أكدت الدكتورة رانيا المشاط - وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، أهمية تعزيز التعاون العربي المشترك في مواجهة التحديات البيئية والمناخية، مشددة على أن التحدي لم يعد في سؤال «هل نتعاون؟»، وإنما في كيفية تسريع هذا التعاون وتحويله إلى نتائج ملموسة للمواطنين والمجتمعات المحلية.
جاء ذلك في كلمتها خلال أعمال الدورة الـ37 لمجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة، المنعقدة بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، حيث توجهت بالشكر إلى الأمانة العامة على دعوتها الكريمة وشراكتها المستمرة في خدمة الأولويات العربية المشتركة.
وقالت المشاط إن مجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة، منذ إنشائه، واكب أعماله تطورات القضايا البيئية على المستويين العربي والدولي، وأسهم في تراكم الخبرات الفنية والمعرفية للدول العربية، موضحة أن البيئة لم تعد ملفاً قطاعياً منفصلاً، وإنما أصبحت مرتبطة ب الأمن الغذائي والمائي واستقرار المجتمعات وقدرتها على الصمود.
وأشارت إلى أن المنطقة العربية تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، إلى جانب شح المياه وتدهور الأراضي، الأمر الذي يجعل تعزيز التعاون الإقليمي ضرورة ملحة لإدارة المخاطر والموارد المشتركة.
وفيما يتعلق بموضوع الدورة الحالية، «استدامة المراعي وتعزيز القدرة على الصمود»، أكدت المشاط أن المراعي تمثل أحد الأصول الطبيعية الأساسية التي تدعم التنوع البيولوجي والإنتاج وسبل العيش، وأن حمايتها وإدارتها بصورة مستدامة تتطلب إدارة متكاملة للموارد المائية واستثمارات أكبر في المجتمعات المحلية.
وأضافت أن استدامة المراعي ليست قضية بيئية متخصصة فحسب، وإنما تمثل استثماراً مباشراً في الأمن الغذائي وسبل عيش الرعاة والمجتمعات المحلية، فضلاً عن دورها في الحد من تدهور الأراضي والتربة.
وشددت على ضرورة الانتقال من مجرد معالجة تدهور المراعي إلى بناء منظومة متكاملة للحوكمة، تجمع بين تنظيم استخدامات الأراضي وإدارة المياه واستعادة النظم البيئية المتدهورة، مع تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في الإدارة والرصد وتقاسم المنافع.
وأكدت أن نجاح العمل المناخي لا يتوقف فقط على توافر التمويل والتكنولوجيا، وإنما يحتاج كذلك إلى مؤسسات قادرة على التنسيق بين القطاعات وتحويل الخطط إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وإشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار، وقياس النتائج بشفافية ومساءلة.
وقالت إن إشراك المجتمعات المحلية في الإدارة، وليس التعامل معها باعتبارها مجرد مستفيد من المشروعات، يجعل السياسات أكثر واقعية والاستثمارات أكثر فاعلية والنتائج أكثر قدرة على الصمود والاستدامة.
وفيما يتعلق بجهود الدول العربية في مواجهة تغير المناخ، أوضحت المشاط أن العمل يتركز على مسارين مترابطين، أولهما تعزيز المشاركة العربية في المفاوضات المناخية من خلال بناء قدرات المفاوضين العرب وتوفير وسائل تنفيذ التزامات المناخ، مشيرة إلى تنظيم ورشة عمل بالتعاون مع جامعة الدول العربية لتدريب عدد من المفاوضين العرب على المشاركة الفعالة في المفاوضات ومناقشة وسائل التنفيذ، وفي مقدمتها التمويل المناخي.
وأشارت إلى أن الأرقام تعكس اتساع الفجوة التمويلية، موضحة أنه منذ اعتماد اتفاق باريس بلغت التدفقات التمويلية المناخية الدولية إلى المنطقة العربية نحو 76 مليار دولار خلال الفترة من 2015 إلى 2024، في حين تتجاوز الاحتياجات التمويلية التي حددتها الدول العربية في مساهماتها المحددة وطنياً حتى عام 2030 نحو 560 مليار دولار.
وقالت إن هذه الفجوة لا تتعلق فقط بحجم التمويل المتاح، وإنما أيضاً بطبيعة هذا التمويل، موضحة أن جزءاً كبيراً من الالتزامات التمويلية يصنف ضمن المساعدات الرسمية للتنمية، التي تجاوزت المساعدات المناخية الرسمية خلال الفترة نفسها في بعض الحالات، بما يؤكد الحاجة إلى المزيد من التمويل الميسر، ولا سيما للدول الأكثر تضرراً من تداعيات تغير المناخ وأعباء الديون.
وأضافت أن الدول العربية الأقل نمواً تحصل على أقل من 7% من التمويل المناخي الموجه إلى المنطقة، في حين يستحوذ التخفيف على أكثر من نصف التمويل المناخي، مقابل نحو 36% فقط للتكيف، رغم أن التكيف يمثل أولوية ملحة للمنطقة العربية.
وأكدت أن هذا التوزيع لا يتناسب مع احتياجات المنطقة، خصوصاً في مواجهة التصحر وتدهور الأراضي الزراعية والظواهر المناخية المتطرفة، داعية إلى تعزيز التمويل الموجه للتكيف، وضمان وصوله إلى البلدان الأقل نمواً والقطاعات الأكثر احتياجاً.
وأوضحت المشاط أن العمل يتواصل لتعزيز قدرة الدول الأعضاء على الوصول إلى التمويل المبتكر، بما في ذلك السندات الخضراء والمستدامة ومبادلات الديون المرتبطة بالمناخ وأهداف التنمية المستدامة، بما يساعد على حشد الموارد اللازمة للعمل المناخي في ظل تزايد أعباء الدين في عدد من دول المنطقة.
وأشارت إلى التعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي لتطوير منهجيات موحدة للمخاطر المناخية، بما يوفر لغة مشتركة للحكومات والمؤسسات المالية والمستثمرين، ويسهم في تصنيف المشروعات الخضراء وتحسين الشفافية وتوجيه التمويل نحو الأولويات المناخية والإنمائية.
وأكدت أهمية توظيف البيانات والتكنولوجيا في دعم العمل البيئي والمناخي، بما في ذلك استخدام أدوات الاستشعار عن بُعد والبيانات المكانية والرقمية لرسم خرائط الوصول إلى الطاقة الشمسية وغيرها من التطبيقات التي تساعد في توجيه الاستثمارات واتخاذ القرارات المبنية على البيانات.
وفي مجال مكافحة الجفاف والتصحر، أشارت المشاط إلى اعتماد مبادرة إقليمية مشتركة لمكافحة العواصف الرملية والترابية في يوليو 2026، موضحة أن المبادرة تمثل منصة للتعاون والتنسيق وتبادل المعرفة والخبرات بين الدول العربية وغيرها من الدول المعنية.
وأكدت أن هذه المبادرة تعكس ما يمكن تحقيقه من خلال التعلم المؤسسي المنظم عبر الحدود، بحيث لا يقتصر التعاون على تبادل المعلومات، وإنما يمتد إلى بناء آليات مستدامة للتنسيق بين المؤسسات الوطنية، ووضع بروتوكولات مشتركة للإنذار المبكر وتبادل البيانات وتحليل الأولويات الاستثمارية والمتابعة الدولية.
وشددت المشاط على الدور المحوري للعمل العربي المشترك في تحليل السياسات العربية وتعزيز التكامل بين السياسات البيئية والزراعية والمائية والاقتصادية، ومتابعة تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وتشجيع الابتكار، مؤكدة أن المطلوب ليس وضع السياسات فقط، وإنما بناء المؤسسات القادرة على تنفيذها.