أكتوبر.. ذاكرة أمة وملحمة وطن

أكتوبر.. ذاكرة أمة وملحمة وطنسهام عزالدين جبريل

الرأى5-10-2026 | 12:49

من عبور القناة إلى تحرير سيناء.. حكاية جيشٍ انتصر وشعبٍ صمد وأرضٍ عادت إلى الوطن

هناك تواريخ لا تسكن صفحات الكتب، وإنما تسكن وجدان الشعوب. ويظل السادس من أكتوبر واحدًا من تلك التواريخ التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنه لم يكن مجرد يوم في تاريخ مصر العسكري، بل كان لحظة فارقة استعادت فيها الأمة ثقتها بنفسها، وبدأت معها رحلة طويلة نحو استرداد الأرض والكرامة.
لكن أكتوبر، بالنسبة لأبناء سيناء، يحمل معنى أكثر عمقًا؛ فهو ليس فقط ذكرى عبور قناة السويس، وإنما بداية الطريق الذي انتهى بعودة سيناء إلى حضن الوطن.

أنا ابنة سيناء، وعشت سنوات الاحتلال في العريش، ولذلك فإن أكتوبر بالنسبة لي ليس ذكرى أستعيدها من كتب التاريخ، وإنما جزء من ذاكرة شخصية ووطنية عشت بعض تفاصيلها، وعاشها معي جيل كامل من أبناء سيناء.

سيناء التي لم يستطع الاحتلال أن يهزمها
قد تحتل قوةٌ أرضًا، لكنها لا تستطيع أن تحتل بالضرورة وجدان أهلها.
وهذه واحدة من أهم الحقائق التي يجب أن تبقى حاضرة عند الحديث عن سيناء خلال سنوات الاحتلال.
فأبناء سيناء، رغم قسوة الظروف، ظلوا متمسكين بمصريتهم، وبأرضهم، وبالروابط التي تجمعهم بالوطن الأم. كانت مصر حاضرة في البيوت والقلوب، وظل الأمل في التحرير حيًا مهما طال الانتظار.
لقد كان بقاء الإنسان السيناوي فوق أرضه، وتمسكه بهويته الوطنية، والحفاظ على ذاكرة المكان وانتمائه، صورة من صور الصمود الوطني.
ولذلك فإن قراءة ملحمة أكتوبر لا تكتمل إذا اقتصرت على مشهد المعركة العسكرية وحده؛ فخلف خطوط القتال كانت هناك سيناء بأهلها، بذاكرتها، بصمودها، وبإيمانها بأن الاحتلال مرحلة عابرة وأن الأرض ستعود إلى الوطن.

أهل سيناء.. جبهة من جبهات الصمود
حين نتحدث عن نصر أكتوبر، فإن البطولة الأولى تبقى للقوات المسلحة المصرية التي خاضت المعركة وقدمت التضحيات، لكن ذلك لا يلغي أدوار الجبهات الوطنية الأخرى التي أسهمت في صمود الدولة والمجتمع.
وكان لأبناء سيناء دور وطني مهم خلال سنوات الاحتلال، إذ تحمل كثيرون منهم ظروفًا بالغة الصعوبة، وساهموا، كلٌّ في موقعه، في دعم المجهود الوطني، والحفاظ على التواصل مع الوطن، ومساندة القوات المسلحة، ونقل ما يتاح من معلومات، فضلًا عن تحمل تبعات الموقف الوطني في مواجهة الاحتلال.
لم يكن ذلك الدور بحثًا عن بطولة أو انتظارًا لتكريم، وإنما كان انحيازًا طبيعيًا للوطن والأرض.
فالسيناوي الذي ظل متمسكًا بمصريته، وصامدًا فوق أرضه، وحافظ على هويتها، كان يؤدي هو الآخر دورًا في معركة استعادة الوطن.
ومن هذه الذاكرة أستعيد تجربة والدي، المرحوم محمد عز الدين جبريل، وما ارتبط به من عمل وطني خلال سنوات الاحتلال وخدمة أبناء سيناء. وقد ظل الإيمان بأن الأرض ستعود إلى مصر حاضرًا في وجدان الأسرة كما كان حاضرًا في وجدان كثير من أبناء سيناء.
ولهذا فإن قصص آبائنا وأجدادنا ليست مجرد ذكريات عائلية؛ إنها جزء من الذاكرة الوطنية لسيناء، وتستحق أن تُروى للأجيال الجديدة حتى تعرف أن تحرير الأرض كان وراءه تاريخ طويل من الصمود والتضحيات.
السادس من أكتوبر.. حين عبرت مصر حاجز الخوف

جاء السادس من أكتوبر 1973 ليغير معادلات كثيرة.
عبر الجيش المصري قناة السويس، واقتحم خط بارليف، وبدأت مصر مرحلة جديدة من استعادة الثقة والإرادة.
لكن العبور لم يكن مجرد عملية عسكرية؛ كان أيضًا عبورًا نفسيًا من آثار الهزيمة إلى الثقة، ومن الانتظار إلى الفعل، ومن الإحساس بمرارة الاحتلال إلى امتلاك القدرة على تغيير الواقع.

وبالنسبة لأبناء سيناء، كان للعبور معنى خاص.
ففي الجانب الآخر من القناة كانت أرضٌ تنتظر أبناءها، وبيوتٌ تنتظر عودة الوطن، وأجيالٌ عاشت الاحتلال وهي تحمل في داخلها يقينًا بأن سيناء ستعود.
كان الجيش يعبر القناة، وكانت سيناء تعبر معه من سنوات الاحتلال إلى أفق التحرير.
ولهذا أرى أن الصورة الكاملة ل أكتوبر لا ينبغي أن تكون صورة الجندي وحده، رغم عظمة تضحياته، وإنما صورة وطن كامل: جيش يقاتل، وشعب يصمد، وأهل أرض يحافظون على هويتها، وأمة تنتظر لحظة النصر.

من العبور إلى التحرير
لم يكن السادس من أكتوبر نهاية الطريق، وإنما كان بداية مرحلة جديدة.
استمرت رحلة استعادة الأرض عبر سنوات من العمل العسكري والسياسي والدبلوماسي، حتى جاءت لحظة تحرير سيناء ورفع العلم المصري عليها في أبريل 1982.
وهنا تكتمل الحلقة في الذاكرة السيناوية.
فالأرض التي عاش أهلها سنوات الاحتلال عادت إلى الوطن، والبيوت التي ظلت تحمل حكايات الانتظار استقبلت مصر من جديد، والعلم الذي ظل حاضرًا في الوجدان عاد ليرفرف فوق أرض سيناء.
ولهذا فإن تحرير سيناء لا يمكن فصله عن صمود أهلها.
فإذا كان الجيش قد خاض معركة التحرير بالسلاح، فإن أبناء سيناء خاضوا، كلٌّ في موقعه، معركة أخرى للحفاظ على الإنسان والأرض والهوية والانتماء.
وهما وجهان لملحمة وطنية واحدة.

أكتوبر.. ليس للماضي وحده
بعد أكثر من خمسة عقود على العبور، يبقى السؤال الأهم: ماذا ترك أكتوبر لنا؟
ترك درسًا في الإرادة، وأثبت أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن الدول والشعوب تستطيع أن تستعيد قوتها عندما تتوافر الإرادة والوعي والعمل.
وترك درسًا آخر لا يقل أهمية: أن قوة الوطن لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما على تماسك جبهته الداخلية، ووعي شعبه، وقدرته على الصمود، وعلى وجود علاقة راسخة بين الإنسان وأرضه ووطنه.
ومن هنا فإن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نحتفل ب أكتوبر كل عام فقط، وإنما أن نحافظ على معناه.
أن نعلم أبناءنا أن الوطن ليس مجرد حدود على الخريطة، وأن سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما أرض لها تاريخ وذاكرة وهوية.
وأن ندرك أن الحفاظ على النصر لا يكون فقط باستعادة الأرض، وإنما أيضًا ببناء الإنسان، وترسيخ الوعي، ودعم التنمية، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ المكان وانتمائه الوطني.

ذاكرة أمة.. وملحمة وطن
حين أستعيد أكتوبر اليوم، أراه من زاوية مختلفة؛ أراه بعين ابنة سيناء التي عاشت سنوات الاحتلال، ثم شهدت كيف تحولت الأحلام إلى واقع، وكيف انتقلت سيناء من زمن الاحتلال إلى زمن التحرير.
أرى فيه جنديًا عبر القناة، وأمًا انتظرت ابنها، وأسرة تحملت، وأبناء سيناء صمدوا فوق أرضهم، وشعبًا كاملًا آمن بأن النصر ممكن.
لهذا فإن أكتوبر ليس ذكرى انتصار عسكري فحسب؛ إنه ذاكرة أمة وملحمة وطن.
ملحمة بدأت بالعبور، واستمرت بالصمود والتضحيات، وانتهت بعودة الأرض إلى أصحابها.
وإذا كان التاريخ قد سجل السادس من أكتوبر يومًا للعبور، فإن ذاكرة سيناء تسجله أيضًا يومًا بدأ فيه الحلم بالتحرير يتحول إلى حقيقة.

ومن هنا تبقى رسالتنا للأجيال الجديدة واضحة:
الأرض قد تمر بمحنة، لكن الهوية لا تُهزم. والوطن قد يواجه تحديات، لكن إرادة أبنائه قادرة على العبور.
وتبقى سيناء شاهدًا حيًا على أن الأرض التي يحميها أبناؤها، ويحفظون هويتها، ويؤمنون بوطنهم، لا يمكن أن تكون إلا جزءًا أصيلًا من هذا الوطن.
كل عام ومصر بخير، وكل عام و أكتوبر حاضر في وجدان الأمة، وكل عام وسيناء في قلب مصر؛ حرة، عزيزة، راسخة في الأرض والذاكرة والهوية.

خالص تحياتي

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان