نساء خلف خطوط العدو

نساء خلف خطوط العدود. سهام عزالدين جبريل

الرأى9-10-2026 | 16:42

المرأة السيناوية في زمن الاحتلال.. معارك الصمود والتعليم والهوية وحماية التراب الوطني

لم تكن كل معارك الحروب تدور على جبهات القتال، ولم تكن كل البطولات تُسجَّل في دفاتر العمليات العسكرية فقط، فهناك معارك أخرى خاضها الإنسان في البيوت والقرى والمدن التي وقعت أسيرة تحت الاحتلال؛ معارك من أجل البقاء، وحماية الأسرة، ومواصلة التعليم، وصون الهوية، والحفاظ على الأمل في استعادة الأرض.

ومن بين هذه المعارك تبرز تجربة المرأة السيناوية التي عاشت سنوات الاحتلال الإسرائيلي ل سيناء منذ عام 1967، وواجهت ظروفًا استثنائية امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى استكملت مصر استعادة أرض سيناء في أبريل 1982.

لقد كانت المرأة السيناوية في قلب هذا الواقع؛ تدير شؤون أسرتها، وتدبر احتياجات أبنائها، وتواجه القلق والخوف، وتحاول أن تحمي بيتها من الانكسار، بينما ظلت الأرض التي تنتمي إليها تحت الاحتلال.

كانت نساء سيناء خلف خطوط العدو، لكنهن لم يكن يومًا بعيدين عن قضايا الوطن؛ فقد خضن معركة المواجهة والصمود ، عنوانها حماية الحياة والهوية والانتماء والحفاظ على الأرض وصون التراب الوطنى

أولًا: معركة الحياة.. كيف أدارت المرأة بيتها في زمن الحرب؟

حين نتحدث عن سنوات الاحتلال، لا ينبغي أن نتوقف عند الأحداث السياسية والعسكرية وحدها، بل يجب أن نقترب من الحياة اليومية لأهل سيناء، وأن نسأل:
كيف استطاعت الأسرة أن تستمر في ظل الخوف وسطوة الاحتلال واضطراب الأحوال وصعوبة تدبير الاحتياجات؟
وكيف تمكنت الأم من رعاية أطفالها، والحفاظ على تماسك أسرتها، والتعامل مع القلق على المستقبل؟

كانت المرأة تتحمل مسؤوليات مضاعفة؛ تدبير الطعام والاحتياجات الأساسية، ورعاية الأطفال وكبار السن، ومواجهة ما تفرضه الظروف من أعباء اقتصادية واجتماعية. وتحديات أمنية
وكانت كل أسرة تتعامل مع هذه التحديات وفق إمكاناتها وظروفها، مستندة إلى ما يتاح لها من موارد وخبرات وروابط اجتماعية.

وفي هذا السياق، اكتسبت مهارات التدبير المنزلي، والاستفادة من الموارد المحدودة، والتعاون بين الأقارب والجيران، أهمية خاصة في استمرار الحياة.

ولم تكن هذه المسؤوليات سهلة، كما لم تكن النساء جميعًا يواجهن الظروف نفسها. لكن تجربة المرأة السيناوية تكشف جانبًا مهمًا من قدرة المجتمع وأفرادها على التكيف في أوقات الأزمات، وتؤكد أن استمرار الحياة في ظل الاحتلال كان في حد ذاته تحديًا يوميًا.

لم تكن الأم مطالبة فقط بتوفير احتياجات أطفالها، بل كانت تحاول أيضًا أن تمنحهم شعورًا بالأمان في واقع لم يكن مستقرًا، وأن تحميهم قدر الإمكان من الآثار النفسية والاجتماعية للحرب.
وان تؤمن احتياجات أسرتها وبيتها
وهكذا أصبح البيت مساحة للصمود، وأصبحت إدارة شؤونه مسؤولية تتجاوز حدود الواجبات المنزلية المعتادة.

ثانيًا: معركة التعليم.. حماية المستقبل في مواجهة الاحتلال

لم تقتصر معارك المرأة السيناوية على تدبير احتياجات الأسرة، بل امتدت إلى الحفاظ على حق الأبناء في التعليم، بوصفه طريقًا إلى المستقبل وأداة لبناء الوعي واحد الادوات الهامة في المقاومة والصمود

ففي ظل الاحتلال، وما صاحب تلك المرحلة من اضطرابات ومخاوف وصعوبات، أصبح استمرار الدراسة تحديًا أمام بعض الأسر. وكانت الأم تواجه سؤالًا مصيريًا:
كيف تحمي مستقبل أبنائها من آثار واقع استثنائي قد يحرمهم من فرصهم الطبيعية في التعلم والحياة؟

لقد أدركت كثير من الأمهات أن الحرب لا تهدد الحاضر وحده، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى مستقبل جيل كامل إذا انقطع عن التعليم أو فقد الأمل في حياة أفضل.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي أدته الأسرة في تشجيع الأبناء على التعلم، والتمسك بالمعرفة، ومواصلة الدراسة كلما سمحت الظروف بذلك.

فالتعليم لم يكن مجرد تحصيل دراسي، بل كان وسيلة لحماية مستقبل الأبناء، وتوسيع آفاقهم، ومساعدتهم على تجاوز آثار الحرب، والاستعداد للمشاركة في بناء مجتمعهم بعد استعادة الأرض.

ولذلك، فإن توثيق تجربة المرأة السيناوية يقتضي أن نبحث في حكايات الأمهات والطالبات والمعلمات، وأن نستعيد شهاداتهن عن المدارس والتعليم والفرص التي أتيحت أو تعثرت خلال سنوات الاحتلال.

فكما كان استرداد الأرض هدفًا وطنيًا، كان الحفاظ على مستقبل الأبناء معركة لا يجوز التفريط فيها.

ثالثًا: معركة الصمود.. حماية البيت من الانكسار

كان البيت السيناوي أكثر من مكان للإقامة؛ فقد مثّل مساحة للحفاظ على تماسك الأسرة، ونقل القيم، ومقاومة الشعور بالانقطاع عن الوطن.

وفي داخله، كانت المرأة تحاول أن تصنع قدرًا من الاستقرار وسط القلق، وأن تحافظ على الروابط الأسرية، وأن تساند أبناءها في مواجهة المخاوف التي فرضتها ظروف الاحتلال.

ولم يكن الصمود يعني غياب الخوف أو الألم، بل القدرة على مواصلة الحياة رغم وجودهما. فالأم التي تحاول أن توفر احتياجات أبنائها، وتتابع تعليمهم، وتحافظ على تماسك الأسرة، كانت تمارس دورًا أساسيًا في استمرار المجتمع.

كما مثلت روابط القرابة والجيرة والتكافل، حيثما توافرت، مصدرًا للمساندة وتخفيف الأعباء.

إن هذه التفاصيل اليومية تستحق أن تدخل في سجل التاريخ الوطني؛ لأنها تكشف أن الصمود لم يكن فعلًا عسكريًا فقط، بل كان أيضًا قدرة اجتماعية وإنسانية على مواجهة الظروف القاسية دون التخلي عن الحياة أو الانتماء.

كانت معركة الصمود هي أن يبقى البيت متماسكًا، وأن يظل الأبناء قادرين على الحلم، وألا تنتزع قسوة الظروف من الأسرة إحساسها بالانتماء إلى الوطن.

رابعًا: معركة الهوية.. حين أصبح الحفاظ على الذاكرة دفاعًا عن الوطن

في ظل الاحتلال، لم تكن الهوية مجرد عادات وتقاليد، بل كانت صلة الإنسان بأرضه وتاريخه ومجتمعه.

وهنا برز دور المرأة في نقل الذاكرة الوطنية إلى الأبناء، والحفاظ على اللغة والعادات والأغاني الشعبية والزي السيناوي والتطريز والحكايات المتوارثة.

كانت هذه الممارسات تعبر عن استمرار الحياة الثقافية والاجتماعية للمجتمع السيناوي، وتربط الأجيال الجديدة بجذورها، وتمنحها إحساسًا بالانتماء إلى المكان الذي نشأت فيه أسرها.

كما احتفظت الإذاعة المصرية، وفي مقدمتها إذاعة صوت العرب، بمكانة مهمة في ذاكرة كثير من أبناء سيناء؛ فقد كانت متابعة الأخبار المصرية، كلما أمكن ذلك، نافذة على ما يجري في الوطن، ومصدرًا للارتباط بأحداثه وآماله.

وبالنسبة إلى جيل عاش طفولته في العريش خلال الاحتلال، ارتبطت الذاكرة الوطنية بمشاهد الحياة اليومية، وبالأخبار التي تصل عبر الأثير، وبالانتظار الطويل لعودة الأرض إلى السيادة المصرية.

ومن هنا، فإن دور المرأة في الحفاظ على الهوية لم يكن منفصلًا عن دورها في تربية الأبناء؛ فالحكاية التي ترويها الأم، والعادة التي تحافظ عليها الأسرة، والتراث الذي ينتقل من جيل إلى آخر، جميعها عناصر تسهم في صون الذاكرة المجتمعية.

قد يفرض الاحتلال واقعًا على الأرض، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يمحو ذاكرة مجتمع يتمسك بتاريخه وهويته وانتمائه.

خامسًا: معركة الأرض والتراب الوطني.. البيت والجذور والانتماء

بالنسبة إلى أهل سيناء، لم تكن الأرض مجرد مساحة جغرافية، بل كانت البيت والجذور والذكريات ومصدر الرزق وامتداد تاريخ الأسرة.

ولهذا ارتبطت تجربة المرأة السيناوية تحت الاحتلال بالتمسك بالحياة على الأرض، والحفاظ على الأسرة والروابط الاجتماعية، وتربية الأبناء على معرفة تاريخ المكان والانتماء إليه.

ولا يعني ذلك أن كل امرأة خاضت مواجهة مباشرة أو شاركت في عمل مقاوم بالمعنى العسكري؛ لكن تجربتها كانت متعددة في نماذج من المواجهة والصمود فالتجارب اختلفت من أسرة إلى أخرى. لكن استمرار الحياة الاجتماعية والثقافية، والتمسك بالانتماء الوطني، يمثلان جانبًا مهمًا من تاريخ المجتمع خلال سنوات الاحتلال.

لقد ظلت الأرض حاضرة في وجدان الأسر باعتبارها جزءًا من هويتها ومستقبل أبنائها، وظل الارتباط بالارض و البيت مرتبطًا بمعنى الاستقرار والأمان والحق في الحياة الكريمة.

ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 لتفتح الطريق أمام استعادة الأرض، وصولًا إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في أبريل 1982.

وكانت عودة الأرض بالنسبة إلى المجتمع السيناوي أكثر من حدث عسكري؛ فقد ارتبطت باستعادة السيادة، وتجدد الأمل في حياة طبيعية، وبدء مرحلة جديدة من مسؤولية البناء والتنمية.

ومن هنا، فإن الحديث عن نصر أكتوبر والتحرير يكتمل حين نستعيد أيضًا ذاكرة الأسر التي عاشت الاحتلال، والنساء اللاتي تحملن أعباء الحياة، والأمهات اللاتي انتظرن عودة الأمان إلى بيوتهن.

كانت الأرض هي القضية، وكان البيت مساحة حماية الحياة، وكانت الهوية ذاكرة الوطن التي حملتها الأجيال.

سادسًا: من ذاكرة الاحتلال إلى تمكين المرأة وريادة الأعمال

إن استعادة تجربة المرأة السيناوية لا ينبغي أن تتوقف عند تسجيل معاناتها، بل يجب أن تمتد إلى فهم ما امتلكته من مهارات وخبرات، وكيف يمكن تحويل هذه الخبرات إلى فرص حقيقية في الحاضر.

ومن واقع تجربتي في العمل الإعلامي والعام، واهتمامي بقضايا المرأة، والعمل المجتمعي من خلال جمعية تنمية موارد المرأة المعيلة ومركز ليوان للتدريب وتنمية المهارات، أرى أن التمكين الاقتصادي يمثل أحد المسارات المهمة لتوسيع فرص المرأة وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.

ف المرأة السيناوية تمتلك رصيدًا من المهارات والمعارف المرتبطة بالتراث المحلي، ومنها التطريز السيناوي والمشغولات اليدوية والحرف التقليدية. ويمكن لهذه المهارات أن تتحول إلى مشروعات إنتاجية توفر دخلًا، وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية الثقافية للمكان.

لكن نجاح ريادة الأعمال لا يتحقق بالتدريب وحده؛ بل يحتاج إلى تمويل مناسب، وتطوير المنتجات، ومعرفة التسعير والإدارة، والتسويق الرقمي، والوصول إلى الأسواق، وبناء شراكات تضمن استمرارية المشروعات.

إن الهدف هو الانتقال بالمرأة من الاعتماد على المساعدات المؤقتة إلى امتلاك القدرة على الإنتاج، ومن مجرد المشاركة في النشاط الاقتصادي إلى امتلاك مشروع وفرصة حقيقية لاتخاذ القرار.

فالتمكين ليس مجرد دخل تحصل عليه المرأة، بل قدرة تكتسبها على الاختيار والاستقلال والمشاركة في صناعة مستقبلها.

وهنا يلتقي الماضي بالحاضر؛ فالمرأة التي ساهمت في الحفاظ على البيت والهوية خلال سنوات الاحتلال تستحق اليوم أن تكون شريكًا كاملًا في تنمية سيناء، وأن تتاح لها فرص التعليم والعمل والإنتاج والمشاركة في صنع القرار.

سابعًا: توثيق الشهادات.. إنصاف المرأة في الذاكرة الوطنية

إن إحدى أهم الخطوات التي نحتاج إليها اليوم هي جمع شهادات النساء اللاتي عشن سنوات الاحتلال، وتوثيق حكاياتهن بأسمائهن، ومناطقهن، وظروف حياتهن، والتحديات التي واجهنها.

نحتاج إلى الاستماع إلى أمهات العريش ورفح والشيخ زويد وبئر العبد وسائر مناطق سيناء، وإلى المعلمات والطالبات والعاملات وربات البيوت، لمعرفة كيف اختلفت تجاربهن بين المدينة والقرية والتجمعات البدوية، وكيف واجهن تحديات التعليم والعمل والرعاية وتوفير الاحتياجات.

كما ينبغي التمييز بين الشهادة الشخصية والمعلومة التاريخية التي تحتاج إلى المقارنة بالمصادر والوثائق؛ فالتوثيق الدقيق لا يقلل من قيمة الذاكرة، بل يمنحها مصداقية ويحفظها للأجيال.

إن التاريخ الوطني لا يكتمل بتسجيل المعارك العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تسجيل حياة المجتمع الذي عاش الحرب، وكيف حافظ على تماسكه وهويته، وكيف انتقل من سنوات الاحتلال إلى مرحلة التحرير والبناء.

لقد كن نساء لم يحملن السلاح وحدهُن بل حملن أعباء الوطن

حين نستعيد سنوات الاحتلال، علينا ألا ننسى أن وراء تاريخ المعارك العسكرية تاريخًا اجتماعيًا وإنسانيًا عاشته الأسر، وتحملت النساء جانبًا كبيرًا من أعبائه.

لقد خاضت المرأة السيناوية معركة الحياة، ومعركة التعليم، ومعركة الصمود، ومعركة الحفاظ على الهوية والبيت والأرض والتراب الوطني. ولم تكن هذه المعارك منفصلة عن بعضها، بل كانت جوانب متداخلة من تجربة مجتمع تمسك بحقه في الحياة والانتماء.

ومن واقع تجربتي كإحدى بنات العريش اللاتي عشن سنوات الاحتلال، أؤمن أن هذه الذاكرة تستحق أن تُروى للأجيال، لا باعتبارها حكاية ألم فقط، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ الصمود الوطني، وتجربة إنسانية تكشف قدرة المرأة على حماية الأسرة والهوية في أصعب الظروف.

إن إنصاف المرأة السيناوية يبدأ بالاعتراف بدورها، وتوثيق شهاداتها، وإتاحة الفرص أمامها لتواصل مشاركتها في التنمية وصناعة المستقبل.

فاستعادة الأرض كانت محطة تاريخية كبرى، أما بناء الإنسان وصون الهوية وتحقيق التنمية فهي مسؤولية مستمرة.

فالنساء التى عاشت خلف خطوط العدو.. كن حارسات البيت والهوية، وشريكات الصمود، وحاملات ذاكرة الوطن.

إنها حكاية المرأة التي واجهت قسوة الاحتلال بإرادة الحياة، وحملت في بيتها ووجدانها معنى الوطن، وظلت جزءًا من رحلة سيناء من الصمود إلى التحرير، ومن التحرير إلى البناء والتنمية.

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان