كشف الفنان تامر عبد المنعم، عن كواليس تنظيم احتفالية ذكرى انتصارات أكتوبر، التي أحياها الفنان محمد الحلو بمشاركة عدد من الفنانين والفرق الفنية، مؤكدا حرصه على تقديم احتفال يليق بقيمة المناسبة الوطنية، من خلال الاستعانة بأسماء فنية كبيرة وأعمال تعبر عن وجدان المصريين.
وتحدث تامر عبد المنعم، خلال حواره لـ دار المعارف، عن أهمية الأغاني والأعمال الوطنية في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، ورأيه في مستوى الأغنية الوطنية حاليا مقارنة بالأجيال السابقة، كما تطرق إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والتريندات على الوسط الفني، ورؤيته لدور وزارة الثقافة في إتاحة الفنون للجمهور بمختلف فئاته.
- ما الذي دفعك إلى الإصرار على إقامة احتفالية كبيرة بذكرى انتصارات أكتوبر؟
ذكرى انتصارات أكتوبر مناسبة كبيرة جدا، ولا يصح أن نمر عليها بشكل عادي أو نقدم احتفالية لا تتناسب مع قيمتها، نحن نحتفل بانتصار عظيم تحقق عام 1973، ونحيي هذا العام الذكرى الثالثة والخمسين له، ولذلك كان من الضروري أن نقدم عملا محترما يليق بحجم الحدث.
الحمد لله، استطعنا الاستعانة بأسماء كبيرة من الشعراء والملحنين والفنانين، من بينهم عبد السلام الأمين، ومحمد الحلو، إلى جانب مشاركة فرق فنية، منها الفرقة القومية والفرق الشعبية، كنت حريصا على أن تضم الاحتفالية قامات فنية لها تاريخ وقيمة، لأننا لا نحتفل بمناسبة عادية، وإنما نحتفل بنصر غير تاريخ مصر.
- لماذا وقع اختيارك على الفنان محمد الحلو لإحياء الاحتفالية؟
أي احتفالية بحجم ذكرى انتصارات أكتوبر تحتاج إلى نجم كبير يستطيع أن يحمل قيمة المناسبة، و محمد الحلو واحد من أصحاب الأصوات القوية التي لها مكانتها وتاريخها، لا بد أن تكون هناك أسماء ثقيلة داخل الاحتفالية، سواء على مستوى الغناء أو الشعر أو التلحين، حتى نقدم عملا يليق بالجمهور وبقيمة الانتصار.
- هل تستطيع الأغنية الوطنية أن تظل معبرة عن وجدان الأجيال الجديدة مثلما فعلت مع الأجيال السابقة؟
بالتأكيد لكن الأمر يحتاج إلى اهتمام حقيقي بالأغاني الوطنية والأفلام والمسلسلات والأعمال الوثائقية التي تتناول تاريخ مصر، لا بد أن يكون هناك إنتاج مستمر يقدم أعمالا وطنية إلى جانب الأعمال الدينية والاجتماعية وغيرها.
لدينا مسؤولية في تنمية الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة، ولا يكفي أن نتحدث عن التاريخ في المناسبات فقط، بل يجب أن يكون حاضرا في الأعمال الفنية التي يشاهدها الشباب، حتى يتعرفوا على تاريخ بلدهم ويفهموا قيمة ما تحقق فيه.
- الاحتفالية شهدت حضورا جماهيريا كبيرا، فهل يؤكد ذلك أن الفن الهادف لا يزال قادرا على جذب الجمهور؟
بالتأكيد والدليل أن الجمهور حضر بأعداد كبيرة، رغم اختلاف أسعار التذاكر، هناك تذاكر بأسعار مناسبة، وأخرى تصل إلى مستويات أعلى بحسب طبيعة الفعالية ومقاعدها، المسألة ليست مجرد أن تفتح الأبواب وتنتظر حضور الناس، وإنما أن تقدم لهم محتوى يستحق أن يخرجوا من أجله من منازلهم.
أنا أيضا حرصت على اختيار برنامج غنائي يضم أعمالا يحبها الجمهور، لأن كل عنصر في الحفل يكمل الاخر، عندما تقدم أسماء كبيرة وأغاني لها مكانتها وتاريخها، وتوفر للناس تجربة جيدة، تكون النتيجة إقبالا جماهيريا.
- رغم تراجع عدد من حفلات أكتوبر خلال السنوات الأخيرة، تمسكت بإقامة هذه الاحتفالية، فما السبب؟
يوم السادس من أكتوبر بالنسبة لي ليس يوما عاديا، وإنما مناسبة لها مكانة خاصة، أنا مؤمن بأهمية الاحتفال بالنصر وتذكير الناس به، خصوصا في ظل وجود من يشككون في بعض الحقائق التاريخية أو يحاولون التقليل من قيمة ما حدث.
النصر تحقق عام 1973، والوقائع العسكرية والتاريخية موجودة، وهناك أعمال وشهادات كثيرة يمكن الرجوع إليها لفهم ما جرى، حتى الإسرائيليون لديهم أعمال تناولت الحرب من وجهة نظرهم، ويمكن للجمهور مشاهدة فيلم "جولدا" والاطلاع على ما يطرحه بشأن تلك المرحلة، المهم بالنسبة لي أن نعرف الأجيال الجديدة حقيقة الانتصار، وأن نوضح لهم ما بذله المصريون حتى تحقق.
- هل ترى أن الأعمال الفنية التي تناولت حرب أكتوبر لا تزال كافية لتوصيل رسالتها إلى الأجيال الجديدة؟
لا الأعمال قليلة وأنا أقول ذلك بصراحة، نحتاج إلى مزيد من الأفلام والمسلسلات والوثائقيات التي تتناول حرب أكتوبر، لكن الأمر لا يتوقف عند تقديم عمل يتحدث عن المعارك بشكل مباشر، يمكن لفيلم أو مسلسل أن يناقش الشخصية المصرية ويعبر عن روحها وقدرتها على تجاوز الأزمات، وفي الوقت نفسه يحمل معاني مرتبطة بانتصارات أكتوبر.
انتصار أكتوبر جزء من الشخصية المصرية، ومن المهم أن نعرف أبناءنا كيف تحقق، وما الذي سبقه من استعداد وتضحيات، أنا شخصيا كنت أحتفل بأكتوبر حتى قبل أن أتولى أي منصب، وكنت أشارك في الاحتفالات داخل قصور الثقافة، وكنت أحرص على أن أشرح لبناتي معنى هذه المناسبة، وأحدثهن عن جدي وعن والدي، رحمه الله، وما يمثله تاريخ العائلة والوطن بالنسبة لنا.
- كيف يمكن مواجهة محاولات التشكيك في نصر أكتوبر؟
بالوعي والمعرفة وتقديم الحقائق، لا بد أن نمنح الأجيال الجديدة فرصة لفهم التاريخ من خلال مصادر وأعمال موثوقة، وأن نشرح لهم طبيعة الحرب والظروف التي سبقتها والنتائج التي ترتبت عليها.
من المهم أيضا ألا نترك المساحة كاملة للشائعات أو للمعلومات غير الدقيقة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، التاريخ لا تتم حمايته بالشعارات وحدها، وإنما بالمعرفة والتوثيق وتقديم أعمال فنية قادرة على الوصول إلى الجمهور.
- تحدثت عن خطورة التريندات على الوسط الفني، فكيف ترى تأثيرها؟
التريندات أصبحت مشكلة كبيرة، وأحيانا تكون أخطر من الشائعات التقليدية، لأنها تنتشر بسرعة وتمنح أشخاصا لا يمتلكون بالضرورة تاريخا أو تجربة حقيقية مساحة واسعة من الاهتمام.
قد تجد شخصا لا يقدم قيمة فنية واضحة، لكنه يصبح حديث الناس بسبب مقطع أو فيديو، بينما يتم تجاهل فنانين لديهم تاريخ وتجارب حقيقية، مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون وسيلة جيدة للتواصل، لكن الخطورة تبدأ عندما يصبح التريند هو المعيار الوحيد للحكم على الفنان أو تقييم تجربته.
أنا تعاملت مع نجوم كبار في مصر، وعملت مع أسماء لها تاريخ حقيقي، ولذلك أستطيع أن أميز بين الشهرة التي تأتي من تجربة فنية متراكمة، والشهرة التي تصنعها موجة مؤقتة على مواقع التواصل.
- هل يستطيع جيل المطربين الحالي تقديم أغنيات وطنية تعيش في وجدان الناس مثل أغاني الأجيال السابقة؟
الأغنية الوطنية في الماضي ارتبطت بأحداث كبرى وبأسماء صنعت تاريخ في وجدان الشعب المصري، مثل عبد الحليم حافظ وهاني شاكر ومحمد الحلو، وغيرهم من الفنانين الذين قدموا أعمالا ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة.
الأغنية الوطنية لا تعيش بالصوت وحده، وإنما ترتبط بالكلمة واللحن والحدث والصورة التي تتكون في ذاكرة الناس، عندما نتحدث عن عبد الحليم حافظ، مثلا، نجد أن هناك ارتباطا قويا بين أعماله الوطنية والأحداث التي عاشها المجتمع المصري.
هذا لا يعني أن الجيل الحالي غير قادر على تقديم أغنيات مؤثرة، لكن المطلوب هو أن تكون هناك أعمال تحمل قيمة حقيقية وتستطيع أن ترتبط بوجدان الناس، بدلا من الاكتفاء بتقديم أغنية مرتبطة بمناسبة ثم تختفي بعدها.
- كيف تتعامل مع مسؤوليتك في تقديم الفعاليات الفنية والثقافية بأسعار تناسب الجمهور؟
أنا أرى أن مهمتي لا تقتصر على تقديم الحفلات، وإنما تتعلق أيضا بإتاحة الثقافة والفن لأكبر عدد ممكن من المواطنين، هناك مواطنون في سيوة وحلايب وشلاتين والخارجة والداخلة وأسوان، ومن حقهم أن تصل إليهم الخدمات والأنشطة الثقافية.
من هنا تأتي أهمية مشروع "سينما الشعب"، الذي أعتبره واحدا من أهم مشروعات الثقافة المصرية، الفكرة أن يستطيع المواطن اصطحاب أسرته إلى مكان محترم، تتوافر فيه عوامل الأمان والتنظيم، ويشاهد فيلما أو عرضا فنيا بسعر مناسب.
لا بد أن نعمل على تقليل الفجوة بين الطبقات من خلال الثقافة، وأن نجعل الفن متاحا لمن لا يستطيع دفع مبالغ كبيرة لحضور الحفلات أو دخول دور العرض ذات الأسعار المرتفعة.
- لكن تقديم الفعاليات بأسعار منخفضة قد لا يحقق أرباحا كبيرة، فكيف توازن بين التكلفة والعائد؟
يجب أن نفرق بين الربح وتعظيم الإيرادات، أنا لا أعمل في القطاع الخاص الذي يكون الربح هدفا أساسيا من أهدافه، وإنما أتعامل مع مسؤولية عامة، ومن المفترض أن يكون الهدف هو خدمة الناس وتحقيق أكبر استفادة ممكنة من الموارد المتاحة.
تعظيم الإيرادات يعني أن أستطيع زيادة العائد من خلال الإدارة الجيدة، لكن ليس على حساب المواطن أو على حساب الهدف الثقافي نفسه، وفي بعض الفعاليات، قد تكون التكلفة أكبر من الإيرادات، ومع ذلك أعتبر إقامتها واجبا لأنها تحقق قيمة معنوية وثقافية لا يمكن قياسها بالأموال فقط.
أنا أحاول أن أقدم أفضل ما يمكن بأقل تكلفة، وأتابع أسعار التذاكر والإعلانات والتسويق والتنظيم، لأن هذه مسؤوليتي، سواء أمام الجهات المعنية أو أمام الجمهور أو أمام الله.
- كيف تتابع بنفسك تفاصيل الحفلات والفعاليات التي تنظمها؟
هذا جزء من عملي، ولذلك أحرص على متابعة التفاصيل، بداية من أسعار التذاكر وحتى شكل الدعاية والتنظيم، لا بد أن أعرف كيف يتم تسويق الحفل، وما حجم الإقبال، وهل الأسعار مناسبة للجمهور أم لا.
أنا لست شخصا بعيدا عن التفاصيل، بل أحاول أن أتابع كل شيء حتى نحقق أفضل نتيجة ممكنة بالموارد المتاحة، الإمكانات ليست مفتوحة، ولذلك يحتاج العمل إلى إدارة دقيقة واختيار جيد للأولويات.
- ما حقيقة اعتذارك عن التعاون مع محمد رمضان، ثم اتجاهك إلى العمل مع الفنان أحمد آدم؟
أنا لا أشعر بالندم على شيء، لأنني مؤمن بالنصيب، وأؤمن بأن الإنسان يسعى ويعمل، لكن النتائج في النهاية ليست كلها تحت سيطرته.
قد يبذل شخص مجهودا كبيرا ولا يحقق النجاح الذي ينتظره، وقد تأتي فرصة لشخص اخر وتحقق له نجاحا واسعا، لذلك لا أتعامل مع الأمور باعتبار أن كل ما أخطط له لا بد أن يحدث بالشكل الذي أريده.
أنا أؤمن بأن لكل مرحلة ظروفها، وأن الإنسان يجب أن يستمر في العمل، من دون أن يظل أسيرا لقرار أو تجربة سابقة.
- هل ترى أن الجمهور هو المعيار الحقيقي لنجاح الفعاليات الثقافية؟
الجمهور هو الأساس، والجمهور الذي اعتاد الحضور إلى مسرح البالون وغيره من المواقع الثقافية هو الذي يمنح هذه الفعاليات قيمتها، عندما تقدم محتوى يحترم الناس وتوفر لهم مكانا مناسبا وأسعارا معقولة، فإنك تمنحهم فرصة حقيقية للاستمتاع بالفن.
ليس من المنطقي أن تصبح الثقافة حكرا على فئة تستطيع دفع مئات الآلاف لحضور حفل، بينما لا يستطيع المواطن العادي اصطحاب أسرته إلى عرض فني، يجب أن تكون هناك بدائل تتيح للناس الاستمتاع بالفنون المختلفة، سواء في السينما أو المسرح أو الحفلات.
- ما رأيك في الجدل الذي أثير حول المهرجانات والفعاليات الفنية ذات التذاكر مرتفعة الثمن؟
لا بد من النظر إلى المسألة من أكثر من زاوية، لكن من المهم أن نعرف أن هناك اختلافا بين الفعاليات التي تنظمها جهات هدفها الأساسي الربح، والفعاليات التي تقدمها المؤسسات الثقافية بهدف خدمة الجمهور.
أنا مسؤول عن عملي، وأرى أن من واجبي متابعة تفاصيل الفعاليات التي أشارك في تنظيمها، والتأكد من أن أسعارها تتناسب مع طبيعتها والفئات المستهدفة منها، كما أنني أحرص على متابعة التسويق والإعلانات والتكلفة، لأن كل ذلك يدخل في نطاق مسؤوليتي.
سبق أن تحدثت عن فكرة تكريم الفنان الراحل هاني شاكر، فما الذي تفكر في تقديمه تخليدا لذكراه؟
سبق أن طرحت فكرة إقامة تكريم يليق بالفنان هاني شاكر، سواء من خلال تخصيص مساحة تحمل اسمه أو تنظيم احتفالية فنية تليق بتاريخه ومكانته.
تحدثت مع زوجته، وأوضحت لها أنني سعيد بفكرة تقديم هذا التكريم داخل مصر، لأن الفنانين الذين تركوا أثرا كبيرا في وجدان الناس يستحقون أن تظل ذكراهم حاضرة، وأن تتعرف الأجيال الجديدة على أعمالهم وإسهاماتهم.
- ما رسالتك إلى كل من ساهم في تحقيق نصر أكتوبر، ورسالتك للجيل الجديد؟
أوجه التحية لكل من شارك في حرب أكتوبر، بداية من أصغر جندي وحتى قادة القوات المسلحة، وكل من ساهم في تحقيق هذا الانتصار العظيم، وأقول لهم شكرا على ما قدمتموه من تضحيات وجهد من أجل مصر.
نحن ندرك حجم المسؤولية التي تتحملها القوات المسلحة، وأهمية دورها في حماية البلاد، الجيش المصري يمثل ركيزة أساسية في أمن الوطن، ومن واجبنا أن نحافظ على ذاكرة الانتصار، وأن ننقل للأجيال الجديدة حقيقة ما قدمه أبطال أكتوبر حتى تظل هذه المناسبة حاضرة في وجدان المصريين، ولابد من حفظ الجيل الجديد النشيد الوطني ويحبون هذا الوطن وهذه هى رسالتي لهم.