يثار كثير من الجدل حول اللانشون والمورتديلا و السلامي والهوت دوج والبرجر والبسطرمة وغيرها من منتجات اللحوم المصنعة، خاصة مع الحديث عن تصنيف بعض هذه المنتجات ضمن المواد المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.
لكن هل يعني ذلك أن تناول سندوتش من اللانشون يمثل خطرًا فوريًا على الصحة؟ وإذا كانت اللحوم المصنعة مصنفة ضمن المواد المسرطنة للإنسان، فلماذا تُباع بشكل قانوني في الأسواق وتخضع للرقابة من الجهات المختصة بسلامة الغذاء؟
يوضح الدكتور أحمد أبو الريش، أخصائي التغذية العلاجية، أن الإجابة تحتاج أولًا إلى التفرقة بين الغذاء الذي قد يرتبط تناوله المتكرر بزيادة خطر الإصابة بمرض على المدى الطويل، وبين مادة سامة يؤدي تناولها إلى ضرر فوري.
ما اللحوم المصنعة؟
يقول الدكتور أحمد أبو الريش إن مصطلح «اللحوم المصنعة» يشير إلى منتجات يتم فيها معالجة اللحوم بطرق مختلفة، مثل التمليح أو المعالجة أو التدخين أو التخمير، مع إضافة مكونات أخرى بحسب نوع المنتج وطريقة تصنيعه.
ومن أشهر هذه المنتجات اللانشون والمورتديلا و السلامي والهوت دوج وبعض أنواع البرجر والبسطرمة وغيرها.
وتختلف نسبة اللحوم والمكونات الأخرى من منتج إلى آخر؛ فبعض المنتجات تعتمد بدرجة أكبر على اللحوم، بينما تحتوي أنواع أخرى على مكونات وإضافات متعددة تدخل في عملية التصنيع، وهو ما ينعكس أيضًا على طبيعة المنتج وقيمته الغذائية وسعره.
وتُعد البسطرمة، على سبيل المثال، من المنتجات التي تعتمد أساسًا على قطعة من اللحم تُعالج بالملح وطرق التجفيف والتتبيل، ولذلك تختلف عن المنتجات المصنعة التي تكون فيها اللحوم ممزوجة بمكونات أخرى.
لماذا تُضاف النترات؟
من أبرز المواد التي قد تدخل في تصنيع بعض اللحوم المصنعة النترات والنتريت، وتُستخدم هذه المواد لأغراض تكنولوجية محددة في تصنيع وحفظ بعض المنتجات.
ويوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن من وظائفها المساعدة في الحفاظ على اللون المميز للحوم المصنعة، إلى جانب دورها في عملية الحفظ والمساعدة على الحد من نمو بعض الكائنات الدقيقة الخطرة في المنتجات التي تستخدم فيها وفق الحدود المسموح بها.
لكن المشكلة الصحية لا تتعلق بمجرد وجود المادة في المنتج، وإنما بما قد يحدث لها داخل الجسم، إذ يمكن أن تسهم النترات والنتريت، في ظروف معينة، في تكوين مركبات N-nitroso، ومن بينها بعض مركبات النيتروزامين.
وقد ارتبط التعرض لبعض هذه المركبات بآليات يمكن أن تسهم في تطور السرطان، وهو أحد الجوانب التي تفسر الاهتمام العلمي بتناول اللحوم المصنعة.
لماذا صُنفت مسرطنة؟
وهنا تأتي النقطة الأهم التي تسبب كثيرًا من الالتباس.
فقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية (IARC) اللحوم المصنعة ضمن المجموعة الأولى Group 1، أي «مسرطنة للإنسان»، استنادًا إلى الأدلة المتاحة حول ارتباط تناولها بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وخاصة سرطان القولون والمستقيم.
لكن وصف مادة أو فئة غذائية بأنها «مسرطنة للإنسان» لا يعني أن تناولها مرة واحدة يؤدي إلى الإصابة بالسرطان، ولا يعني أن تأثيرها مماثل من حيث حجم الخطر لكل المواد الأخرى الموجودة في المجموعة نفسها.
فالتصنيف يعبّر عن قوة الدليل على وجود علاقة سببية، وليس عن مقدار الخطر الناتج عن التعرض في كل حالة.
ولهذا فإن الفرق مهم بين القول إن اللحوم المصنعة ترتبط بزيادة خطر الإصابة ب السرطان عند تناولها، وبين القول إن «أكل اللانشون مرة واحدة يسبب السرطان»، وهي عبارة غير دقيقة.
لماذا تباع إذن؟
إذا كانت اللحوم المصنعة مصنفة ضمن المواد المسرطنة للإنسان، فقد يبدو السؤال منطقيًا: لماذا لا تُمنع من الأسواق؟
يوضح الدكتور أحمد أبو الريش أن هناك فرقًا جوهريًا بين منتج قد يرتبط تناوله المتكرر بزيادة خطر الإصابة بمرض على المدى الطويل، وبين مادة سامة يؤدي التعرض لها إلى ضرر حاد وفوري.
فالجهات الرقابية تضع ضوابط وحدودًا لاستخدام المواد المضافة في الأغذية، وتحدد مستويات وشروط استخدامها وفق معايير السلامة الغذائية المعتمدة.
وبالتالي فإن السماح بتداول منتج غذائي وفق القواعد والحدود التنظيمية لا يعني أن هذا المنتج هو الخيار الغذائي الأفضل أو الأكثر صحة.
وهنا يمكن توضيح الفكرة بمثال بسيط؛ فوجود مشروب غازي في الأسواق بصورة قانونية لا يعني أنه جزء أساسي من نظام غذائي صحي، وإنما يعني أن المنتج يخضع للقواعد والاشتراطات المنظمة لتداوله.
الكمية والتكرار
ومن هنا، فإن تناول سندوتش من اللانشون في مناسبة عابرة لا يعني أن الشخص سيصاب بالسرطان، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللحوم المصنعة إلى عنصر متكرر وأساسي في النظام الغذائي.
فالخطر المرتبط بها يعتمد على كمية الاستهلاك وتكراره والتعرض لها على المدى الطويل، ولذلك فإن تقليل تناولها أفضل من الاعتماد عليها بصورة منتظمة.
كما أن جودة النظام الغذائي لا تتحدد بصنف واحد فقط، وإنما بمجمل العادات الغذائية ونمط الحياة، بما في ذلك التنوع الغذائي وتناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين الأقل تصنيعًا.
هل نتجنبها؟
الخلاصة، وفقًا للدكتور أحمد أبو الريش، أن اللحوم المصنعة ليست من الأطعمة التي يُنصح بالاعتماد عليها بصورة يومية، وتقليل تناولها أو استبدالها بمصادر بروتين أقل تصنيعًا يعد خيارًا أفضل للصحة على المدى الطويل.
فالمقصود ليس الخوف من تناول سندوتش لانشون بشكل عابر، وإنما تجنب تحويله إلى عادة غذائية يومية أو متكررة، خاصة مع وجود بدائل غذائية أكثر ملاءمة لنظام غذائي صحي ومتوازن.
وبالتالي، فإن عبارة «مسموح ببيعه» لا تعني بالضرورة «صحي»، كما أن تصنيف اللحوم المصنعة كمسرطنة لا يعني أن تناولها مرة واحدة يساوي الإصابة بالسرطان؛ وإنما يشير إلى وجود أدلة علمية على ارتباط تناولها بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وهو ما يجعل تقليل استهلاكها خيارًا أكثر أمانًا وصحة على المدى الطويل.