إثيوبيا لم تعرف حالة الاستقرار السياسي منذ سقوط الإمبراطورية، بل حتى من قبل هذا، فهى دولة قابلة للتفكك على مدار العصور، حيث تتلاشى فكرة الاندماج الوطنى وتتغلب دومًا الأفكار الانفصالية التى ستؤدى حتمًا إلى إفشال الدولة والوصول إلى مرحلة أكثر خطورة من الانتحار القومى، بل إن تصاعد العنف مجددًا فى الداخل الإثيوبى يؤكد فشل آبى أحمد فى إجراء عملية تجميل سياسى لخداع الداخل، كما فشلت محاولته المتعلقة بتصدير الهواجس الأمنية أو حتى الوعود الزائفة بالتنمية التى اكتشفت الشعوب الإثيوبية أنها سراب وخداع يضمن له البقاء على سدة الحكم.
اليوم هو أمس إثيوبيا الذى يتكرر، فما يحدث مؤخرًا من اشتعال للأوضاع داخل إقليم تيجراى يعيد للأذهان ما حدث فى تسعينيات القرن الماضى، حينما اتجهت قوات جبهة تحرير تيجراى بعد أن قادت تحالفات مع جبهات أخرى مثل جبهة تحرير أورومو لإسقاط "منجستو هيلا مريام" الذى سيطر على حكم إثيوبيا عقب الإطاحة بالإمبراطور " هيلا سيلاسى " فى سبعينيات القرن الماضى، وهذا بعد أن تخلص من غريمه السياسى "أمان عندوم" الرئيس الأول للمجلس العسكرى الانتقالى، بل قبل ستة أعوام فقط وبالتحديد عام 2020 التاريخ يعيد نفسه بعد اشتعل الصدام بين جبهة التجراى التى كانت تحتكر السلطة عبر نفوذها الواسع داخل الجبهة الديمقراطية الثورية، عقب سقوط منجستو الذى كان يطمح فى تحويل إثيوبيا إلى نظام اشتراكى مركزى بدلاً من الفيدرالية، وهو ما تعارض مع رؤية إقليم تيجراى حينها، وهو الأمر أيضًا الذى يتكرر الآن والذى أشعل الصدام قبل ست سنوات، حيث قرر آبى أحمد تحويل الجبهة الثورية الديمقراطية الحاكمة إلى حزب سياسى تحت اسم الازدهار، والاتجاه لتقليص نفوذ جبهة التجراى التى سيطرت على الجبهة الثورية الديمقراطية الحاكمة لأكثر من 25 عامًا، حينها بدأت المشكلات تظهر على السطح، خاصة بعد أن قرر آبى أحمد تأجيل الانتخابات العامة فى الأقاليم الإثيوبية بسبب جائحة كورونا، وحينها رفض إقليم تيجراى القرار وأصر على إجراء الانتخابات فى حالة من العناد السياسى تولدت بعد حالة التهميش السياسى للتجراى بعد تأسيس حزب الازدهار، آبى أحمد حينها قرر نقل المعركة من ساحة السياسة إلى الميدان، وقرر الحرب على إقليم تيجراى والتى استمرت حتى عام 2022 بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام برعاية الاتحاد الإفريقى، ولكن ظلت النار تحت الرماد حتى اشتعلت الأوضاع مؤخرًا وتحالفت قوات التجراى مع 7 حركات أخرى وسيطرت على مطار الإقليم، ما ينذر بشبح عودة حرب عام 2020 مجددًا.
ولكن لماذا بالأساس كل هذا الخلاف؟! الأمر يتعلق بفكرة مستقبل الدولة الإثيوبية التى هى مكونة من 12 إقليمًا تسكنها إثنيات متعددة، لهذا توصف بكونها الشعوب الإثيوبية فى دلالة على اختلافات جوهرية وعقائدية فى الديمغرافية ال إثيوبيا تعيق فكرة الاندماج الوطنى، ما يؤدى طول الوقت لظهور الأفكار الانفصالية داخل كل إقليم.