المدارس الرسمية الدولية IPS.. تجربة تستحق الإنقاذ قبل أن نفقد بريقها

المدارس الرسمية الدولية IPS.. تجربة تستحق الإنقاذ قبل أن نفقد بريقهاد. حسني صادق

الرأى6-10-2026 | 17:39

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة المصرية إلى تطوير منظومة التعليم وبناء أجيال قادرة على المنافسة، ظهرت خلال السنوات الأخيرة تجارب تعليمية تستحق التوقف أمامها، ليس فقط لأنها قدمت نموذجًا مختلفًا، ولكن لأنها فتحت الباب أمام شرائح واسعة من الأسر المصرية للحصول على تعليم ذي طبيعة دولية بتكلفة أقل من نظيره في المدارس الدولية الخاصة.

ومن أبرز هذه التجارب المدارس الرسمية الدولية IPS.

بدأت التجربة عام 2018 بعدد محدود من الفروع، ثم أخذت في التوسع عامًا بعد آخر، حتى أصبحت تضم عشرات الفروع في القاهرة وعدد من المحافظات.

وكان اللافت في هذه التجربة أن أولياء الأمور لم يكونوا مجرد متلقين للخدمة التعليمية، وإنما تحولوا إلى ما يشبه «سفراء» لها؛ ينقلون تجاربهم إلى أقاربهم وأصدقائهم، ويشجعون الأسر على الالتحاق بها، بعدما وجدوا فيها فرصة للحصول على تعليم دولي في إطار منظومة تحظى برعاية الدولة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة.

فحين يثق المواطن في مشروع تعليمي تابع للدولة، فإن الحفاظ على هذه الثقة يصبح مسؤولية لا تقل أهمية عن الحفاظ على المباني والمناهج والتجهيزات.
لكن خلال الفترة الأخيرة بدأت تظهر على السطح مجموعة من التساؤلات والمخاوف لدى قطاع من أولياء الأمور، خصوصًا بعد إسناد بعض أعمال الإدارة والتشغيل إلى شركة خاصة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على مبدأ الاستعانة بالقطاع الخاص، فهذا أمر يمكن أن يكون مفيدًا إذا كان الهدف هو رفع الكفاءة وتحسين مستوى الخدمة.

لكن السؤال الأهم هو:

هل أدى هذا الإسناد بالفعل إلى التطوير الذي انتظرناه؟

وهل أصبحت المدارس أفضل من حيث العملية التعليمية والخدمات والتجهيزات والاستقرار الإداري؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة.

أين المعلمون؟

من أكثر الملفات التي تشغل أولياء الأمور حاليًا ملف المعلمين.

فالتعليم الدولي يحتاج إلى كوادر لديها خبرة حقيقية بالمناهج وطبيعة التدريس وأساليب التقييم، ولا يمكن أن تنجح أي منظومة تعليمية مهما كانت قوة مناهجها دون معلم مؤهل ومستقر.

ويشير أولياء أمور في عدد من الفروع إلى وجود عجز في أعداد المعلمين، فضلًا عن مغادرة بعض أصحاب الخبرة، وهو أمر – إذا ثبت واستمر – يستحق مراجعة جادة؛ لأن خسارة المعلم المتميز لا تعني مجرد شغور وظيفة، وإنما تعني فقدان خبرة تراكمية يحتاج بناءها إلى سنوات.

ولذلك فإن السؤال ليس فقط: كم عدد المعلمين الموجودين؟
ولكن أيضًا:

ما مستوى خبراتهم؟ وما درجة استقرارهم؟ وهل يشعرون بالأمان المهني الذي يساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم؟

المدرسة ليست مبنى فقط
المشكلة الثانية التي يتحدث عنها أولياء الأمور تتعلق بالخدمات والتجهيزات.

هناك شكاوى بشأن الصيانة، والمعامل، والأنشطة، والتكييف، ومياه الشرب،والمظلات، وأماكن حفظ متعلقات الطلاب، إلى جانب شكاوى أخرى تتعلق بالنظافة وبعض المرافق الأساسية في بعض الفروع.

وقد يرى البعض أن هذه التفاصيل صغيرة.

لكنها بالنسبة لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره ليست تفاصيل على الإطلاق.
طفل يقضي جزءًا كبيرًا من يومه داخل المدرسة يحتاج إلى مكان آمن ونظيف ومجهز، ومياه صالحة للشرب، ودورات مياه نظيفة، ووسائل حماية من حرارة الشمس، وبيئة تساعده على التعلم لا أن تشغله بالمشكلات اليومية.

جودة التعليم تبدأ من جودة البيئة التي يتلقى فيها الطفل هذا التعليم.

المصروفات.. السؤال الذي يشغل كل بيت ثم يأتي ملف المصروفات الدراسية، وهو من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أولياء الأمور.

فالأسر لا تعترض بالضرورة على أن تتغير تكلفة التعليم مع تغير تكاليف التشغيل، لكنها تحتاج إلى أن تعرف بوضوح:

كيف تم تحديد المصروفات؟

ومن الجهة التي اعتمدتها؟

وما الأساس الذي استندت إليه الزيادة؟

وكيف تم الإعلان عنها؟

وهل تتفق إجراءات التحصيل مع القواعد والقرارات المنظمة؟

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها بشفافية يمكن أن تنهي مساحة كبيرة من الجدل.
كما أن مراجعة وسائل السداد والرسوم المرتبطة بها أمر يستحق الاهتمام، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية.

من يراقب؟

ربما يكون السؤال الأهم في كل ما سبق هو: من يتابع؟

إذا كانت هناك جهة تتولى الإدارة أو التشغيل، فمن الطبيعي أن تكون هناك جهة رقابية تتابع الأداء، وتقيس النتائج، وتستقبل شكاوى المستفيدين، وتتأكد من تنفيذ الهدف الذي تم الإسناد من أجله.

والرقابة هنا ليست خصومة مع الشركة أو الجهة المشغلة.

على العكس تمامًا.

الرقابة الجيدة تحمي المؤسسة وتحمي المستثمر وتحمي المعلم وتحمي ولي الأمر، وفي النهاية تحمي الطالب.

ولهذا فإن وجود آلية واضحة ومعلنة للمتابعة والمحاسبة يصبح أمرًا ضروريًا في أي تجربة بهذا الحجم.

نريد التطوير.. لا نريد العودة إلى الوراء

هذه ليست دعوة لإلغاء تجربة المدارس الرسمية الدولية، ولا اعتراضًا على التطوير، ولا موقفًا ضد الاستعانة بالقطاع الخاص.

بل ربما يكون العكس هو الصحيح.

نحن نريد أن تنجح التجربة.

نريد أن تتوسع.

نريد أن تصبح المدارس الرسمية الدولية نموذجًا يمكن البناء عليه في تطوير التعليم المصري.

لكن التطوير الحقيقي لا يقاس فقط بتغيير الإدارة أو توقيع العقود، وإنما بما يراه الطالب داخل الفصل، وما يلمسه ولي الأمر في مستوى الخدمة، وما يشعر به المعلم في بيئة العمل.

ومن هنا فإن المطلوب، في تقديري، هو مراجعة شاملة وهادئة للمنظومة، تشمل:
مستوى المعلمين وأعدادهم واستقرارهم المهني.

جودة الخدمات والتجهيزات في جميع الفروع.

أعمال الصيانة والبنية الأساسية.

مستوى النظافة والمرافق.

المصروفات الدراسية وآلية اعتمادها وإعلانها.

وسائل تحصيل المصروفات والرسوم المرتبطة بها.

طبيعة الإسناد ومسؤوليات كل طرف.

آليات الرقابة والمتابعة.

تفعيل دور مجالس الأمناء والآباء والمعلمين.

إنشاء قناة مؤسسية واضحة لاستقبال شكاوى ومقترحات أولياء الأمور.
كلمة أخيرة

المدارس الرسمية الدولية لم تبدأ باعتبارها مجرد مشروع تجاري.

بدأت كفكرة تحمل رسالة: توفير تعليم دولي جيد لأبناء الأسر المصرية بتكلفة يمكن تحملها.

ولهذا فإن الحفاظ على نجاحها مسؤولية مشتركة بين الوزارة، والإدارة، والمعلمين، وأولياء الأمور، وكل من له علاقة بهذه المنظومة.

وأعتقد أن أولياء الأمور لا يريدون أكثر من شيء واحد:

أن يذهب أبناؤهم إلى المدرسة وهم مطمئنون إلى أنهم يحصلون على التعليم الذي دفعوا من أجله، وأن المدرسة التي وثقوا بها ما زالت تسير في الاتجاه الصحيح.

فأبناؤنا ليسوا أرقامًا في كشوف المصروفات، ولا أسماء في سجلات الحضور والانصراف.

إنهم مستقبل مصر.

وإذا كانت الدولة قد نجحت في بناء تجربة تعليمية جذبت ثقة آلاف الأسر، فإن الحفاظ على هذه الثقة وتطويرها يجب أن يكون هدفًا لا يختلف عليه أحد.

المدارس الرسمية الدولية IPS تجربة تستحق أن تكبر.. لكن الأهم أن تكبر وهي تحتفظ بجودة التعليم، وثقة الأسرة، وحق الطفل في بيئة تعليمية تليق بمستقبل مصر.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان