"تفاحة يوميًا تغنيك عن زيارة الطبيب".. مقولة شهيرة ارتبطت بالتفاح منذ الطفولة، لكن مع مرور الوقت ظهرت تحذيرات مختلفة حول قشر التفاح والطبقة الشمعية التي تغطيه، حتى أصبح البعض يتعامل معه باعتباره مادة بلاستيكية لا تهضم، ويفضل تقشير الثمرة والتخلص من القشرة.
لكن هل قشر التفاح فعلًا مجرد طبقة لا فائدة منها؟ وهل الطبقة الشمعية الموجودة على سطح الثمرة تمثل خطرًا على الصحة؟ ولماذا يتحول التفاح إلى اللون البني بعد تقطيعه، بينما توجد أنواع تظل بلونها الفاتح لفترة أطول؟
يوضح الدكتور محمد خلف، أخصائي التغذية العلاجية، حقيقة هذه المعلومات، وما الذي يجعل تناول التفاح بقشره خيارًا غذائيًا مفيدًا عند غسله جيدًا.
حكاية التفاحة
يعد التفاح من الفواكه المحبوبة لدى كثير من الأشخاص، وربما ارتبط في أذهان أجيال كاملة بالمقولة الإنجليزية الشهيرة:
An apple a day keeps the doctor away
أي "تفاحة يوميًا تبعد الطبيب عنك"، وهي عبارة شعبية لا ينبغي فهمها حرفيًا باعتبارها ضمانًا للوقاية من الأمراض أو بديلًا عن الرعاية الطبية، لكنها تعكس الصورة القديمة للتفاح كجزء من الغذاء الصحي.
ومع انتشار معلومات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأ البعض يتساءل عن قشر التفاح، والطبقة اللامعة التي تغطيه، وما إذا كان تناولها يعني الحصول على مادة "بلاستيكية" لا يستطيع الجسم هضمها.
طبقة حماية طبيعية
يقول الدكتور محمد خلف إن النباتات والفواكه تمتلك في الطبيعة طبقات ومواد تساعدها على حماية نفسها من فقدان الماء والعوامل البيئية المختلفة.
وتوجد على سطح التفاح طبقة شمعية طبيعية تساعد الثمرة على الاحتفاظ بالماء وتقليل فقده، كما تسهم في حمايتها خلال فترة التخزين.
وبعد حصاد التفاح وتداوله، قد تقل بعض مكونات الطبقة الطبيعية الموجودة على سطحه، ولذلك يمكن في بعض الحالات استخدام طبقات شمعية غذائية إضافية للحفاظ على جودة الثمار ومظهرها وتقليل فقد الرطوبة أثناء التخزين.
ولا يصح وصف هذه الطبقة ببساطة بأنها "بلاستيك"، فالشمع الغذائي المستخدم على الفواكه يختلف عن البلاستيك، وتُستخدم أنواع مسموح بها غذائيًا وفق اللوائح المنظمة للمواد المضافة والتعامل مع الأغذية.
لا تتخلص من القشرة
ويشير أخصائي التغذية العلاجية إلى أن تقشير التفاح والتخلص من القشرة يعني فقد جزء من مكوناته الغذائية، وعلى رأسها الألياف وبعض المركبات النباتية المضادة للأكسدة.
ومن بين الألياف الموجودة في التفاح البكتين، وهو نوع من الألياف القابلة للذوبان، ويمكن أن يساهم في دعم صحة الجهاز الهضمي، كما يعد من الألياف التي يمكن أن تستفيد منها بكتيريا الأمعاء النافعة.
ولا يعني ذلك أن جميع فوائد التفاح موجودة في القشرة وحدها؛ فلب الثمرة نفسه يحتوي على الماء والكربوهيدرات والألياف ومركبات نباتية مختلفة، لكن القشرة تضيف قدرًا مهمًا من الألياف والمركبات النباتية إلى الوجبة.
ماذا عن مرضى السكري؟
وجود الألياف في التفاح، خاصة الألياف القابلة للذوبان مثل البكتين، يمكن أن يساعد على إبطاء عملية الهضم وامتصاص الكربوهيدرات مقارنة بتناول أطعمة فقيرة بالألياف.
لكن من غير الدقيق القول إن تناول التفاح بقشره "لا يرفع سكر الدم"، فالتفاح يحتوي في النهاية على كربوهيدرات وسكريات طبيعية، وقد يؤثر في مستويات الجلوكوز بدرجات تختلف حسب كمية التفاح وطريقة تناوله والحالة الصحية للشخص.
لذلك يمكن أن يكون التفاح جزءًا من نظام غذائي مناسب لمريض السكري أو مقاومة الإنسولين، مع مراعاة الكمية وإجمالي الكربوهيدرات في الوجبة.
لو أتعبك القشر
أما الأشخاص الذين يشعرون بأن التفاح النيء أو قشره يسبب لهم الانتفاخ أو عدم الراحة الهضمية، فيمكن تجربة تناوله بعد الطهي الخفيف.
فعند تسخين التفاح، تلين الأنسجة وتصبح الفاكهة أكثر سهولة في المضغ والهضم بالنسبة لبعض الأشخاص، كما يستخدم البكتين في تكوين القوام الهلامي لبعض المنتجات مثل المربى.
لكن لا يعني الطهي بالضرورة أن كمية البكتين "تزيد" ببساطة، فالتسخين يغير تركيب الأنسجة ويؤثر في خصائص البكتين، وهو ما يجعل التفاح المطهو أكثر ليونة وقد يعطيه قوامًا قريبًا من المهروس أو المربى.
ويمكن إضافة القليل من القرفة بعد طهي التفاح للحصول على نكهة مميزة، مع الانتباه إلى أن القرفة ليست علاجًا للقولون أو الإمساك.
قشر التفاح والإمساك
إذا كان الهدف زيادة تناول الألياف للمساعدة في الوقاية من الإمساك، فإن التفاح بقشره يمكن أن يكون أحد الخيارات المفيدة ضمن نظام غذائي متنوع يحتوي أيضًا على الخضروات والحبوب الكاملة والبقوليات.
كما أن الحصول على كمية كافية من السوائل أمر مهم عند زيادة الألياف، لأن تناول الألياف دون شرب كمية مناسبة من الماء قد يزيد الشعور بالانتفاخ أو الإمساك لدى بعض الأشخاص.
لماذا يسمر التفاح؟
ومن أكثر المعلومات الشائعة حول التفاح الاعتقاد بأن تغير لونه إلى البني بعد تقطيعه يحدث بسبب وجود الحديد بداخله.
لكن هذا الاعتقاد غير صحيح.
فالتفاح ليس مصدرًا غنيًا بالحديد، والاسمرار الذي يحدث بعد تقطيعه يرتبط أساسًا بعملية تسمى الأكسدة الإنزيمية.
فعندما يتم تقطيع التفاحة، تتعرض الأنسجة الداخلية للهواء، ويتفاعل إنزيم يعرف باسم Polyphenol Oxidase (PPO) مع مركبات نباتية تسمى البوليفينولات، فتتكون مركبات تؤدي إلى ظهور اللون البني على سطح الثمرة.
ولهذا السبب يمكن أن يتحول لون التفاحة إلى البني بعد تقطيعها، حتى لو لم تكن تحتوي على كمية كبيرة من الحديد.
تفاح لا يسمر
وهنا تظهر أنواع معينة من التفاح التي تم تطويرها باستخدام تقنيات التربية النباتية والتعديل الجيني بهدف تقليل الاسمرار بعد التقطيع، ومن أشهرها Arctic Apple.
وفي هذه الأصناف جرى استهداف نشاط إنزيم Polyphenol Oxidase المسؤول عن جزء أساسي من عملية الاسمرار، بحيث يقل التغير في اللون بعد تقطيع الثمرة وتعريضها للهواء.
والهدف الأساسي من هذه التقنية هو تقليل الاسمرار والحفاظ على المظهر لفترة أطول بعد التقطيع، وليس تحويل التفاح إلى ثمرة مختلفة غذائيًا.
وبشكل عام، فإن الحكم على القيمة الغذائية لأي منتج معدل وراثيًا لا يكون بمجرد وصفه بأنه "معدل وراثيًا"، وإنما من خلال خصائص المنتج نفسه وتركيبته الغذائية والغرض الذي تم تطويره من أجله.
هل نأكل التفاح بقشره؟
الخلاصة، لا يوجد سبب عام يدعو إلى اعتبار قشر التفاح مادة "بلاستيكية" أو عديمة الفائدة، فالقشرة تحتوي على ألياف ومركبات نباتية مهمة، بينما توجد على سطح الثمرة طبقة شمعية طبيعية تساعدها على الحماية.
والأفضل عند تناول التفاح بقشره غسله جيدًا تحت الماء الجاري وفرك سطحه بلطف لإزالة الأتربة وبقايا المواد الموجودة على سطحه، مع اختيار الثمار من مصادر موثوقة.
أما إذا كان القشر يسبب مشكلة هضمية لشخص معين، فيمكن تجربة التفاح المقشر أو المطهو بدلًا من إجبار النفس على تناوله بالقشرة.