معادلة البقاء والعبور

معادلة البقاء والعبوراللواء د. محمد حسيني عامر

الرأى2-10-2026 | 19:43

كيف تُصاغ مرونة الدولة المصرية في زمن الاضطراب الإقليمي؟
لم يكن مشهد اجتماع القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، الذي ضم الرئيس عبد الفتاح السيسي والحكومة والمحافظين وقادة القوات المسلحة والشرطة، جنبًا إلى جنب مع عمد ومشايخ القرى وشباب الأكاديمية العسكرية مجرد لقاء تنفيذي دوري ، بل كان تجسيدًا حيًا لتحول بنيوي في العقيدة الاستراتيجية المصرية: الانتقال من المفهوم الضيق لـ "حماية الحدود بالسلاح" إلى المفهوم الشامل لـ "بناء مناعة الدولة وصمود الجبهة الداخلية".

إن قراءة هذا المشهد تتطلب الربط بين ما يفرضه البناء الدستوري والمؤسسي لمصر، وبين حقائق الجغرافيا المشتعلة التي تحيط بحدودها الأربعة ؛ فالأمن القومي لم يعد اختصاصًا قطاعيًا أو عبئًا عسكريًا حصريًا ، بل بات نتاجًا شبكيًا تتفاعل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد ، والتقنية مع الوعي ، وتأمين الحدود مع تعمير أعماقها.
أولاً : أمن يتجاوز الجغرافيا .. قراءة في فلسفة الدستور :
تضع المادتان (٢٠٠ ) و (٢٠٥) من الدستور المصري أساسًا واضحًا للأمن القومي الحديث ؛ فبينما تُنيط المادة (٢٠٠) بالقوات المسلحة حماية البلاد وصون أمنها وسلامة أراضيها وحماية الدستور والمقومات الأساسية للدولة ، تأتي المادة (٢٠٥) لتوسع عضوية "مجلس الأمن القومي" لتشمل وزراء المالية، والاتصالات ، والتعليم ، والصحة، والعدل ، والخارجية ، والداخلية ، والدفاع.

هذا التكوين الدستوري ينقل الأمن القومي من خانة "الردع العسكري الصلب " إلى مستوى "الوظيفة المؤسسية الشاملة".
فالطبيب في مواجهة الوباء ، والمعلم في بناء المفاهيم وتحصين الهوية ، والمهندس في محطات التحلية وشبكات الطاقة ، وقاضي منصة العدالة ، كلهم عناصر متساوية في معادلة الأمن الوطني وحماية بقاء الدولة واستمراريتها.
ثانيًا: طوق النار الإقليمي.. الصدمات الخارجية واستنزاف الموارد
تعمل مصر في بيئة " جيو- استراتيجية " تُعد الأكثر تعقيدًا في تاريخها المعاصر؛ إذ تواجه ضغوطًا متزامنة على كافة اتجاهاتها الاستراتيجية :

•الاتجاه الشرقي: تداعيات حرب قطاع غزة ومحاولات المساس بالحدود وتصفية القضية الفلسطينية عبر محاولات التهجير، وهو ما واجهته مصر بموقف استراتيجي حاسم يرتكز على أن السلام خيار استراتيجي مع الرفض القاطع للمساس بالأرض والسيادة ، والتمسك بحل الدولتين بوصفه الضمان الوحيد للاستقرار الإقليمي.

•الاتجاه الجنوبي: الحرب في السودان وتداعياتها الأمنية والإنسانية ، وما فرضته من ضغوط خدمية ولوجستية هائلة على الدولة المصرية، مع تداخل ذلك استراتيجيًا مع إدارة ملف الأمن المائي وسد النهضة وحقوق مصر التاريخية في مياه النيل.

•الاتجاه الغربي: هشاشة الوضع المؤسسي والأمني في ليبيا ، وما يفرضه من مخاطر الجريمة المنظمة، وتهريب السلاح ، وتسلل العناصر الإرهابية عبر حدود صحراوية شاسعة.

•البحر الأحمر وباب المندب: اضطراب حركة التجارة العالمية الذي ترتب عليه تراجع إيرادات قناة السويس بنحو ٢٠ مليار دولار خلال السنوات الأخيرة ؛ مما حول التوتر الإقليمي مباشرة إلى عبء إضافي على الحساب الجاري وموارد النقد الأجنبي.

هذه البيئة تثبت أن الأزمات الإقليمية لم تعد تقتصر على المخاطر العسكرية التكتيكية ، بل تمتد لتتحول إلى صدمات اقتصادية هيكلية تستهدف تقليص الحيز المالي المتاح للتنمية والخدمات.

ثالثًا: الجبهة الداخلية ومناعة المجتمع .. الوعي خط الدفاع الأول :
عندما شدد الرئيس على أن " وعي المصريين هو حائط الصد " ، وأن " أقل الوسائل تكلفةً لتدمير أي دولة هو استدراج شعبها للقيام بتلك المهمة " ، كان يلمس جوهر حروب الجيلين الرابع والخامس .

فالأدوات الحديثة لا تستهدف الجيوش في ميادين القتال المفتوحة ، بل تستهدف ضرب التماسك الاجتماعي ، وتغذية الإحباط الجمعي ، واغتيال ثقة المواطن في مؤسساته وقيادته عبر بث الشائعات وحملات التضليل الإلكتروني الممنهجة ، وهنا يبرز دمج البعدين الأمني والتنموي ؛ فالأمن لا يستقر بالقضاء على الإرهاب فقط ، بل بتجفيف البيئة الاجتماعية والاقتصادية المغذية للتطرف.

لذا كان إشراك عمد القرى والمشايخ في صلب الحوار الاستراتيجي بمقر القيادة إشارة بالغة الدلالة : إن أمن العاصمة وقرارها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بـ ٤٥٠٠ قرية تمثل ٥٠ بالمئة من الشعب.

فتحصين المواطن البسيط ضد التزييف، وتلبية احتياجاته الأساسية، وحسن معاملته، وتخفيف الأعباء المعيشية والرسوم الحكومية عنه، هو الأساس الحقيقي لصلابة الجبهة الداخلية.

رابعًا: الأمن التنموي.. البنية التحتية شرايين للصمود القومي
تُظهر تجربة السنوات العشر الماضية أن المشاريع القومية لم تكن ترفًا عمرانيًا، بل أدوات استراتيجية لتعزيز القدرة الوطنية الشاملة :

•سيناء كنموذج استراتيجي: لم يُحسم الصراع مع الإرهاب في سيناء بالعمليات العسكرية وحدها ، بل بضخ استثمارات تجاوزت ٨٠٠ مليار جنيه لربط شبه الجزيرة بالدلتا عبر شبكة أنفاق وكباري حديثة ، وزراعة مئات الآلاف من الأفدنة ، وبناء التجمعات السكنية والمناطق الصناعية، تأكيدًا لقاعدة :
"حيثما وجد التنمية والعمران اندحر الإرهاب والفراغ الأمني".

•البنية الأساسية وسلاسل الإمداد: تحديث منظومة النقل، والموانئ ، والربط اللوجستي يمنح الدولة مرونة استثنائية لتحريك الموارد والسلع ، وتفادي اختناقات التوريد وقت الأزمات والتقلبات الدولية.

•الأمن الغذائي والمائي : التوسع في محطات معالجة مياه الصرف الزراعي، والتحلية، والصوامع الحديثة، والمشاريع الإنتاجية لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية؛ لضمان مخزون استراتيجي آمن يقي البلاد من تقلبات الأسواق العالمية وشبح التضخم المستورد.

خامسًا: رأس المال البشري والسيادة الرقمية .. الدولة الذكية المستبقة .
لم يعد بناء القوة الشاملة مقتصرًا على السلاح والعتاد ؛ فالأمن القومي المعاصر يتأسس على ركيزتين تقودان الدولة نحو المستقبل:
1- بناء العقل والإنسان: يتجلى هذا البعد في الدور المتطور للمؤسسات التعليمية بالقوات المسلحة
مثل " الأكاديمية العسكرية المصرية والأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية " التي لم تعد تقتصر على تخريج الضباط ، بل مدت مظلتها لتدريب الكوادر المدنية والدبلوماسية والقضائية والمعينين الجدد بالوزارات
الهدف هنا ليس عسكرة الإدارة ، بل نقل ثقافة الالتزام المؤسسي ، والانضباط الذاتي ، والولاء الوطني ، والتفكير الاستراتيجي الشامل لموظفي الدولة ليكونوا أكثر قدرة على خدمة المواطنين بكفاءة وتجرد.

2- السيادة الرقمية وإدارة الأزمات الذكية : نقلة نوعية دشنتها الدولة عبر إنشاء مقر القيادة الاستراتيجية والشبكة الوطنية الموحدة للسلامة العامة والطوارئ ، مع إطلاق"الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ" هذه المنظومة أنهت العمل في جزر معزولة ، وربطت كافة مؤسسات الدولة بمنظومة اتصالات مؤمنة بالكامل تعتمد على تحليلات البيانات اللحظية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لنقل الدولة من مرحلة " رد الفعل والانتظار" إلى مرحلة " الاستباق والتنبؤ بالمخاطر وإدارتها علميًا.

إن التاريخ يعلمنا أن لحظات العبور الكبرى في مصر لم تكن تنجح إلا بتلاحم أصيل بين الشعب وجيشه ومؤسساته، فكما عبرت مصر أزمتها في أكتوبر ١٩٧٣ بحشد الطاقات والقتال الشريف ، وكما عبرت في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ بإنقاذ هوية الدولة وبقائها ، فإنها تعبر اليوم معركة تثبيت أركان الدولة وبناء مناعتها الذاتية.

"إن حماية الأمن القومي المصري أصبحت تتطلب تكامل كافة عناصر القوة الشاملة للدول ".
ردع عسكري صلب يحمي المقدرات ويصون السيادة، وحلول دبلوماسية ترتكز على مبادئ القانون الدولي ، واقتصاد مرن يمتص الصدمات الخارجية ، وجبهة داخلية واعية تستعصي على الاختراق والشائعات ، ومنظومة تكنولوجية ذكية تدير موارد الدولة بكفاءة واستباق.

وبهذا التكامل فقط ، تتحول التحديات من مهددات للوجود إلى روافع حقيقية لبناء دولة عصرية قادرة على الصمود والاستمرار وصناعة المستقبل.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان