أكد الأستاذ الدكتور سعيد يحي، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العام للمصريين بالخارج – فرع المملكة العربية السعودية، أن ذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة ستظل واحدة من أعظم المحطات في التاريخ المصري والعربي الحديث، لأنها لم تكن مجرد انتصار عسكري تحقق في السادس من أكتوبر عام 1973، وإنما كانت لحظة تاريخية استعادت فيها مصر ثقتها بقدرتها على تجاوز أصعب الظروف، وأثبت فيها الجيش المصري أن الإرادة حين تقترن بالتخطيط والعلم والتضحية تستطيع أن تغير موازين الواقع وتفتح الطريق أمام مستقبل جديد.
وأضاف : إن قيمة أكتوبر لا تكمن فقط في تفاصيل المعارك وعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، وإنما في المعنى الذي حمله الانتصار إلى أجيال كاملة، فقد جاءت حرب أكتوبر بعد سنوات ثقيلة أعقبت نكسة يونيو 1967، ليؤكد المصريون لأنفسهم وللعالم أن الهزيمة ليست قدراً دائماً، وأن الأمم تستطيع أن تستعيد قوتها حين تمتلك الإرادة والإعداد والقدرة على تحويل التجربة الصعبة إلى طاقة للعمل والانتصار.
وأوضح أن عبور قناة السويس في السادس من أكتوبر لم يكن عبوراً للمياه وحدها، وإنما كان عبوراً من حالة نفسية صنعتها آثار الهزيمة إلى حالة جديدة من الثقة والقدرة على الفعل، مشيراً إلى أن الجندي المصري الذي عبر القناة في ذلك اليوم حمل معه تاريخ وطن كامل وإرادة شعب آمن بأن استعادة الأرض والكرامة تستحق التضحية، وأن النصر لا تصنعه الأمنيات، وإنما تصنعه العقول المدربة والقيادة الواعية والتخطيط الدقيق والإيمان بالوطن.
ونوه بدروس أكتوبر و أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، وإنما بما تمتلكه من إرادة وطنية قادرة على توظيف الإمكانات وتحويلها إلى إنجاز، مؤكداً أن الجيش المصري قدم في تلك الحرب نموذجاً فريداً في التخطيط والإعداد والانضباط والتضحية، وأن أبطال القوات المسلحة الذين خاضوا المعركة سيظلون في وجدان المصريين رمزاً للشجاعة والوطنية والفداء.
وأكد الدكتور سعيد يحي أن ذكرى أكتوبر تظل أيضاً مناسبة لاستحضار المواقف العربية التي وقفت إلى جانب مصر في معركة استعادة الأرض والكرامة، وفي مقدمتها الموقف التاريخي للمملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، الذي ساند مصر وسوريا والأردن خلال حرب أكتوبر، وجسّد موقف المملكة آنذاك معنى التضامن العربي الحقيقي سياسياً واقتصادياً، واتخذت المملكة موقفاً حازماً باستخدام سلاح النفط دعماً للموقف العربي في مواجهة العدوان. وقال إن هذا الموقف سيظل صفحة مضيئة في تاريخ العلاقات المصرية السعودية، ودليلاً على أن أكتوبر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية مصرية، وإنما كان لحظة عربية استثنائية تجلت فيها وحدة الموقف عندما تعرضت إحدى الدول العربية للعدوان، وهو ما يقدره المصريون للمملكة قيادة وشعباً، ويحفظونه في وجدانهم جيلاً بعد جيل.
وشدد الدكتور سعيد يحي على أن واجب الأجيال الحالية ليس فقط الاحتفال بذكرى النصر، وإنما فهم الدروس التي صنعت هذا النصر ونقلها إلى الأجيال الجديدة، وفي مقدمتها أن الأوطان لا تُبنى بالاعتماد على الماضي وحده، وإنما بتحويل أمجاد الماضي إلى دافع للعمل في الحاضر وبناء المستقبل، وأن مصر التي استطاعت أن تعبر أصعب لحظاتها في أكتوبر قادرة دائماً على تجاوز التحديات حين تتوافر الإرادة والعلم والعمل والتكاتف الوطني.
وأكد أن أبناء مصر في الخارج، وفي مقدمتهم أبناء الجالية المصرية بالمملكة العربية السعودية، يحملون ذكرى أكتوبر باعتزاز كبير، لأنهم أينما كانوا يظلون جزءاً من الوجدان الوطني المصري، ويحرصون على أن تنتقل هذه الذكرى إلى أبنائهم وأحفادهم باعتبارها جزءاً من تاريخ وطنهم وهويتهم، مشيراً إلى أن المصريين في المملكة يستحضرون هذه المناسبة جنباً إلى جنب مع أشقائهم السعوديين، في ظل ما يجمع الشعبين المصري والسعودي من روابط تاريخية عميقة وعلاقات راسخة ومواقف مشتركة، مؤكداً أن ما جمع البلدين في أكتوبر 1973 يمثل إحدى الصفحات المضيئة في سجل هذه العلاقة الممتدة.
وأوضح يحي : احتفال المصريين في الخارج بذكرى أكتوبر يحمل رسالة أخرى، وهي أن الانتماء إلى الوطن لا تحدده المسافة، وأن المصري الذي يعمل ويعيش خارج بلاده يمكنه أن يظل حاضراً في قضايا وطنه، مساهماً في دعم اقتصاده وصورته ومكانته، وناقلاً للأجيال الجديدة قيم الوطنية والعمل والانتماء.
وقال يحي إن مصر تحتاج اليوم، وهي تستحضر ذكرى أكتوبر، إلى استلهام روح ذلك الانتصار في مواجهة تحديات العصر، فكما استطاع المصريون قبل أكثر من خمسة عقود أن يحولوا الهزيمة إلى دافع للإعداد والنصر، فإن الأجيال الحالية مطالبة بأن تحول التحديات الاقتصادية والتنموية والإقليمية إلى حافز لمزيد من العمل والإنتاج وبناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها والحفاظ على أمنها واستقرارها.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن أكتوبر ليس مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما قيمة وطنية وعربية متجددة، تذكر المصريين بأن المستحيل يصبح ممكناً عندما تجتمع إرادة الشعب مع كفاءة مؤسسات الدولة وإخلاص أبنائها، وأن دماء الشهداء وتضحيات أبطال أكتوبر ستظل أمانة في أعناق الأجيال المتعاقبة، تدفعها إلى أن تجعل من قوة مصر وتقدمها واستقرارها عنواناً دائماً للمستقبل، وأن تظل ذكرى المواقف العربية الأصيلة، وفي مقدمتها موقف المملكة العربية السعودية، شاهدة على أن وحدة الموقف والتضامن بين الأشقاء يمكن أن يصنعا فارقاً في أصعب اللحظات، حتى يظل السادس من أكتوبر حاضراً في الذاكرة المصرية والعربية باعتباره يوماً انتصر فيه المصريون على الخوف قبل أن ينتصروا على خطوط العدو، واستعادوا فيه الثقة بالقدرة على صناعة التاريخ.