صدر قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 بعد إقراره من مجلس النواب وتصديق رئيس الجمهورية ونشره في الجريدة الرسمية، على أن يبدأ العمل به في الأول من شهر أكتوبر 2026، ليحل محل القانون رقم 150 لسنة 1950 رغم تعديلاته المتعاقبة، ليشكل نقلة نوعية في منظومة العدالة، حيث وُصف هذا القانون بأنه حجر الزاوية في تحديث المنظومة القضائية وإصلاح تشريعي يتواءم مع المعايير الدولية، متضمنًا تعديلات جوهرية تهدف إلى تطوير منظومة التقاضي.
وقد شهدت المنظومة التشريعية المصرية تحولًا نوعيًا بعد صدور هذا القانون، حيث استهدف المشرع من خلاله إدماج الوسائل التكنولوجية في منظومة العدالة الجنائية، سعيًا منه إلى تبسيط الإجراءات وتحقيق سرعة الفصل في الدعاوى، حيث تدخل المشرع لمعالجة أزمات الإعلانات الورقية وإرساء قواعد جديدة تعتمد على الوسائط الرقمية، حيث اشترط القانون على المتهم في أول الإجراءات تعيين موطن مختار له ورقم الهاتف أو بريد إلكتروني يتم إعلانه عليه، وألزم القانون المحضر بأن يوجه للمعلن إليه رسالة نصية على الهاتف المثبت به بيانات رقمه القومي خلال أربع وعشرين ساعة، مع إرفاق تقرير من مركز الإعلانات يثبت استلامه الرسالة.
وفي حالة عدم التوصل إلى إعلان المتهم، أورد هذا القانون حلًا استثنائيًا، على أنه في حال تعذر استلام الرسالة أو عدم وجود هاتف مسجل له، يقوم المحضر بتسليم الإعلان إلى مأمور القسم أو العمدة أو شيخ البلد خلال 24 ساعة.
وكان تأجيل العمل بهذا القانون من تاريخ صدوره في نوفمبر 2025 إلى بداية العمل به في الأول من أكتوبر 2026، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لإتاحة الوقت الكافي لجهات إنفاذ القانون للإعداد وجاهزية المحاكم بمراكز الإعلان الرقمية المنصوص عليها في القانون، وهو ما يتطلب تقنية متكاملة وتأهيلًا للعاملين عليها في المنظومة القضائية لحماية حقوق الإنسان.
ومن أبرز هذه التعديلات المستحدثة في هذا القانون:-
"أولًا": ترسيخ الحماية الدستورية المقررة للمساكن وحالات دخولها على سبيل الاستثناء وفق ضوابط محددة (الاستغاثة، الخطر الناجم عن الحريق أو الهدم أو ما شابه ذلك).
"ثانيًا": وجوب حضور محامٍ مع المتهم أثناء التحقيق والاستجواب، وندب محامٍ إذا لم يكن له محامٍ.
"ثالثًا": تقليص مدة الحبس الاحتياطي في الجنح، أصبحت مدة الحبس الاحتياطي بحد أقصى 4 أشهر بدلًا من 6 أشهر، وفي الجنايات أصبحت مدة الحبس الاحتياطي بحد أقصى 12 شهرًا بدلًا من 18 شهرًا، إلا إذا كانت العقوبة المؤبد أو الإعدام، تكون مدة الحبس الاحتياطي 18 شهرًا.
"رابعًا": استبدل القانون نظام الإكراه البدني "الحبس" بالخدمة المجتمعية كبديل إلزامي عن الحبس في حالة عدم سداد الغرامات والمصاريف القضائية المستحقة للدولة.
بما يتوافق مع التوجهات العقابية الإصلاحية الحديثة القائمة على الإنتاج الاجتماعي بدلًا من سلب الحرية.
"خامسًا": زيادة بدائل الحبس الاحتياطي لإتاحة الفرصة أمام سلطات التحقيق لاختيار الأوفق من بين بدائل الحبس الاحتياطي المستحدث، وهي إلزام المتهم بعدم مغادرة نطاق جغرافي معين إلا بعد الحصول على إذن من النيابة العامة، أو إلزام المتهم بالامتناع عن استقبال أو مقابلة أشخاص معينين أو الاتصال بهم بأي شكل من الأشكال.
"سادسًا": إنفاذ توصية اللجنة العليا لحقوق الإنسان بعرض أوراق القضية بحبس متهم على ذمة التحقيق احتياطيًا بصفة دورية على المستشار النائب العام كلما انقضت ثلاثة أشهر حبس على آخر عرض له، لاتخاذ الإجراءات التي يراها قبله.
"سابعًا": استحداث الإعلانات الرقمية استنادًا إلى نص المادة 232، وقرار وزير العدل يتم إنشاء مركز للإعلانات الهاتفية بكل محكمة جزئية لإرسال إعلانات القضايا عبر رسائل SMS أو البريد الإلكتروني بناءً على الرقم القومي أو الأحوال المدنية، باستخدام وسائل تقنية المعلومات في إعلان الخصوم، مع الحفاظ على الإجراءات التقليدية حال تعذر إجراءات الإعلانات الرقمية، حماية لحقوق الإنسان وإنجازًا للتحقيقات وتقليل مدة الحبس الاحتياطي.
"ثامنًا": زيادة الضمانات المقررة للمتهم في جناية الذي يحاكم غيابيًا حال تعذر حضوره أو وكيله الخاص أثناء نظر الاستئناف المرفوع منه، بإلزام المحكمة التي تنظر الدعوى بالتأجيل مرة واحدة لإتاحة الفرصة في الدفاع عن نفسه، نظرًا لخطورة الاتهام في جناية.
"تاسعًا": التصالح في جرائم الدم، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص الصلح مع المتهم في جرائم القتل العمد أو الضرب المفضي إلى الموت، ويترتب على إثبات الصلح تخفيف العقوبة وجوبيًا، واستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد أو السجن المشدد، ولا يؤدي الصلح إلى انقضاء الدعوى الجنائية، ويجوز تقديم الصلح في أي حالة كانت عليها الدعوى.
"عاشرًا": التصالح في جرائم العدوان على المال العام، ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية ووقف تنفيذ العقوبة.
وتمثل هذه الضمانات التشريعية التي أتى بها قانون الإجراءات الجنائية الجديد إضافة للضمانات المقررة لحماية حقوق الإنسان، سواء لشخصه أو مسكنه أو في إجراءات المحاكمة، ضمانًا لإجراءات محاكمة عادلة ومنصفة تتوافق مع أحكام الدستور.