مصر تحمي ذاكرتها الوطنية.. من الشادوف إلى السد العالي.. 7 محطات بارزة فى تاريخ الري المصرى

مصر تحمي ذاكرتها الوطنية.. من الشادوف إلى السد العالي.. 7 محطات بارزة فى تاريخ الري المصرىمتحف الري

مصر8-10-2026 | 10:56

أول الحكاية كان الشادوف، أحد أقدم أدوات رفع المياه، وعبر مراحل متعاقبة، تطورت منظومة الري في مصر وصولا إلى السد العالي، في رحلة تختصر قرونًا من العمل المائي والهندسي.

وفي قلب متحف الري بالعاصمة الجديدة، تتوزع هذه الرحلة داخل سبع مناطق رئيسية، صُممت كل منها لتوثيق جانب مختلف من تاريخ الري والعمل المائي في مصر، من خلال الوثائق والمخطوطات والخرائط والأطالس والماكيتات والمقتنيات التاريخية.

وتأتي منطقة المخطوطات والمشروعات والأطالس في مقدمة محطات الجولة، حيث تضم وثائق تاريخية توثق جهود الدولة المصرية في إدارة مواردها المائية، وتكشف كيف اعتمدت على العلم والتخطيط والهندسة في التعامل مع النيل ومياه الري عبر مراحل مختلفة من تاريخها.

وتقدم إحدى اللوحات داخل المتحف تسلسلًا بصريًا لتطور الري في مصر، يبدأ من الشادوف وينتهي بالسد العالي، في صورة واحدة تختصر مسيرة طويلة من التطور الهندسي، وتعكس الانتقال من الأدوات التقليدية البسيطة إلى المشروعات المائية العملاقة.

ولا يكتفي المتحف بعرض المقتنيات باعتبارها قطعًا تاريخية، وإنما يسعى إلى تقديم السياق الذي نشأت فيه، لتصبح الوثيقة والخريطة والمجسم وسيلة لفهم كيف تعامل المصريون مع المياه، وكيف تطورت أدوات إدارة هذا المورد عبر الزمن.

ومن خلال هذه الرحلة، يضع المتحف الزائر أمام صورة متكاملة لمسيرة الري المصري؛ من أدوات رفع المياه الأولى إلى المشروعات القومية الكبرى، ومن الوثيقة الورقية إلى تقنيات العرض الحديثة، ومن ذاكرة المكاتب والإدارات إلى متحف مفتوح يحكي تاريخ الوزارة للأجيال الجديدة.

قناطر نجع حمادي واتفاقيات النيل.. وتاريخ المشروعات المائية فى مصر

في إحدى وحدات العرض بالمتحف، يعود تاريخ مجموعة من الوثائق إلى عهد الملك فؤاد الأول، وتحديدًا إلى عام 1928، لتقدم جانبًا من تاريخ المشروعات المائية وإدارة الموارد في مصر.

وتتوسط الوحدة وثيقة مهمة تتمثل في الخطبة التي ألقاها إبراهيم باشا فهمي، وزير الأشغال العمومية آنذاك، بحضور الملك فؤاد، خلال حفل افتتاح قناطر نجع حمادي عام 1930، وتبرز أهمية القناطر باعتبارها من المشروعات المائية المهمة في القرن العشرين، ودورها في دعم الرقعة الزراعية والتنمية في جنوب مصر.
وتضم الوحدة كذلك محضر تأسيس جمعية المهندسين الملكية عام 1920، وهي الجمعية التي أصبحت لاحقًا جمعية المهندسين، ويحمل المحضر توقيعات الأعضاء المؤسسين، ليقدم وثيقة أخرى توثق جانبًا من تاريخ العمل الهندسي في مصر.

"ضبط النيل".. كتاب يوثق سياسات وإجراءات إدارة مياه النهر

تنتقل الجولة إلى وحدة عرض أخرى، تعكس اهتمام الدولة المصرية بإدارة مياه نهر النيل على نطاق أوسع، من خلال مجموعة من الوثائق والاتفاقيات المرتبطة بمياه النيل، من بينها اتفاقية حوض النيل لعام 1929، واتفاقية مياه النيل لعام 1959.

وتضم الوحدة أيضًا كتاب "ضبط النيل" من تأليف السير ماكدونالد، مستشار وزارة الأشغال العمومية آنذاك، والذي يتناول عددًا من الإجراءات والسياسات المتعلقة بتنظيم مياه النيل وإدارتها، وهكذا، تتحول الوثائق داخل المتحف إلى سجل حي لمسيرة إدارة المياه في مصر، بدءًا من إنشاء المشروعات الكبرى وتطوير منظومة الري، وصولًا إلى الاتفاقيات والسياسات التي شكلت جانبًا من تاريخ التعامل مع نهر النيل.

حين كان النيل يُكتب بالحبر.. وثيقة عمرها أكثر من قرن
قبل أن تتحول قراءات النيل إلى أرقام رقمية تظهر على الشاشات، كانت تُسجل بالحبر وعلى الورق، لتبقى اليوم شاهدة على زمن مختلف من تاريخ إدارة المياه في مصر.
داخل متحف الري، تستوقفك وثيقة نادرة تسجل قراءات مناسيب النيل في مصر والسودان خلال الفترة من 1889 إلى 1905. صفحات مكتوبة بخط اليد، تحمل أرقامًا وتفاصيل رصد كانت تمثل في وقتها جزءًا من منظومة متابعة حركة النهر ومناسيبه.

ورغم مرور أكثر من مائة عام، لا تزال الكتابة واضحة، والألوان محتفظة برونقها، لتكشف قيمة العناية التي حظيت بها الوثيقة، وتمنح الزائر فرصة نادرة للاقتراب من تفاصيل علمية سُجلت في زمن لم تكن فيه أدوات الرصد والتوثيق تعرف ما وصلت إليه اليوم.

كل رقم في هذه الصفحات يمثل لحظة من حياة النيل، وكل قراءة تضيف حلقة إلى سجل تاريخي طويل ساعد أجيالًا من المتخصصين على فهم حركة المياه ومتابعة تغير المناسيب.

هنا تتحول الوثيقة من أوراق قديمة إلى ذاكرة مائية مكتوبة؛ تحفظ كيف راقب المصريون نهرهم، وقاسوا حركته، وسجلوا تفاصيله بدقة، لتصل إلينا بعد أكثر من قرن حكاية النيل مكتوبة بخط اليد.

منابع النيل.. رحلة البحث عن سر النهر

في إحدى وحدات العرض داخل متحف الري، تتوقف العين أمام مجموعة من الكتب التاريخية، يتصدرها كتاب «اكتشاف منابع النيل» من تأليف السير جيمس جرانت، أحد المستكشفين الذين ارتبطت رحلاتهم باستكشاف منطقة بحيرة فيكتوريا، المرتبطة بمنابع النيل.

يحكي الكتاب جانبًا من رحلة طويلة شغلت المستكشفين والجغرافيين في القرن التاسع عشر، بحثًا عن منابع النهر الذي ارتبطت به الحضارة المصرية منذ آلاف السنين. وبين صفحاته، تظهر ملامح زمن كانت فيه الجغرافيا تُكتشف بالمغامرة والملاحظة والخرائط، وكانت رحلة الوصول إلى منابع النيل واحدة من أكثر قصص الاستكشاف إثارة.

وجود هذا الكتاب داخل متحف الري لا يضيف إلى المكان قيمة تاريخية فحسب، وإنما يربط بين النيل كما عرفه المصريون، والنيل كما بحث العالم عن منابعه، لتصبح صفحات الكتاب جزءًا من ذاكرة أوسع تحفظ تاريخ النهر، ورحلات اكتشافه، والمعرفة التي تراكمت حوله عبر الزمن.

أطلس مصر.. خريطة تحفظ ذاكرة الحدود

بين خرائط وأطالس متحف الري، يبرز «أطلس مصر» لعام 1928 بوصفه واحدًا من أهم المقتنيات التي تحفظ صورة مصر كما كانت موثقة قبل نحو قرن. أُعد الأطلس خلال الفترة من 1925 إلى 1928 برعاية الملك أحمد فؤاد، وتضم وزارة الموارد المائية والري ثلاث نسخ منه، بينما توجد نسخة في الجمعية الجغرافية المصرية. وتصفه الوزارة بأنه الأطلس القومي الشامل لخريطة مصر، وتذكر أنه يُستعان به في قضايا ترسيم الحدود.

صفحات الأطلس ليست مجرد خرائط قديمة؛ فالدقة التي صُنعت بها جعلتها وثائق تحمل قيمة تاريخية وجغرافية ممتدة. خطوط، وحدود، ومواقع، وتفاصيل جغرافية رسمت في زمن لم تكن فيه الخرائط الرقمية أو تطبيقات الخرائط الحديثة موجودة.

ومن بين الخرائط ما يوثق مناطق مختلفة من الأراضي المصرية، لتصبح كل صفحة شهادة بصرية على المعرفة الجغرافية التي امتلكتها مصر في ذلك الوقت.

وبعد قرابة مائة عام، لا يزال الأطلس حاضرًا داخل المتحف باعتباره وثيقة تاريخية يمكن الرجوع إليها في الدراسات والقضايا المرتبطة بالحدود، وهو ما يمنحه قيمة تتجاوز كونه مقتنى أثريًا؛ إذ يتحول هنا إلى ذاكرة جغرافية ل مصر محفوظة على الورق.

الأعمال الكبرى تحكي تاريخ الري والمناخ والزراعة

داخل متحف الري، لا تحفظ الخرائط شكل الأرض فقط، وإنما تسجل جانبًا من تاريخ الدولة ومشروعاتها ومواردها. وبين المقتنيات يبرز «أطلس الأعمال الكبرى»، الذي يضم خرائط لمشروعات الري والمنشآت الكبرى في بدايات القرن التاسع عشر، ومنها القناطر والترع، ليقدم صورة تفصيلية عن تطور البنية التحتية المائية في مصر.

وبالقرب منه يأتي «أطلس المناخ»، بوصفه سجلًا مبكرًا للظروف المناخية في منطقة حوض النيل، ويضم خرائط وبيانات ترصد ملامح مناخ مصر، من القاهرة إلى واحة سيوة، بما في ذلك درجات الحرارة، ليصبح مرجعًا مهمًا للباحثين في دراسة التغيرات المناخية عبر الزمن.

أما «أطلس القطر المصري»، فيكشف جانبًا آخر من تاريخ الإدارة؛ إذ يضم خرائط للأراضي الزراعية في الوجه البحري، واستُخدم في أعمال مرتبطة بتحديد الضرائب. ولهذا جاء تجليده مختلفًا ومتينًا، بالخشب والمسامير، بما يتناسب مع طبيعة استخدامه وحفظه.

ثلاثة أطالس، وثلاث حكايات؛ مياه ومناخ وزراعة، لكنها تجتمع جميعًا في شيء واحد: توثيق مصر على الورق، وحفظ تفاصيل من تاريخها لتظل متاحة للأجيال والباحثين.

قناطر محمد علي.. 42 لوحة حريرية تحفظ حكاية منشأ مائي

داخل متحف الري، تحتفظ 42 لوحة مرسومة على الحرير بالرسومات الإنشائية لقناطر محمد علي، التي أُنشئت عام 1935، وتظهر عليها تفاصيل التصميم واسم المكتب الاستشاري في إنجلترا.

وترتبط القناطر بحكاية أقدم تعود إلى القناطر الخيرية، التي اكتمل إنشاؤها عام 1848 في عهد محمد علي باشا. وبعد نحو 75 عامًا، لم تعد القناطر قادرة على تحمل زيادة الحاجز المائي، رغم أعمال الترميم التي أجريت لها، فتم إنشاء قناطر جديدة أمامها.

وجاءت قناطر محمد علي عام 1935، لتقف اليوم في مواجهة القناطر الخيرية التي أصبحت أثرًا تاريخيًا، بينما تواصل القناطر الجديدة أداء دورها في خدمة منظومة الري بمنطقة الدلتا.

وتحظى الرسومات المحفوظة بالمتحف بأهمية خاصة، ليس فقط لكونها توثق التصميم الإنشائي للقناطر، وإنما لأنها مرسومة على 42 شيت من الحرير، ما يعكس دقة العمل الهندسي في ذلك الوقت.

وقد جرى الحفاظ على هذه الرسومات داخل بيئة حماية مناسبة، لتظل تفاصيل التصميمات الهندسية واضحة رغم مرور عقود طويلة عليها، وتبقى شاهدة على مرحلة مهمة من تطور المنشآت المائية في مصر.

التعلية الثانية لخزان أسوان.. مشروع كُتب باليد

داخل متحف الري، تكشف وثيقة خاصة بالتعلية الثانية لخزان أسوان عام 1927 عن جانب من تفاصيل أحد المشروعات الكبرى في تاريخ الري المصري رسوم وبيانات دقيقة أُنجزت بالكامل بالعمل اليدوي، في زمن لم تكن فيه الأجهزة الرقمية جزءًا من أدوات المهندسين.

ولا تقتصر أهمية الوثيقة على تفاصيل المشروع الهندسية، فالقائمة المثبتة أعلى الرسم تحمل أسماء المشاركين في أعمال التعلية، من المهندسين والإداريين إلى العاملين في الخدمات المعاونة، بما يعكس حرصًا على توثيق جميع المشاركين في المشروع.

وبعد مرور قرابة قرن، تبقى هذه الوثيقة شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ خزان أسوان، وعلى الجهد البشري الذي وقف خلف واحدة من أبرز عمليات تطوير المنشآت المائية في مصر.

من برلين إلى القاهرة.. خرائط تحكي بداية الصرف الصحي
بين مقتنيات متحف الري، تظهر مجموعة من الألبومات والوثائق التي قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن تاريخ الري، بينها نماذج للعمارة الخشبية في أوروبا، ووثيقة توضح شبكة الصرف الصحي في برلين وجودها داخل المتحف يعود إلى تاريخ أوسع لمؤسسات الدولة المصرية؛ فقد كانت نظارة الأشغال العمومية تضم تحت مظلتها في مراحلها الأولى اختصاصات ارتبطت لاحقًا بالنقل والزراعة والآثار والثقافة والاتصالات والبريد، ومع تطور الوزارات وانتقال الاختصاصات، بقي جانب من تراث هذه المؤسسات ضمن مقتنيات وزارة الري.
ومن بين هذه الوثائق تبرز خريطة شبكة الصرف الصحي في برلين، التي ارتبطت بتطوير شبكات الصرف الصحي في القاهرة والإسكندرية في عهد الخديوي توفيق، بعد تفشي وباء الكوليرا والحاجة إلى تطوير منظومة صحية حديثة.

وفي إطار الاستفادة من الخبرات الأوروبية، استعانت مصر بالمهندس الألماني جيمس هوبرشت، الذي ارتبط بتصميم شبكة الصرف الصحي في برلين، للمشاركة في أعمال تصميم وتنفيذ شبكات الصرف الصحي في القاهرة والإسكندرية.

هكذا تكشف وثيقة محفوظة داخل متحف الري عن جانب آخر من تاريخ القاهرة؛ فهذه الخرائط لم تكن مجرد رسومات هندسية، وإنما كانت مرجعًا انتقلت من خلاله خبرة أوروبية إلى مشروع ارتبط بتحديث البنية الأساسية للمدن المصرية.

«أعظم ترعة في الدنيا».. الإبراهيمية بعيون مهندسها
بين الكتب النادرة في متحف الري، يبرز مؤلف للمهندس محمد أفندي إسماعيل، المهندس المقيم على ترعة الإبراهيمية، الذي اختار عنوانًا لافتًا لكتابه: «أعظم ترعة في الدنيا».
في عام 1900، قرر إسماعيل أن يوثق تجربة حفر ترعة الإبراهيمية وما ارتبط بها من تفاصيل وأعمال، بعد أن استغرق تنفيذ المشروع عدة سنوات ويرجع حفر الترعة إلى سبعينيات القرن التاسع عشر، لتصبح واحدة من أبرز مشروعات الري في صعيد مصر.

يحمل الكتاب تفاصيل العمل الذي سبق إنجاز الترعة، في وقت كانت فيه عمليات الحفر تعتمد بصورة أساسية على الجهد البشري والأدوات اليدوية. وتشير الرواية الواردة عن المشروع إلى مشاركة نحو 100 ألف عامل في أعمال الحفر، ما يعكس حجم الجهد الذي تطلبه تنفيذ منشأ مائي بهذا الحجم في ذلك العصر.

ومن هنا جاء عنوان الكتاب انعكاسًا لرؤية صاحبه للمشروع؛ فالمهندس الذي شارك في أعماله وشاهد تفاصيل تنفيذه رأى فيه إنجازًا استثنائيًا يستحق أن يُوثق.

وبعد أكثر من قرن، لا يحفظ الكتاب تاريخ الترعة وحدها، وإنما يسجل أيضًا قصة العمل الهندسي والبشري الذي وقف وراء حفرها، لتبقى صفحات المهندس محمد أفندي إسماعيل شاهدًا على واحدة من صفحات تاريخ الري المصري.

وثائق ترصد المياه والمجتمع في مصر للواحات الغربية
في إحدى وحدات العرض بمتحف الري، تتجاور مجموعة من الكتب والوثائق التي ترصد علاقة المياه بالمجتمع المصري من زوايا مختلفة، وتقدم صورة نادرة عن طبيعة الحياة والإدارة في أواخر القرن التاسع عشر.

من بينها توثيق للواحات الغربية، كُتب باللغة الإنجليزية وبخط اليد، يتناول المياه الجوفية وتأثيرها وعلاقتها باستقرار المجتمعات في تلك المناطق، ليكشف جانبًا من الاهتمام المبكر بدراسة مصادر المياه ودورها في حياة السكان.

وتضم المجموعة أيضًا وثيقة مهمة عن فيضان النيل عام 1892، ترصد تفاصيل الفيضان، منسوبه، المناطق التي وصل إليها، وتأثيراته على السكان، بما يجعلها سجلًا تاريخيًا لحركة النهر وانعكاساتها على المجتمع.

وبجوار هذه الوثائق، يظهر تقرير أعمال الري لعام 1881-1882، إلى جانب الميزانية الخاصة بالحكومة المصرية، لتكتمل صورة أوسع عن إدارة موارد الدولة ومشروعات الري في تلك الفترة.
وتكشف هذه المجموعة أن الوثائق القديمة لم تكن تسجل المياه بمعزل عن الإنسان؛ فكل منسوب للنيل، وكل مصدر للمياه الجوفية، وكل مشروع ري، كان مرتبطًا بحياة مجتمع واقتصاد ودولة، وهو ما يجعل هذه الأوراق مصدرًا مهمًا لفهم مصر في تلك المرحلة.

حين صنعت الأيدي المصرية مشروعات الري الكبرى
في وحدة مخصصة للمخطوطات والصور داخل متحف الري، تمتد ذاكرة المشروعات المائية المصرية على صفحات من الرسومات والألبومات الفوتوغرافية؛ القناطر الخيرية، وقناطر محمد علي، وخزان أسوان، وقناطر إدفينا وزفتى وإسنا، إلى جانب أعمال الحفر والهويس ومراحل تنفيذ المنشآت.

وتكشف الرسومات الإنشائية تفاصيل دقيقة لتصميم القناطر ومكوناتها، بينما تنقل الصور مشهدًا مختلفًا؛ العمال في مواقع الإنشاء، وأعمال الحفر والتنفيذ، والأدوات التي اعتمدوا عليها لإنجاز مشروعات ضخمة.
وفي صور قناطر إسنا، تظهر مراحل التعلية والتنفيذ، لتقدم صورة عن حجم الأعمال التي شهدتها مشروعات الري في ذلك الوقت، حين كانت الإمكانات الميكانيكية محدودة، واعتمد جانب كبير من العمل على الجهد البشري والأدوات اليدوية.

من القناطر الخيرية إلى قناطر محمد علي، ومن خزان أسوان إلى قناطر إدفينا وزفتى وإسنا، لا توثق هذه الألبومات والرسومات شكل المنشآت فقط، وإنما تحفظ أيضًا أثر الأيدي المصرية التي شاركت في بنائها.

إنها صفحات تجمع بين الرسم الهندسي والصورة الفوتوغرافية، لتسجل كيف تحولت التصميمات المرسومة على الورق إلى منشآت مائية قائمة على الأرض، ضمن مشروعات كبرى شكلت جانبًا مهمًا من تاريخ الري في مصر.

افتتاح قناة السويس.. الصور تحكي أبرز لحظات التاريخ

بين مقتنيات متحف الري، يحتفظ ألبوم نادر بتفاصيل حفل افتتاح قناة السويس عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل، ويوثق مشاهد من الحدث الذي تحول إلى واحدة من أبرز اللحظات في تاريخ مصر الحديث.

تسجل صفحات الألبوم رحلة الإمبراطورة أوجيني إلى مصر للمشاركة في الاحتفالات، وتظهر إحدى الرسومات السفينة التي أقلتها وهي تعبر القناة خلال مراسم الافتتاح، إلى جانب مشاهد المنصة التي أقيمت للاحتفال وتفاصيل الحضور.

ولا تقتصر الرسومات على المظاهر الاحتفالية، وإنما توثق المشهد العام للمناسبة، بما في ذلك حضور رجال الدين من المسلمين والمسيحيين، في صورة تعكس طبيعة الاحتفال الرسمي الذي شهدته مصر آنذاك.

وبين الرسم والتوثيق البصري، يحفظ الألبوم تفاصيل يوم الافتتاح كما رآها معاصروه؛ السفن وهي تعبر المجرى الملاحي الجديد، والاحتفالات على ضفاف القناة، والوفود التي جاءت إلى مصر لمشاركة الخديوي إسماعيل هذا الحدث.

وبعد أكثر من قرن ونصف، تبقى هذه الصفحات نافذة بصرية نادرة على افتتاح قناة السويس، تحفظ تفاصيل الاحتفال ووجوه الحاضرين ومشاهد المكان، لتمنح الأجيال صورة حية عن يوم دخلت فيه القناة التاريخ.

ألبوم زفاف الأميرة فوزية.. صفحة من الذاكرة الملكية
يظهر ضمن مقتنيات متحف الري، ألبوم يوثق زفاف الأميرة فوزية بنت الملك فؤاد إلى ولي العهد الإيراني آنذاك محمد رضا بهلوي، في مناسبة ملكية جمعت بين العائلتين الملكيتين المصرية والإيرانية.

تحفظ صفحات الألبوم صورًا ومشاهد من مراسم الزواج والاحتفالات المرتبطة به، لتقدم تسجيلًا بصريًا لمناسبة حملت أهمية سياسية واجتماعية في تاريخ البلدين خلال أربعينيات القرن العشرين.

وتكتسب هذه الصور قيمتها من كونها توثق تفاصيل المناسبة كما جرت في وقتها، من مراسم الاحتفال إلى الحضور والمكان، لتبقى شاهدًا على جانب من الحياة الرسمية والبروتوكولية في مصر خلال تلك المرحلة.

ويستكمل الألبوم جانبًا آخر من الذاكرة التاريخية التي يحتفظ بها المتحف؛ فمقتنياته لا تقتصر على المنشآت والخرائط والوثائق الهندسية، وإنما تمتد إلى صور وألبومات تسجل أحداثًا ومحطات مختلفة من تاريخ مصر.

ومن بين تلك الصفحات، يبقى ألبوم زفاف الأميرة فوزية وثيقة بصرية تحفظ تفاصيل مناسبة ملكية عابرة للحدود، ارتبطت بشخصيات تركت حضورًا في تاريخ مصر وإيران.

صُنع في مصر.. إبداعات مصلحة تفتيش الطبيعيات

تتغير ملامح الحكاية، حيث تتصدر الأدوات المشهد تحت شعار "صُنع في مصر"، لتكشف عن مرحلة مهمة من تاريخ الصناعة الهندسية والعلمية في مصر.
تضم القاعة مجموعة من الأجهزة التي صنعتها «مصلحة تفتيش الطبيعيات»، إحدى المصالح التابعة لوزارة الري، وتحمل الأدوات ختم المصلحة، التي تولت أعمال الدراسات وتصنيع الأدوات والأجهزة اللازمة للأعمال الهندسية والمساحية.
من بين المعروضات ساعة ميكانيكية مصرية الصنع تعمل بنظام الزنبرك، ولا تزال قادرة على العمل حتى اليوم، إلى جانب مجموعة من أجهزة التنشين المستخدمة في أعمال الزوايا والمساحات وتحديد ميول الترع والمصارف والمجاري المائية.

وتضم المجموعة أيضًا أجهزة استعانت بها جهات أخرى في أعمالها، إلى جانب نماذج متعددة من الموازين، بينها ميزان خشبي، وجهاز "البانتوجراف" الذي استخدم في كلية الهندسة لفترات طويلة قبل الانتقال إلى التقنيات الرقمية الحديثة.
وتصل الجولة إلى مجموعة البوصلات، ومنها الشمسية التي تعتمد على حركة الشمس، والمغناطيسية التي تعمل بالإبرة، لتقدم هذه الأدوات صورة عن خبرات التصنيع المحلي وقدرته على إنتاج أجهزة دقيقة لخدمة أعمال الري والهندسة والمساحة.

حين كانت وزارة الري تضبط التوقيت الرسمي لمصر

داخل متحف وزارة الري، تكشف "ساعة الماستر" عن مهمة دقيقة ارتبطت بوزارة الري لسنوات طويلة، تمثلت في ضبط التوقيت الرسمي في مصر، من خلال منظومة كانت تمتد من مرصد حلوان إلى الدواوين والمصالح والميادين العامة.
كانت المنظومة تعتمد على "آلة العبور" الموجودة بمرصد حلوان، وهي تلسكوب مخصص لرصد مرور نجم محدد عبر خط الرصد في وقت معلوم ومع تسجيل هذا العبور، تُرسل إشارات كهربائية عبر شبكة التلغراف إلى ساعات الماستر الموجودة في مختلف الجهات، لتُضبط جميعها على التوقيت نفسه يوميًا عند الساعة الثانية عشرة.
وكانت نماذج من هذه الساعات موجودة في دواوين الوزارات والمصالح الحكومية، ومنها مصلحة البريد، إلى جانب مواقع عامة وجامعة القاهرة، لتوحيد التوقيت بين مختلف المؤسسات.
ولم تكن عملية الضبط تقتصر على الإشارة الزمنية، إذ كان لكل ساعة فني يتابع أداءها ويقيس فرق الجهد الكهربائي لضمان دقة تشغيلها، خاصة أن أي تغير في الجهد قد يؤثر في انتظام الساعة وكانت المنظومة تعتمد على بطاريات بجهد 12 فولت، مع متابعة فنية مستمرة لضمان استمرار عمل الساعات بالكفاءة المطلوبة.

هكذا توثق ساعة الماستر مرحلة اعتمد فيها ضبط الوقت على منظومة دقيقة تجمع بين الرصد الفلكي والاتصالات والتكنولوجيا الكهربائية.

من الفولتميتر إلى الكرنت ميتر.. أجهزة بدائية أرست قواعد القياس

مع تطور مشروعات الري ومحطات الرفع خلال القرن العشرين، بدأت المتحف يضم نماذج من أجهزة القياس والمعدات التي دخلت الخدمة إلى جانب الأدوات التي كانت تصنعها مصلحة تفتيش الطبيعيات، ومن بينها أجهزة جاءت من الخارج، مثل أجهزة الفولتميتر ومعدات تفريغ الهواء من التربة، وغيرها من الأدوات التي احتفظت بها مخازن الوزارة.
وتكشف هذه النماذج عن البدايات الأولى لأجهزة أصبحت أكثر تطورًا في الوقت الحالي، وهو ما يمنحها أهمية خاصة لدى المهتمين بالهندسة وتاريخ تطور أدوات القياس.
ومن أبرز المعروضات جهاز "الثيودوليت"، وهو من الأجهزة المستخدمة في أعمال المساحة لقياس الزوايا والميلانات والانحدارات، وتضم القاعة نماذج مختلفة منه توثق مراحل تطور استخدامه.
كما تعرض القاعة نماذج من جهاز "الكرنت ميتر"، المستخدم في قياس سرعة تيار المياه داخل المجاري المائية وتعتمد آلية عمله على قياس عدد دورات المروحة خلال فترة زمنية محددة، ومن خلال معدل الدوران يمكن تحديد سرعة التيار المائي، بما يساعد المهندسين على تقييم حركة المياه واتخاذ ما يلزم من إجراءات في أعمال الري.

وتقدم هذه الأجهزة جانبًا من تاريخ أدوات القياس التي صاحبت تطور المشروعات المائية والهندسية في مصر.

التراث التقني.. كيف عملت المكاتب قبل العصر الرقمي؟

في "منطقة التراث التقني" داخل متحف وزارة الري، تتوقف الجولة أمام مجموعة من الأجهزة التي رافقت العمل داخل المصالح والهيئات المختلفة، لتوثق جانبًا من الحياة اليومية للمكاتب قبل دخول التقنيات الرقمية.
من أبرز المعروضات آلة حاسبة ميكانيكية تعمل يدويًا، كانت تستخدم في إجراء العمليات الحسابية قبل ظهور الآلات الإلكترونية والرقمية، إلى جانب عارض للكروت استخدم في حفظ بيانات الكتب والتقارير وتصنيفها، بما يوفر وسيلة سريعة للوصول إلى المعلومات واسترجاعها.
وتضم المنطقة نماذج مبكرة من أجهزة عرض الشرائح "البروجكتور"، التي كانت تستخدم في تقديم المشروعات وعرض المعلومات وكانت الشرائح عبارة عن قطع زجاجية تحمل البيانات أو الرسومات، ثم توضع داخل الجهاز لتُعرض على الشاشة، وتختلف النماذج المعروضة في طريقة ترتيب الشرائح وعددها، بينما تؤدي الوظيفة نفسها.
وتكتمل مجموعة التراث التقني بكاميرات استخدمت في التوثيق، وأجهزة هاتف قديمة اعتمدت عليها المصالح في التواصل، إلى جانب أجهزة راديو، لتكشف هذه المقتنيات عن الأدوات التي شكلت بيئة العمل الإداري والفني في مرحلة سبقت الحاسب والاتصال الرقمي.

كل قطعة هنا تحمل تفاصيل صغيرة عن طريقة إنجاز العمل والتواصل وحفظ المعلومات في زمن كانت فيه التكنولوجيا تعتمد على الآلة والحركة والوسائل الميكانيكية.

الأثاث الملكي.. مقتنيات أسوان تحمل بصمات أسرة محمد علي
ضمن مقتنيات متحف وزارة الري، تحتفظ مجموعة من الأثاث الملكي بصفحة خاصة من تاريخ الاستراحات التابعة للري في أسوان، حيث كانت هذه القطع موجودة بإحدى استراحات الوزارة قبل نقلها إلى المتحف حفاظًا عليها وتوثيقًا لقيمتها التاريخية.
وترجع المجموعة إلى فترة أسرة محمد علي، وتتميز بتصميمات فخمة ودقيقة، من بينها قطع مزينة بالصدف، بما يعكس مستوى العناية التي أحيط بها الأثاث المستخدم في تلك الفترة كما تحمل بعض المقتنيات ختم "وزارة الأشغال العمومية"، بما يربطها بتاريخ الجهة التي كانت تتبعها منشآت ومرافق عديدة قبل تطور التقسيم الإداري للوزارات.
ومن التفاصيل اللافتة في إحدى القطع وجود الهلال والنجمة إلى جانب ثلاثة نجوم، وهي رموز ارتبطت في تصميم القطعة بالتعبير عن الديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية.
وتقدم هذه المجموعة جانبًا مختلفًا من ذاكرة وزارة الري، فلا تقتصر مقتنيات المتحف على الوثائق والخرائط والأجهزة الهندسية، وإنما تمتد إلى قطع أثاث ومقتنيات كانت جزءًا من الحياة اليومية داخل استراحات الوزارة، قبل أن تنتقل من مواقع استخدامها إلى قاعات المتحف، لتبقى شاهدة على حقبة تاريخية امتدت آثارها داخل مؤسسات الدولة.

الحوض البورتابل.. رفيق مفتش الري في تنقلاته بين القرى والاستراحات
من بين المقتنيات التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية لمفتشي الري، يظهر "الحوض البورتابل" كقطعة عملية صُممت لتواكب طبيعة العمل والتنقل بين القرى والاستراحات.
تجمع هذه الوحدة أكثر من وظيفة في قطعة واحدة؛ ففي الجزء العلوي توجد المرآة وخزانة مخصصة لحفظ المياه، بينما يضم الجزء السفلي وحدة للصرف، إلى جانب مساحة للتخزين وكان تصميمها يسمح بنقلها من مكان إلى آخر، لترافق مفتش الري خلال انتقاله بين القرى والجهات المختلفة.

وتكشف طبيعة الحوض عن أسلوب الحياة في فترة سبقت انتشار تجهيزات المياه والصرف الحديثة على نطاق واسع، إذ كان يمكن ملء الخزان بالمياه عند الوصول إلى مقر الإقامة، ثم استخدامها عند الحاجة، مع وجود نظام مخصص لتصريف المياه المستخدمة.
وتنتمي هذه القطعة إلى مجموعة المقتنيات التي لا توثق أدوات العمل الهندسي فحسب، وإنما تسجل أيضًا تفاصيل الحياة اليومية للعاملين في منظومة الري، وطبيعة احتياجاتهم أثناء التنقل وأداء مهامهم خارج المراكز الرئيسية.

وببساطة تصميمه، يقدم "الحوض البورتابل" صورة واضحة عن حلول عملية سبقت انتشار التجهيزات الصحية الحديثة، وحملت احتياجات المستخدم معها من مكان إلى آخر.

ماكيت قناطر زفتى.. نموذج مصغر يحكي تطور إدارة المياه
في منطقة الماكيتات داخل متحف وزارة الري، يأتي نموذج قناطر زفتى ليعرض بصورة مبسطة واحدة من التقنيات التي ارتبطت بإدارة المياه وتشغيل القناطر.
يوضح الماكيت آلية فتح وغلق البوابات من خلال نظام ميكانيكي، حيث تتحرك البوابات في اتجاه محدد لفتحها، ثم تعود إلى موضعها لإغلاقها، وفقًا لكمية المياه المطلوبة وطبيعة عملية الإدارة والتشغيل.
ويكمل النموذج الصورة التي عرضتها ألبومات المتحف الخاصة بقناطر زفتى، لكنه هنا ينتقل من الصور والوثائق إلى محاكاة طريقة التشغيل نفسها، بما يتيح تصور كيفية التعامل مع بوابات القناطر في مراحل سابقة.

ويكشف الماكيت عن مرحلة كانت فيها إدارة المياه تعتمد على آليات ميكانيكية مباشرة للتحكم في البوابات، قبل انتقال منظومات التشغيل إلى تقنيات أكثر تطورًا تعتمد على أنظمة التحكم الحديثة والإلكترونيات والوسائل الرقمية.

وبينما تحولت إدارة وتشغيل المنشآت المائية اليوم إلى منظومات أكثر تقدمًا، يبقى هذا النموذج شاهدًا على إحدى المراحل التي مرت بها تكنولوجيا تشغيل القناطر وإدارة الموارد المائية في مصر.


بانوراما السد العالي.. قصة مشروع غيّر وجه الري في مصر
في قلب متحف وزارة الري، تحتل "بانوراما السد العالي" مساحة خاصة توثق واحدًا من أبرز المشروعات المائية في تاريخ مصر الحديث، وتستعرض مراحل إنشائه وما ارتبط به من أدوات ووثائق ومقتنيات.


ويظهر في البانوراما ماكيت السد، موضحًا مكوناته الرئيسية؛ من جسم السد إلى محطة توليد الكهرباء، مع توضيح اتجاه حركة المياه، من منطقة المنبع "الأبستريم" إلى المصب "الداونستريم" كما تضم المنطقة مجموعة من الاتفاقيات والعقود الخاصة بالمشروع التي ارتبطت بالتعاون بين مصر والاتحاد السوفيتي آنذاك، إلى جانب ملاحظات مكتوبة بخط اليد منسوبة إلى المشير عبد الحكيم عامر.
ولا تكتفي البانوراما بالوثائق والماكيت، إذ تضم أيضًا ميزانًا استخدم خلال أعمال إنشاء السد العالي، ليكشف جانبًا من الأدوات التي استعان بها العمال والمهندسون في تنفيذ المشروع.
وتصاحب المعروضات مادة فيلمية تستعرض مراحل إنشاء السد، بما فيها مشاهد توثق جهود العمال خلال مراحل التنفيذ، وصولًا إلى لحظة تركيب أول توربينة، وما رافقها من احتفال وفرحة بين العاملين بالمشروع.
وتقدم البانوراما صورة تجمع بين التخطيط الهندسي والوثائق وأدوات التنفيذ، لتوثيق رحلة السد العالي من مشروع على الأوراق إلى منشأة مائية كبرى غيّرت منظومة الري وتوليد الكهرباء في مصر.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان