فى كل مرة يتحدث فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي عن وعي المصريين، وتماسك الجبهة الداخلية، والحفاظ على الدولة ومؤسساتها، فإنه لا يتحدث عن قضية منفصلة عن واقع مصر، ولا يوجه رسالة عابرة يمكن وضعها فى إطار واحد ثم تجاوزها، نحن أمام رؤية متكاملة لمعنى الأمن الوطني، تنطلق من حقيقة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية: قوة الدولة لا تتحدد فقط بما تملكه من مؤسسات وقدرات وإمكانات، وإنما تتحدد أيضًا بقدرة مجتمعها على التماسك، وفهم ما يحيط به، والتمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين التحدي الحقيقي ومحاولات تضخيمه، وبين الاختلاف الطبيعي وبين ما يمكن أن يتحول إلى أداة لإضعاف الدولة والمجتمع.
ومن هنا يمكن فهم المساحة التي يحتلها الحديث عن الوعي و الجبهة الداخلية فى خطاب الرئيس ، خصوصًا فى الاجتماع الأخير الذي جمعه بالحكومة والمحافظين وعدد من القيادات والخبراء والعمد والمشايخ وممثلين عن قرى ومحافظات مختلفة، فالمشهد نفسه كان يحمل رسالة مهمة، الدولة بكل مستوياتها تجتمع حول مائدة واحدة، من الوزير والمحافظ إلى عمدة القرية، ومن القيادات الأمنية والعسكرية إلى الخبراء والمتخصصين، ومن المسؤول عن رسم السياسات إلى من يعيش تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
وهذا فى حد ذاته يعبر عن مفهوم مهم، وهو أن حماية الدولة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا يمكن اختزالها فى جانب أمني أو عسكري فقط، الدولة تحمي حدودها بقواتها المسلحة، وتحافظ على أمنها الداخلي بمؤسساتها، لكنها تبني قدرتها على مواجهة الأزمات أيضًا من خلال اقتصادها، وتعليمها، وخدماتها، وإعلامها، ومؤسساتها، وفى القلب من كل ذلك مجتمعها المتماسك ووعي مواطنيها.
مصر تعيش فى منطقة شديدة الاضطراب، وتتأثر بما يجري حولها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، والسنوات الأخيرة حملت أزمات متتالية تركت آثارها على العالم كله، من تداعيات جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية ، والحرب فى قطاع غزة، والتوترات المتصاعدة فى المنطقة، وما ترتب عليها من ضغوط على الطاقة والتجارة والملاحة والأسعار والاقتصاد، وفى مثل هذه البيئة، لا يصبح الحفاظ على تماسك المجتمع مسألة إضافية أو ملفًا يمكن تأجيله، وإنما يصبح أحد عناصر القدرة على عبور الأزمات.
وهنا تحديدًا تأتي أهمية الوعي، فالوعي الذي يتحدث عنه الرئيس ليس مجرد معرفة بالأخبار، ولا يعني أن يعرف المواطن ما يحدث فقط، وإنما يعني أن يمتلك القدرة على فهم الصورة الأوسع، أن يعرف أن ما يحدث حول مصر قد تكون له انعكاسات مباشرة على حياته، وأن ارتفاع أسعار سلعة أو اضطراب حركة التجارة أو تأثر موارد الدولة ليس بالضرورة حدثًا منفصلًا عن عالم مضطرب من حولنا، وأن يعرف كذلك أن الشائعة ليست مجرد معلومة خاطئة، وإنما قد تتحول فى بعض الظروف إلى وسيلة للتأثير فى المجتمع وزعزعة الثقة وإثارة القلق.
والأهم أن الوعي يجعل المواطن قادرًا على التمييز، يفرق بين المشكلة الحقيقية وبين المبالغة فيها، وبين المعلومة وبين الشائعة، وبين الاختلاف الطبيعي فى الرأي وبين ما يمكن أن يدفع المجتمع إلى حالة من الاستقطاب والفوضى، وهذه القدرة على التمييز أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، فى ظل عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات على مدار الساعة، ولا يصل إلى الناس دائمًا ما هو صحيح أو كامل أو دقيق.
لكن قوة الوعي لا تأتي من الخوف، وإنما من المعرفة، المطلوب ليس أن يعيش المصري قلقًا على وطنه، وإنما أن يعرف قيمة وطنه،وليس أن يخشى كل خبر، وإنما أن يمتلك القدرة على التحقق منه وفهمه ووضعه فى سياقه الصحيح، وليس أن يتخلى عن حقه فى السؤال، وإنما أن يدرك أن السؤال المسؤول والمشاركة الإيجابية يمكن أن يكونا جزءًا من قوة المجتمع، وأن الحفاظ على الوطن لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما يعني أن تظل هناك مساحة وطنية مشتركة يتفق الجميع على حمايتها.
ومن هنا فإن الجبهة الداخلية ليست مجرد جدار يقف المواطن خلفه، وإنما هي نسيج كامل يتكون من الدولة والمجتمع معًا، الدولة مطالبة بأن تعمل، والمواطن مطالب بأن يعي، المسؤول مطالب بأن يقترب من الناس، والمواطن مطالب بأن يتفاعل بإيجابية، المؤسسات مطالبة بالتكامل، والمجتمع مطالب بالحفاظ على تماسكه، والإعلام مطالب بأن يقدم الحقيقة ويشرح ما وراء الخبر، والمؤسسات المختلفة مطالبة بأن تتواصل مع المواطنين فى الوقت المناسب.
ولذلك كان لافتًا أن حديث الرئيس فى الاجتماع لم يتوقف عند قضية الوعي بمعناها المباشر، وإنما امتد إلى الخدمات والتعليم وحسن معاملة المواطنين والعمل المؤسسي والاستفادة من موارد الدولة، فهذه كلها، فى النهاية، أجزاء من منظومة واحدة، ف الجبهة الداخلية لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة موجودة فى حياته اليومية، وأن المسؤول يرى المشكلة التي يراها هو، وأن الخدمة التي يحصل عليها تتحسن، وأن شكواه تجد من يسمعها، وأن هناك من يتحمل مسؤولية معالجة ما يحتاج إلى معالجة.
وهنا تأتي دلالة مهمة جدًا فى الحديث الذي قدمه عمدة قرية السرارية بمحافظة المنيا خلال الاجتماع، وسط هذا العدد الكبير من الوزراء والمحافظين والقيادات والخبراء، كان صوت القرية الصغيرة يحمل معنى بالغ الأهمية، لم يتحدث العمدة بلغة المؤشرات الكبرى أو الأرقام العامة، وإنما تحدث عن الناس الذين يعرفهم ويعيش بينهم: أسر تحتاج إلى الدعم، وأطفال أيتام يحتاجون إلى الرعاية، ومشكلة زواج القاصرات، وأنشطة لحفظ القرآن، ولجنة من مثقفى القرية للمساهمة فى مواجهة الشائعات.
هذه التفاصيل تبدو صغيرة إذا نظرنا إليها من بعيد، لكنها فى الحقيقة تكشف كيف تُبنى الجبهة الداخلية من أسفل إلى أعلى، فالمجتمع المتماسك لا يولد فقط من القرارات الكبرى والمشروعات القومية، رغم أهميتها، وإنما يتشكل أيضًا فى القرية والحي والمدرسة ومركز الشباب ومكان العمل، يتشكل عندما يعرف المسؤول مشكلات الناس، وعندما يشعر المواطن أن هناك من يهتم بما يواجهه، وعندما تتحول المسؤولية العامة إلى عمل يومي وليس مجرد منصب أو عنوان.
وهنا لا يصبح نموذج عمدة السرارية بديلًا عن عمل الوزير أو المحافظ، وإنما مكملًا له، فالوزير يرى الصورة الوطنية الأشمل، والمحافظ يتعامل مع احتياجات المحافظة، والمسؤول المحلي يرى التفاصيل التي قد لا تظهر فى التقارير العامة، والقوة الحقيقية للدولة تأتي عندما تتصل هذه المستويات ببعضها، وعندما تنتقل السياسة العامة من مكاتب التخطيط إلى حياة الناس، فتتحول القرارات إلى خدمات، والخطط إلى نتائج، والإنجازات إلى أثر يشعر به المواطن.
وهذا تحديدًا ما يجعل حديث الرئيس عن حسن معاملة المواطنين جزءًا من حديثه عن الجبهة الداخلية، وليس موضوعًا منفصلًا عنها، فالمواطن لا يتعامل مع الدولة فى حياته اليومية من خلال العناوين الكبيرة فقط، هو يتعامل معها عندما يذهب إلى مصلحة حكومية، أو مستشفى، أو مدرسة، أو قسم شرطة، أو وحدة محلية، وكل تجربة من هذه التجارب تترك شيئًا فى داخله تجاه الدولة ومؤسساتها، ولهذا فإن جودة الخدمة، وسرعة الاستجابة، وحسن المعاملة، والقدرة على حل المشكلات، كلها عناصر تدخل فى بناء الثقة، والثقة بدورها واحدة من أهم دعائم تماسك المجتمع.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق فى رسالة الرئيس: أن الحفاظ على الدولة ليس مهمة تُلقى على المواطن وحده، كما أنه ليس مسؤولية الحكومة وحدها.. إنها مسؤولية مشتركة، فالدولة القوية تحتاج إلى مواطن واعٍ، والمواطن الواعي يحتاج إلى دولة تعمل وتشرح وتتواصل، والمؤسسات تحتاج إلى مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج إلى مؤسسات يشعر بأنها تعمل من أجله وتحمي مصالحه، وكلما اكتملت هذه الدائرة، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والضغوط.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم استحضار الرئيس لما شهدته مصر فى الفترة من 2011 إلى 2013، فالتجارب الصعبة فى حياة الدول لا تكون قيمتها فى مجرد استدعائها، وإنما فى الدروس التي تستخلص منها، وأحد أهم هذه الدروس أن الدولة ومؤسساتها واستقرارها ليست أمورًا بعيدة عن حياة الناس، وإنما هي الإطار الذي يحمي المجتمع ويحفظ قدرته على الاستمرار والبناء.
والدول لا تحتاج إلى أن تعيش أسيرة للماضي، لكنها تحتاج إلى أن تتعلم منه، ومصر، وهي تنظر إلى المستقبل، تعرف أكثر من غيرها قيمة الدولة المستقرة ومؤسساتها القادرة على العمل، خصوصًا فى منطقة شهدت وما زالت تشهد أزمات عميقة دفعت شعوبًا كثيرة أثمانًا باهظة، ولهذا فإن الوعي ليس دعوة إلى الخوف، وإنما دعوة إلى المسؤولية، وليس معناه أن ينظر المصري إلى وطنه باعتباره شيئًا فى غاية الأهمية، وأن يدرك أن الحفاظ عليه مسؤولية مشتركة، وأن معالجة مشكلاته تكون بالبناء والعمل والمشاركة، لا بتحويل الأزمات إلى وقود لهدم الدولة.
وإذا كانت بعض محاولات الإضرار بالدول تستهدف نشر الإحباط واليأس، فإن أفضل رد عليها لا يكون بالكلام وحده، وإنما بإنتاج الأمل من خلال العمل، مشروع ينجح، مدرسة تتحسن، خدمة تتطور، قرية تعالج مشكلة، مسؤول يستمع إلى مواطنيه، وشاب يجد فرصة حقيقية للمشاركة والبناء، كل ذلك هو فى النهاية جزء من تحصين المجتمع.
وهنا تصبح الجملة التي قالها الرئيس، إن وعي المصريين هو حائط الصد، أكثر من مجرد عبارة سياسية، إنها رؤية لدور المواطن فى حماية بلده، لكن هذا الحائط لا يُبنى من جهة واحدة، يبنيه التعليم حين يصنع عقلًا قادرًا على الفهم، والإعلام حين يقدم المعلومة الصحيحة، والأسرة حين تربي أبناءها على الانتماء والمسؤولية، والمؤسسات الدينية حين تؤدي دورها فى ترسيخ قيم الاعتدال والانتماء، والمسؤول حين يحسن أداء واجبه، والمواطن حين يدرك أن ما يفعله أو يقوله أو ينقله يمكن أن يؤثر فى مجتمعه.
وهكذا تتكامل عناصر القوة المصرية، القوات المسلحة تحمي الحدود، والشرطة تحمي الأمن، والاقتصاد يبني القدرة، والتعليم يبني الإنسان، والمؤسسات تدير الدولة، والإعلام يشرح الحقيقة، والمواطن الواعي يحمي المجتمع من أن يتحول إلى نقطة ضعف.
وفى النهاية، فإن الجبهة الداخلية الأقوى ليست تلك التي تخلو من المشكلات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على التعامل مع مشكلاتها وهي متماسكة، تعرف حجم التحديات من دون تهويل أو تهوين ، وتعرف حجم ما تحقق من دون مبالغة، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
لهذا يبدو حديث الرئيس عن الوعي وتماسك الجبهة الداخلية متصلًا بصورة مصر التي نريد أن نبنيها فى السنوات المقبلة: دولة قوية بمؤسساتها، واثقة بقدراتها، واعية بتحدياتها، وقادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، ومجتمع يعرف أن الوطن ليس مجرد حدود على خريطة، وإنما بيت كبير يشترك الجميع فى حمايته وبنائه، وفى هذا البيت، لا تقف الدولة فى جانب والمواطن فى جانب آخر، الدولة تعمل.. والمواطن يعي.. والمؤسسات تتكامل.. والمجتمع يتماسك، وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح الوعي فعلًا قوة، وتصبح الجبهة الداخلية بالفعل حصن مصر الأقوى.
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن