مصر تحمي ذاكرتها الوطنية.. صفحات خالدة من ذاكرة مصر الهندسية

مصر تحمي ذاكرتها الوطنية.. صفحات خالدة من ذاكرة مصر الهندسيةصفحات خالدة من ذاكرة مصر الهندسية

بين أروقة جمعية المهندسين المصرية، لا تحتوى الكتب والخرائط والرسومات على معلومات هندسية فقط، إنما تحتفظ بصفحات من ذاكرة مصر؛ مشروعات كبرى، ودراسات علمية، وتصميمات معمارية، وخرائط للري، ووثائق ترصد مراحل مهمة من تاريخ الهندسة المصرية.

من بين مقتنيات الجمعية كتب نادرة، ومجلدات، وخرائط لمشروعات قومية مثل سد أسوان وقناطر نجع حمادي، وكتب عن العمارة المصرية و جامع السلطان حسن ، إلى جانب مجموعات استقبلتها الجمعية من مكتبات شخصيات عامة ومهندسين بارزين، فضلًا عن إصدارات قديمة باللغتين الفرنسية والروسية.

وللحفاظ على هذه المقتنيات النادرة، تعمل الجمعية على مشروع لرقمنتها، في محاولة لإنقاذها من عوامل الزمن، وإتاحتها للأجيال الجديدة، والباحثين، لتظل مكتبة جمعية المهندسين شاهدًا حيًا على تاريخ الهندسة في مصر.

مجلة جمعية المهندسين.. سجل حافل لمسيرة عريقة

ضمن مقتنيات جمعية المهندسين المصرية، تحتفظ الجمعية بمجموعة نادرة من الأعداد القديمة لمجلتها، والتي تمثل جانبًا من تاريخها العلمي والثقافي الممتد لعقود طويلة، وتعود بعض هذه الأعداد إلى عام 1929، بينما تمتد المجموعة إلى سنوات لاحقة، من بينها أعداد تعود إلى عام 1945، بما يعكس استمرارية النشاط العلمي للجمعية وحرصها على توثيق إنتاجها ونشره.


وترتبط المجلة بالرسالة الأساسية التي قامت عليها جمعية المهندسين المصرية، والمتمثلة في العمل في المجال العلمي والثقافي للهندسة، وتشجيع الدراسات والبحوث الهندسية والعلمية والتطبيقية ونشرها، ومنذ السنوات الأولى لنشاط الجمعية، أولت اهتمامًا كبيرًا بالمحاضرات الهندسية التي كان يلقيها أعضاؤها في مختلف فروع الهندسة، وكانت تعمل على طبع هذه المحاضرات وتوزيعها على من حضرها ومن لم يتمكن من حضورها، بما يتيح الاستفادة منها على نطاق أوسع.

كما استقر نظام الجمعية على أن يكون لها كتاب تدون فيه أعمالها، بما يسهل التواصل بين أعضائها ويتيح لغير الأعضاء الاطلاع على آثار جهودها العلمية والإدارية والمالية، وبدأ توزيع أول كتب الجمعية في 25 نوفمبر عام 1923، واستمرت إصداراتها بعد ذلك، واليوم تمثل الأعداد القديمة من مجلة جمعية المهندسين المصرية وإصداراتها جزءًا من مقتنيات الجمعية التي يجري العمل على الحفاظ عليها ورقمنتها، إلى جانب محاضر مجالس الإدارة والوثائق والرسومات الهندسية والمراجع العلمية الموجودة بمكتبتها، وتضم مكتبة الجمعية مجموعة من الكتب والمراجع العلمية في مختلف تخصصات الهندسة، إلى جانب الدراسات والرسائل العلمية، فضلًا عن الوثائق والرسومات الخاصة بعدد من المشروعات الهندسية.


وتظل المجلة، بأعدادها القديمة، شاهدًا على جانب من مسيرة جمعية المهندسين المصرية، التي تأسست في 3 ديسمبر 1920، وعلى الدور الذي قامت به في نشر المعرفة الهندسية وتبادل الخبرات بين المهندسين.

جامع السلطان حسن.. تفاصيل العمارة في صفحات كتاب نادر

في مكتبة جمعية المهندسين المصرية، تحتفظ الجمعية بمقتنيات ووثائق ترصد جانبًا من تاريخ العمارة في مصر، من بينها كتاب يتناول جامع السلطان حسن، إلى جانب جامع الرفاعي ومسجد آخر، من خلال وصف معماري تفصيلي لأجزاء المباني وعناصرها.

الكتاب لا يتعامل مع المبنى باعتباره كتلة معمارية واحدة، وإنما يتوقف عند تفاصيله جزءًا جزءًا؛ فيصف القناديل والعناصر النحاسية وغيرها من مكونات المبنى، موضحًا شكل كل عنصر وطرازه والحضارة التي ينتمي إليها، ويأتي الكتاب في صورة لافتة؛ إذ صُمم على هيئة مجلد، مع فواصل بين الصفحات، ويضم إلى جانب النصوص مجموعة من الرسومات والإسكتشات المعمارية التي توضح تفاصيل المبنى. وهي الرسومات التي تشبه الخرائط والمخططات التي توضع للمباني لتحديد شكلها وتفاصيلها المعمارية.

وتحتفظ الجمعية بأكثر من نسخة من الكتاب؛ منها واحدة باللغة العربية، وأخرى باللغة الفرنسية، إلى جانب نسخة خاصة بالصور والرسومات، بما يتيح توثيق المبنى من أكثر من جانب، وتحمل النسخة الفرنسية دلالة على طبيعة المرحلة التي ظهرت فيها هذه الكتب والمراجع، إذ تضم مكتبة الجمعية عددًا من الكتب باللغة الفرنسية، وهي مقتنيات تعود إلى مراحل مبكرة من تاريخ الجمعية، لكن مرور الزمن ترك أثره على بعض هذه المقتنيات، فالتعامل المتكرر مع الكتب القديمة وفتحها بصورة مستمرة أدى إلى تضرر بعض الصفحات، حتى إن بعض أوراق الكتاب بدأت تتفتت وتذوب بفعل حالتها المتقدمة، وتتطلب مثل هذه الكتب إجراءات متخصصة للحفاظ عليها، من بينها عمليات الترميم والمعالجة التي تقوم بها الجهات المتخصصة في ترميم الكتب والمقتنيات الورقية، كما هو متبع في المؤسسات والمتاحف التي تضم مجموعات تاريخية مشابهة.

ولا تقتصر قيمة هذه المقتنيات على قدمها، إنما تمتد إلى ما تحمله من معلومات عن تاريخ العمارة المصرية، وطريقة توثيق المباني وعناصرها وتفاصيلها في فترات تاريخية مختلفة، ومن بين هذه المقتنيات أيضًا كتب ووثائق مرتبطة بالمباني الفرنسية، تكشف جانبًا من طبيعة الكتب والمراجع التي كانت متداولة في تلك الفترة. وتضم المكتبة عددًا كبيرًا من الكتب باللغة الفرنسية، في سياق تاريخي شهد حضورًا واسعًا للعلماء والمهندسين والمراجع الفرنسية في مصر.

وتكشف بعض الوثائق المصاحبة لهذه الكتب عن لجان شُكلت لإعداد أعمال ودراسات مرتبطة بهذه المراجع، مع تحديد ميزانيات لتنفيذها. وتظهر إحدى الوثائق تكلفة بلغت 20 ألف جنيه مصري لإعداد أحد هذه الأعمال في تلك الفترة، وبين صفحات كتاب يوثق تفاصيل جامع السلطان حسن، ونسخه العربية والفرنسية، ورسوماته وإسكتشاته، تبدو المكتبة وكأنها تحتفظ ليس فقط بكتاب عن أثر تاريخي، إنما بوثيقة ترصد الطريقة التي نظر بها المهندسون والباحثون إلى العمارة المصرية ووثقوا تفاصيلها جيلاً بعد جيل.

قبل أن يصبح السد واقعًا.. خرائط أسوان النادرة

خرائط ووثائق هندسية قديمة، من بينها خرائط خاصة ب سد أسوان وأعمال الري، تحتفظ بها مكتبة جمعية المهندسين المصرية، ومن بين هذه المقتنيات خرائط تعود إلى عام 1939، إلى جانب مجموعة أخرى من الخرائط والكتب المتعلقة بحوض النيل، وتضم المكتبة عددًا من المقتنيات الخاصة بأعمال الري والمشروعات الهندسية، بما يعكس جانبًا من التراث الذي احتفظت به الجمعية منذ تأسيسها عام 1920.

وتأتي خرائط سد أسوان ضمن هذه المجموعة التي تضم وثائق وخرائط هندسية مرتبطة بالمشروعات الكبرى، وتحفظ جانبًا من تاريخ العمل الهندسي في مصر خلال تلك الفترة، كما توجد بالمكتبة كتب ومراجع متخصصة تتناول حوض النيل والري، إلى جانب خرائط ووثائق أخرى يرجع تاريخها إلى مراحل مختلفة من تاريخ الجمعية، وتبقى هذه الخرائط شاهدًا على جانب من الذاكرة الهندسية المصرية، بما تحمله من تفاصيل توثق مشروعات الري وأعمال الهندسة التي ارتبطت بتاريخ مصر.

تخطيط القرى المصرية.. خرائط تحفظ ذاكرة استصلاح الأراضي وتعميرها

من بين المقتنيات الهندسية التي تحتفظ بها جمعية المهندسين المصرية، مجموعة من الخرائط والمجلدات التي توثق مشروعات تخطيط القرى واستصلاح الأراضي وتعميرها، وتكشف جانبًا من أعمال التخطيط والمرافق في مصر، وتضم هذه المقتنيات خرائط ومخططات لمشروعات مختلفة، من بينها مشروع تخطيط قرية صفور بمركز ديرب نجم في محافظة الشرقية، إلى جانب خرائط أخرى مرتبطة بتخطيط القرى والمرافق، وتظهر الخرائط في صورة مجلدات كبيرة تضم الرسومات والمخططات التي توضح شكل المشروع وتفاصيله، بما يجعلها وثائق هندسية تتجاوز كونها مجرد خرائط، لتصبح جزءًا من ذاكرة مشروعات استصلاح الأراضي وتعمير القرى.

وتحمل بعض الخرائط إشارات إلى "وزارة الإصلاح الزراعي"، بما يعكس ارتباط هذه المشروعات بمرحلة من مراحل العمل على استصلاح الأراضي وتنظيم القرى وتوفير المرافق اللازمة لها، وتحتفظ الجمعية بهذه الخرائط ضمن مجموعة كبيرة من الوثائق والمجلدات الهندسية التي توثق مشروعات مختلفة في أنحاء مصر، وتقدم صورة عن طبيعة التخطيط الهندسي والميداني في تلك الفترات، ولا تقتصر مقتنيات الجمعية على تخطيط القرى، إذ تضم أيضًا وثائق وكتبًا وخرائط تتناول أعمال الطرق والمرافق. ومن بين هذه المقتنيات مواد تشرح طريقة تنفيذ أعمال رصف الطرق، وتوضح مراحل العمل والآلات والمعدات المستخدمة آنذاك.

وبين خرائط القرى ومخططات المرافق ووثائق الطرق، تقدم هذه المقتنيات صورة عن جانب من العمل الهندسي الذي ارتبط باستصلاح الأراضي وتعميرها وتخطيط المجتمعات العمرانية، وتحفظ تفاصيل مشروعات أصبحت جزءًا من الذاكرة الهندسية المصرية، وتكتسب هذه الخرائط قيمتها من كونها وثائق أصلية تحمل تفاصيل المشروعات كما كانت تُخطط وتُنفذ، لتبقى محفوظة داخل جمعية المهندسين المصرية باعتبارها جزءًا من تاريخ الهندسة والتخطيط في مصر.

كتب حوض النيل.. توثق تاريخ الهندسة والري والمياه

مجموعة من الكتب والمراجع المرتبطة بدول حوض النيل، ضمن جانب مهم من مقتنيات جمعية المهندسين المصرية التي توثق تاريخ الهندسة والري والمياه، وتتنوع هذه المقتنيات بين كتب ومراجع وخرائط تتناول حوض النيل، إلى جانب مواد مرتبطة بأعمال الري والمشروعات الهندسية التي ارتبطت بالنهر.

وتأتي هذه الكتب ضمن مجموعة واسعة من المراجع التي احتفظت بها الجمعية على مدار تاريخها، بما يعكس اهتمامها بالدراسات الهندسية والعلمية، وتوفير مصادر المعرفة للمهندسين والباحثين، وتضم المكتبة كذلك خرائط قديمة لحوض النيل وأعمال الري، من بينها خرائط يعود بعضها إلى فترات مبكرة من تاريخ الجمعية، بما يمنح هذه المجموعة قيمة توثيقية إلى جانب قيمتها العلمية.

وتشكل كتب دول حوض النيل والخرائط المرتبطة بها جزءًا من الذاكرة التي تحتفظ بها جمعية المهندسين المصرية، وتكشف عن جانب من الاهتمام الهندسي بمصادر المياه والري والمشروعات المرتبطة بنهر النيل، ومع ما تضمه المكتبة من كتب وخرائط ووثائق ورسومات هندسية، تظل هذه المقتنيات شاهدًا على جانب من تاريخ المعرفة الهندسية في مصر، وعلى الدور الذي قامت به الجمعية في حفظ ونشر هذه المعرفة.

مكتبات خاصة تحفظ ذاكرة الهندسة المصرية

لا تقتصر مقتنيات مكتبة جمعية المهندسين المصرية على الكتب والمراجع التي اقتنتها الجمعية عبر تاريخها، إنما تضم أيضًا مجموعات من الكتب التي جاءت من مكتبات شخصيات كان لها حضور في الحياة الهندسية والعامة في مصر، ومن بين هذه المقتنيات كتب من مكتبة أحمد زيور باشا، ومكتبة إسماعيل سري باشا، ومكتبة حسين سري باشا، ومكتبة المهندس رسمي حسين عبدالرازق، ومكتبة عثمان باشا محرم.

وتكشف هذه المجموعات عن تنوع مصادر المعرفة التي دخلت إلى مكتبة الجمعية، وتضم إلى جانبها كتبًا ومراجع باللغة الروسية، بما يعكس اتساع نطاق المراجع العلمية والهندسية التي كانت متاحة داخل المكتبة، وتأتي هذه المجموعات ضمن رصيد كبير من الكتب والمراجع التي تحتفظ بها الجمعية في مختلف فروع الهندسة، إلى جانب الخرائط والرسومات والوثائق والمطبوعات القديمة.

وتحمل الكتب أسماء أصحاب مكتباتها الأصلية، بما يمنحها قيمة إضافية باعتبارها جزءًا من تاريخ أصحابها، وفي الوقت نفسه جزءًا من الذاكرة العلمية التي انتقلت إلى مكتبة جمعية المهندسين المصرية، وهكذا أصبحت مكتبة الجمعية مساحة تجمع بين تاريخ المؤسسة وتاريخ عدد من المهندسين والشخصيات العامة، من خلال كتب ومراجع ظلت محفوظة لتكون مصدرًا للباحثين والمهتمين بتاريخ الهندسة والعلوم في مصر.

رقمنة 1270 كتابًا نادرًا بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية

ضمن جهود الحفاظ على مقتنيات مكتبة جمعية المهندسين المصرية، جاء التعاون مع مكتبة الإسكندرية، من خلال بروتوكول تم توقيعه بين الجانبين، وفي إطار هذا التعاون، جرى اختيار 1270 كتابًا من الكتب النادرة الموجودة في مكتبة الجمعية، التي تضم أكثر من 5000 كتاب ومقتنى من الكتب والمراجع، وشملت عملية الاختيار مجموعة من الكتب النادرة التي تم التعامل معها ضمن أعمال المسح الضوئي، في خطوة تستهدف الحفاظ على محتوياتها وإتاحة إمكانية الاستفادة منها بصورة أكثر أمانًا، خاصة أن بعض هذه الكتب قديمة ويصعب التعامل المباشر معها.

وتضم مكتبة جمعية المهندسين المصرية رصيدًا تاريخيًا من الكتب والمراجع العلمية والهندسية، إلا أن الإصدارات الحديثة لا تمثل جزءًا كبيرًا من مقتنياتها؛ إذ ترجع أحدث الإصدارات الموجودة بالمكتبة إلى خمسينيات القرن الماضي، ولا توجد إصدارات جديدة بعد تلك الفترة.

ويمثل مشروع رقمنة الكتب المختارة خطوة مهمة في الحفاظ على هذا الرصيد من المعرفة، خاصة أن المكتبة تضم كتبًا نادرة تمثل جانبًا من تاريخ الجمعية والحركة الهندسية والعلمية في مصر، وتبقى عملية رقمنة المقتنيات جزءًا من الجهود الرامية إلى الحفاظ على الذاكرة العلمية للجمعية، وإتاحة هذه المواد للباحثين دون تعريض الكتب الأصلية لمزيد من التلف نتيجة التداول والفتح المتكرر.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان