تحتل الحلاوة الطحينية مكانة خاصة على مائدة كثير من الأسر، ويعتبرها البعض مجرد حلوى غنية بالسكر، بينما يراها آخرون وجبة غذائية متكاملة يمكن الاعتماد عليها يوميًا. وبين الرأيين، تبقى الحقيقة أكثر توازنًا، ف الحلاوة الطحينية تعتمد أساسًا على السمسم، لكنها تحتوي أيضًا في معظم أنواعها على كميات من السكر والدهون، ما يجعل قيمتها الغذائية مرتبطة بالكمية ونوع المنتج وطريقة تناوله.
فهل يمكن أن تكون الحلاوة الطحينية بديلًا مناسبًا عن بعض منتجات الشوكولاتة للأطفال؟ وهل تصلح لطفل يعاني من النحافة؟ وهل تساعد فعلًا على زيادة إدرار اللبن لدى المرضعات؟
يوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، أبرز الحقائق حول الحلاوة الطحينية، وكيف يمكن إدخالها ضمن النظام الغذائي دون المبالغة في فوائدها أو التعامل معها باعتبارها طعامًا ممنوعًا.
بين السكر والسمسم
يرى الدكتور أحمد أبو الريش أن الجدل حول الحلاوة الطحينية يعود إلى أن البعض ينظر إليها باعتبارها «سكرًا فقط»، بينما يبالغ آخرون في وصفها بأنها طعام صحي بالكامل.
والحقيقة أن الحلاوة الطحينية تُصنع أساسًا من الطحينة المصنوعة من السمسم، ولذلك فهي تحتوي على البروتين والدهون، إلى جانب مجموعة من المعادن والعناصر الغذائية، من بينها الكالسيوم والمغنيسيوم و الحديد والبوتاسيوم، فضلًا عن بعض المركبات النباتية الموجودة طبيعيًا في السمسم.
لكن في المقابل، يضاف السكر إلى كثير من منتجات الحلاوة الطحينية، ولذلك ترتفع كثافتها من حيث السعرات الحرارية، كما تختلف تركيبتها الغذائية من منتج إلى آخر بحسب كمية السمسم والسكر والدهون والمكونات المستخدمة في التصنيع.
مصدر للكالسيوم
يحتوي السمسم ومنتجاته على الكالسيوم، وهو معدن مهم لصحة العظام والأسنان، إلى جانب أدواره الأخرى في الجسم.
لكن لا يعني ذلك أن الحلاوة الطحينية وحدها تكفي لتغطية احتياجات الطفل أو البالغ من الكالسيوم، فالحصول على العناصر الغذائية يجب أن يأتي من مصادر متنوعة، مثل منتجات الألبان أو البدائل المدعمة بها، والأسماك التي تؤكل بعظامها، وبعض الخضروات والبقوليات وغيرها من الأطعمة.
هل تعالج الأنيميا؟
من المعلومات المتداولة عن الحلاوة الطحينية أنها مفيدة لمرضى الأنيميا بسبب احتوائها على الحديد.
وبالفعل، يحتوي السمسم على الحديد، لكن هذا الحديد من الحديد غير الهيمي (Non-heme iron) الموجود في المصادر النباتية، والذي يكون امتصاصه عمومًا أقل كفاءة من الحديد الهيمي الموجود في المصادر الحيوانية.
ولهذا، لا يصح اعتبار الحلاوة الطحينية علاجًا للأنيميا أو الاعتماد عليها وحدها لتعويض نقص الحديد.
ويمكن تحسين امتصاص الحديد النباتي من خلال تناول مصادر فيتامين C ضمن الوجبة أو بالقرب منها، مثل الفلفل والحمضيات والجوافة وغيرها، بينما يظل علاج نقص الحديد الفعلي مرتبطًا بتحديد السبب ودرجة النقص واتباع توصيات الطبيب عند الحاجة.
وماذا عن ضغط الدم؟
تحتوي بذور السمسم على معادن مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم، وهي عناصر لها أدوار مهمة في وظائف العضلات والأعصاب وتنظيم ضغط الدم.
لكن وجود هذه العناصر لا يعني أن الحلاوة الطحينية "لا تمثل أي خطورة" لمريض ضغط الدم؛ لأن المنتج قد يحتوي أيضًا على كمية مرتفعة من السعرات والدهون والسكر، وقد تختلف كمية الصوديوم من منتج إلى آخر.
لذلك، يمكن لمريض ارتفاع ضغط الدم تناولها ضمن نظامه الغذائي إذا كانت مناسبة لاحتياجاته، لكن الكمية ونوع المنتج يظلان عاملين أساسيين.
مريض السكري والاعتدال
أما مريض السكري، فلا يمكن القول إن الحلاوة الطحينية لا ترفع سكر الدم لمجرد احتوائها على الدهون والبروتين.
فهي تحتوي على السكر والكربوهيدرات، وبالتالي يمكن أن تؤثر في مستوى الجلوكوز، بينما قد تؤدي الدهون والبروتين والألياف إلى إبطاء سرعة إفراغ المعدة وامتصاص الكربوهيدرات مقارنة بتناول السكر وحده.
ولهذا، قد يستطيع مريض السكري إدخال كمية صغيرة منها ضمن نظامه الغذائي وفق احتياجاته، مع حساب الكمية والكربوهيدرات ومراقبة استجابة الجسم، بدلًا من اعتبارها طعامًا "مفتوحًا" لمجرد أن ارتفاع السكر قد لا يكون سريعًا لدى بعض الأشخاص.
لطفل يعاني النحافة
أما الأطفال الذين يعانون من النحافة أو لا يحصلون على احتياجاتهم من الطاقة، فقد تكون الحلاوة الطحينية من الأطعمة عالية الكثافة في السعرات التي يمكن إدخالها ضمن النظام الغذائي، بحسب عمر الطفل واحتياجاته.
لكن الأفضل ألا يكون الهدف مجرد زيادة الوزن بأي طريقة، وإنما الحصول على سعرات غذائية ذات قيمة من مجموعة متنوعة من الأطعمة التي توفر البروتين والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن.
ولهذا يمكن استخدام كمية مناسبة من الحلاوة الطحينية مع الخبز الكامل أو ضمن وجبة متوازنة، بدلًا من الاعتماد على الحلويات والمنتجات الغنية بالسكر المضاف فقط.
هل تزيد إدرار اللبن؟
ومن أكثر المعتقدات الشعبية المرتبطة ب الحلاوة الطحينية أنها تساعد الأم المرضعة على زيادة إدرار اللبن.
ويؤكد الدكتور أحمد أبو الريش أن لا توجد أدلة علمية قوية تثبت أن الحلاوة الطحينية بحد ذاتها تزيد إنتاج حليب الثدي.
وقد تشعر بعض الأمهات بتحسن عام عند تناولها، خصوصًا إذا كانت تحصل على سعرات وطاقة غير كافية، لكن هذا يختلف عن إثبات أن الحلاوة نفسها تعمل على زيادة إنتاج اللبن.
إنتاج حليب الثدي يتأثر بصورة أساسية بعملية إفراغ الثدي وتكرار الرضاعة أو الشفط، وكفاءة التقام الطفل للثدي، إلى جانب الحالة الصحية والتغذية والسوائل وعوامل أخرى.
ومن هنا ربما ارتبطت الحلاوة الطحينية في الذاكرة الشعبية بالرضاعة؛ لأنها طعام غني بالطاقة، وقد يساعد تناولها ضمن نظام غذائي متوازن الأم على تلبية احتياجاتها من السعرات، لكن لا ينبغي وصفها كمدرّ للحليب.
لماذا يعتقد البعض أنها تزيد الوزن؟
ارتباط الحلاوة الطحينية بزيادة الوزن قد يكون له تفسير بسيط؛ فهي غذاء مرتفع نسبيًا في السعرات بسبب احتوائها على السمسم والدهون، إضافة إلى السكر الموجود في كثير من أنواعها.
لذلك، تناول كميات كبيرة منها بشكل متكرر قد يرفع إجمالي السعرات اليومية، وبالتالي قد يؤدي إلى زيادة الوزن إذا تجاوز الشخص احتياجاته من الطاقة.
والأمر نفسه ينطبق على كثير من الأطعمة والمشروبات التي ارتبطت شعبيًا بزيادة الوزن؛ فالنتيجة في النهاية تعتمد بدرجة كبيرة على إجمالي السعرات وتركيب النظام الغذائي.
اختاري النوع الأفضل
ويحذر الدكتور أحمد أبو الريش من التعامل مع جميع منتجات الحلاوة الطحينية باعتبارها متساوية في القيمة الغذائية.
فبعض المنتجات التجارية قد تحتوي على كميات مرتفعة من السكر المضاف أو زيوت نباتية ومكونات إضافية، ولذلك من المهم قراءة قائمة المكونات والبطاقة الغذائية قبل الشراء.
وكلما كانت تركيبة المنتج أبسط، وكانت نسبة السمسم أو الطحينة واضحة، مع الاعتدال في السكر المضاف، كان من الأسهل التحكم في جودة الاختيار.
كما يمكن تحضير الحلاوة الطحينية في المنزل باستخدام مكونات معروفة، مع إمكانية تقليل كمية السكر المضاف بحسب الوصفة، لكن ذلك لا يعني أنها تصبح منخفضة السعرات؛ ف السمسم نفسه غني بالدهون والطاقة.
ليست ممنوعة ولا سحرية
في النهاية، الحلاوة الطحينية ليست طعامًا يجب منعه تمامًا، كما أنها ليست غذاءً خارقًا يصلح الاعتماد عليه يوميًا بكميات كبيرة.
فهي تجمع بين فوائد غذائية تأتي من السمسم، مثل البروتين وبعض المعادن والدهون، وبين كمية من السكر والسعرات التي يجب أخذها في الاعتبار.
ولهذا فإن الكمية ونوع المنتج وتوازن النظام الغذائي بالكامل هي العوامل الأهم.
ويمكن تقديم الحلاوة الطحينية للأطفال أو تناولها للبالغين ضمن نظام غذائي متنوع، مع عدم استخدامها كعلاج للأنيميا، أو كوسيلة مؤكدة لزيادة إدرار اللبن، أو باعتبارها بديلًا صحيًا بلا حدود عن جميع أنواع الحلويات.