ حياة مزيد من الأمهات قد يتمثل في بناء نظم صحية أكثر قدرة على تقديم التدخلات التي أثبت العلم بالفعل فعاليتها، بصورة موثوقة ومستدامة وفي التوقيت المناسب.
وأضاف: «البحث العلمي سيظل ضروريًا، وسنظل في حاجة إلى معرفة جديدة، لكن علينا في الوقت نفسه أن نسأل: كم من الأرواح يمكن أن ننقذها إذا نجحنا في تقديم ما نعرف بالفعل أنه فعال لكل امرأة تحتاج إليه؟».
وأكد أن التكامل بين البحث العلمي والممارسة الإكلينيكية ونظم المعلومات الصحية وتحسين الجودة يمثل أحد المفاتيح الأساسية للانتقال من إنتاج المعرفة إلى تحقيق أثر ملموس في حياة النساء.
خبرة مصرية في قلب النقاش الدولي حول صحة الأمهات
وتأتي مشاركة الأستاذ الدكتور عمرو حسن حسين في هذه السلسلة العلمية ضمن نشاطه الأكاديمي والدولي في مجالات صحة الأمهات والصحة الإنجابية ووفيات الأمهات.
ويعمل حسن أستاذًا لأمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، كما يشارك عضوًا في المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بوفيات الأمهات وأسبابها.
وشارك في مايو 2026 في اجتماعات المجموعة بمقر منظمة الصحة العالمية في جنيف، ضمن مجموعة من الخبرات الدولية المتخصصة في قياس ورصد وفيات الأمهات وأسبابها وتطوير الأدلة التي يمكن أن تدعم السياسات والبرامج الصحية.
ويمتلك حسن مسيرة أكاديمية ومهنية تمتد لأكثر من عشرين عامًا، تجمع بين الممارسة الإكلينيكية والبحث العلمي والعمل الأكاديمي والصحة العامة والسكان والصحة الإنجابية وصحة الأمهات، مع اهتمام خاص بربط المعرفة العلمية والبيانات بالممارسة والسياسات الصحية.
ونشر عددًا من الأبحاث والتجارب الإكلينيكية والمراجعات العلمية في دوريات دولية محكمة

حين تتحول المعرفة إلى حياة
واختتم حسن محاضرته بالتأكيد على أن القيمة النهائية للعلم لا تتوقف عند حجم المعرفة التي ينتجها، وإنما في قدرته على تغيير حياة الإنسان.
وقال: «لدينا اليوم معرفة لم تكن متاحة للأجيال السابقة، ولدينا أدلة يمكنها أن تصنع فارقًا حقيقيًا. التحدي هو ألا تظل هذه المعرفة حبيسة الأبحاث والإرشادات، وإنما أن تتحول إلى قرار في الوقت المناسب، ورعاية في المكان المناسب، وأم تعود إلى أسرتها بأمان. هنا فقط تتحول المعرفة إلى حياة تُنقذ».

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان