العسل الأسود.. هل هو مجرد سكر أم مصدر للحديد والمعادن؟

العسل الأسود.. هل هو مجرد سكر أم مصدر للحديد والمعادن؟العسل الأسود

منوعات6-10-2026 | 14:23

رغم ارتباط العسل الأسود في أذهان كثيرين بأنه مجرد مصدر للسكر والسعرات الحرارية، فإنه يحتوي أيضًا على مجموعة من المعادن التي تميزه غذائيًا عن السكر الأبيض.

لكن في المقابل، فإن احتواءه على الحديد لا يعني أنه يمكن الاعتماد عليه وحده لعلاج الأنيميا أو تعويض نقص الحديد.

يوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، أن العسل الأسود تعرض لقدر من الظلم في صورتين متناقضتين؛ الأولى عندما جرى الترويج له باعتباره علاجًا لنقص الحديد، والثانية عندما اختُزلت قيمته الغذائية في كونه مجرد سكر.

ليس مجرد سكر

يقول الدكتور أحمد أبو الريش إن السؤال الأهم هو: هل القيمة الغذائية للعسل الأسود تقتصر بالفعل على كونه مصدرًا للسكر؟

ويوضح أن العسل الأسود يُعرف في أوروبا والولايات المتحدة باسم المولاسيس (Molasses)، لكن هناك اختلافات بين أنواع المولاسيس المستخدمة هناك وبين العسل الأسود الشائع في مصر، سواء من حيث طريقة الإنتاج أو التركيب النهائي للمنتج.

وفي صناعة السكر في بعض الدول، يكون المولاسيس منتجًا ثانويًا ينتج خلال مراحل تصنيع السكر، وتختلف نسبة السكريات والمعادن فيه بحسب مرحلة استخراجه ونوعه.

أما في مصر، فيوجد إنتاج مخصص للعسل الأسود، وغالبًا ما يعتمد على قصب السكر، كما توجد مصانع مخصصة لإنتاجه، ما يجعله منتجًا غذائيًا قائمًا بذاته وليس مجرد ناتج جانبي يُتخلص منه خلال صناعة السكر.

كيف يصنع؟

ويشير أخصائي التغذية العلاجية إلى أن العسل الأسود، أو دبس قصب السكر، يُنتج من عصير القصب بعد استخراجه وتركيزه.

وتبدأ العملية باستخلاص العصير، ثم غليه في أحواض كبيرة، ومع تبخر الماء تدريجيًا يصبح العصير أكثر سمكًا وتركيزًا. ومع استمرار عملية الغلي، تزداد كثافة المكونات الذائبة ويتحول اللون تدريجيًا إلى البني الداكن المميز للعسل الأسود.

وتختلف خصائص المنتج النهائي باختلاف المادة الخام وطريقة التصنيع ودرجة التركيز، لذلك لا تكون جميع المنتجات متطابقة في محتواها من السكر أو المعادن.

أنواع المولاسيس

يوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن المولاسيس يُصنف بصورة عامة، وفق مراحل الغلي، إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

Light Molasses: ينتج بعد المرحلة الأولى من الغلي، ويكون عادةً أكثر احتواءً على السكر مقارنة بالمراحل اللاحقة.

Dark Molasses: ينتج بعد مرحلة غلي إضافية، ويكون أكثر تركيزًا وأغمق لونًا.

Blackstrap Molasses: ينتج بعد مراحل إضافية من الغلي والتركيز، ويتميز عادةً بانخفاض نسبي في السكر مقارنة بالأنواع السابقة، مع زيادة تركيز بعض المعادن.

ويضيف أن العسل الأسود المصري قد يكون أقرب من حيث خصائصه إلى الأنواع الأكثر تركيزًا من المولاسيس، بحسب طريقة التصنيع والمنتج المستخدم.

العسل الأسود والسكر

وهنا يظهر السؤال: هل هناك فارق غذائي بين العسل الأسود والسكر الأبيض؟

يجيب الدكتور أحمد أبو الريش بأن السكر الأبيض يوفر بصورة أساسية السكروز والطاقة، بينما يحتوي العسل الأسود، إلى جانب السكريات، على بعض المعادن والعناصر الغذائية التي تتركز خلال عملية التصنيع، ومنها الحديد والكالسيوم والمغنيسيوم، بحسب نوع المنتج وطريقة تصنيعه.

وهذا يجعل العسل الأسود مختلفًا غذائيًا عن السكر الأبيض، لكنه لا يعني أنه غذاء منخفض السعرات أو يمكن تناوله بكميات كبيرة دون حساب كمية السكريات التي يوفرها.

ماذا عن مرضى السكر؟

ويحذر أخصائي التغذية العلاجية من التعامل مع العسل الأسود باعتباره مصدرًا أساسيًا للحديد أو الكالسيوم لدى الأشخاص المصابين بالسكري أو مقاومة الإنسولين.

فإذا كان الهدف هو الحصول على الحديد أو الكالسيوم، توجد مصادر غذائية أخرى يمكن الاعتماد عليها دون الحاجة إلى إضافة كميات كبيرة من السكريات إلى النظام الغذائي.

وبالتالي، فإن وجود معادن مفيدة في العسل الأسود لا يلغي حقيقة أنه غذاء يحتوي على كمية ملحوظة من السكريات، ولذلك يجب أن تتناسب الكمية المتناولة مع احتياجات الشخص وحالته الصحية ونظامه الغذائي.

هل يناسب الشخص السليم؟

أما بالنسبة للشخص السليم، فيمكن أن يكون العسل الأسود جزءًا من النظام الغذائي المتوازن عند تناوله باعتدال، خاصة أنه لا يوفر السكر فقط، وإنما يحتوي أيضًا على بعض المعادن.

لكن الفائدة الغذائية لا تعني أن تناوله مفتوح الكمية؛ ف العسل الأسود يظل مصدرًا للسكريات والطاقة، والإفراط في تناوله قد يزيد إجمالي السعرات والسكريات اليومية.

العسل الأسود والطحينة

ومن التركيبات الغذائية الشائعة في مصر تناول العسل الأسود مع الطحينة، ويرى الدكتور أحمد أبو الريش أن الجمع بينهما يمكن أن يكون اختيارًا غذائيًا جيدًا ضمن نظام متوازن.

فالطحينة المصنوعة من السمسم توفر الدهون والبروتين وبعض المعادن، ومن بينها الكالسيوم والحديد، كما أن وجود الدهون والبروتين إلى جانب مصدر السكريات قد يؤثر في سرعة الهضم وارتفاع سكر الدم مقارنة بتناول مصدر السكريات بمفرده.

لكن ذلك لا يعني أن الطحينة تلغي تأثير السكر الموجود في العسل الأسود أو تجعل الوجبة مناسبة دون حساب الكمية، وإنما يمكن أن يكون الجمع بين المكونين أكثر تنوعًا من الناحية الغذائية.

هل يعالج الأنيميا؟

أما الاعتقاد بأن تناول العسل الأسود يمكن أن يكون علاجًا لنقص الحديد، فيحتاج إلى تصحيح.

ويؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن العسل الأسود لا ينبغي الاعتماد عليه لعلاج أنيميا نقص الحديد، رغم احتوائه بالفعل على الحديد.

والسبب أن الحديد الموجود في الأطعمة النباتية هو في الأساس حديد غير هيمي (Non-heme iron)، ويكون امتصاصه في الجسم أقل من الحديد الهيمي الموجود في المصادر الحيوانية.

لذلك، إذا كان الشخص يعاني من نقص مثبت في الحديد أو أنيميا نقص الحديد، فلا ينبغي الاكتفاء بالعسل الأسود، وإنما يجب تحديد سبب النقص وتقييم درجة الأنيميا، ثم اتباع العلاج الذي يحدده الطبيب، سواء من خلال تعديل النظام الغذائي أو استخدام مكملات الحديد عند الحاجة.

كما أن الاستجابة للعلاج لا تعتمد فقط على كمية الحديد الموجودة في الطعام، وإنما تتأثر بمدى امتصاصه واحتياجات الجسم وسبب النقص.

الفائدة الحقيقية

ويخلص الدكتور أحمد أبو الريش إلى أن العسل الأسود يحتوي بالفعل على الحديد وبعض المعادن الأخرى، وبالتالي فإن القول بأنه "لا يحتوي على أي قيمة غذائية" غير دقيق.

وفي الوقت نفسه، فإن المبالغة في قيمته وتحويله إلى علاج للأنيميا أو مصدر وحيد للحديد ليست صحيحة أيضًا.

والصورة الأكثر دقة هي أن العسل الأسود غذاء يحتوي على السكريات، إلى جانب بعض المعادن، ويختلف تركيبه بحسب المنتج وطريقة التصنيع، ولذلك يمكن إدراجه ضمن النظام الغذائي للشخص السليم باعتدال.

أما مرضى السكري ومقاومة الإنسولين، فيحتاجون إلى مراعاة كمية السكريات والكربوهيدرات ضمن نظامهم الغذائي، ولا ينبغي اختيار العسل الأسود لمجرد الحصول على الحديد أو الكالسيوم، إذ توجد مصادر غذائية أخرى لهذه العناصر.

أما تناوله مع الطحينة، فيمكن أن يكون تركيبة غذائية جيدة من حيث تنوع المكونات، لكن يظل الاعتدال في الكمية هو الأساس، لأن العسل الأسود يظل مصدرًا للسكر والسعرات الحرارية.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان