فى غزة، حيث يبدو الخراب أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، اختارت مجموعة من النساء أن تقول إن الحياة لم تنته بعد، وإن السينما يمكن أن تكون نافذة صغيرة يدخل منها الضوء إلى مدينة أثقلها الموت.
ومن هنا يكتسب مهرجان غزة الدولى ل سينما المرأة معنى يتجاوز فكرة المهرجان السينمائى التقليدي، ليصبح فعلا ثقافيا وإنسانيا يتمسك بالحياة فى مواجهة الدمار.
فما معنى أن تقام عروض سينمائية فى مكان فقد كثيرا من مقومات الحياة؟
وما معنى أن تجلس امرأة فلسطينية لتشاهد فيلما أو تصنع فيلما، بينما تحيط بها آثار القصف والنزوح والفقد؟.. المعنى ببساطة أن الإنسان لا يقاوم الموت بالبقاء على قيد الحياة فقط، وإنما يقاومه أيضا حين يصر على أن يظل قادرا على الحلم والتذكر والحكى والإبداع.
وهنا تحديدا تأتى السينما، فالشاشة ليست مجرد مساحة لعرض الصور، وإنما مساحة لاستعادة الإنسان نفسه من بين الركام، والكاميرا فى مثل هذه الظروف، لا تصبح أداة فنية فحسب، بل وسيلة لحفظ الذاكرة ومنح الضحايا أسماء ووجوها وحكايات، حتى لا يتحول الألم إلى مجرد أرقام عابرة فى نشرات الأخبار.
ويكتسب تخصيص المهرجان للمرأة أهمية استثنائية، لأن المرأة الفلسطينية لم تكن فى هذه الحرب مجرد شاهدة على المأساة، ولكنها تحملت ما يتجاوز قدرة البشر على الاحتمال، ومع ذلك لم تتوقف عن أداء أدوارها اليومية، ولم تتخل عن أطفالها، ولم تسمح للخراب بأن يمحو ذاكرتها.
ولذلك فإن تكريمها من خلال مهرجان سينمائى ليس تكريما لتضحياتها فقط، وإنما اعتراف بدورها بوصفها حارسة للذاكرة وصانعة للحياة وصاحبة حق فى رواية قصتها بنفسها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان بعد الكارثة هو أن يفقد القدرة على الكلام.
ولذلك يصبح الفيلم نوعا من استعادة الصوت، وحين تصنع امرأة فلسطينية فيلما عن حياتها، فإنها لا تروى حكايتها الخاصة فقط، وإنما تواجه خطر اختفاء الحكاية الفلسطينية نفسها تحت طبقات الركام.
ومن هذه الزاوية، يصبح مهرجان غزة الدولى ل سينما المرأة شكلا من أشكال مقاومة المحو، فالدمار يمكن أن يهدم البيوت، لكنه لا يستطيع بالضرورة هدم الذاكرة، والقنابل يمكن أن تسقط الجدران، لكنها لا تستطيع إسقاط صورة أم تحتضن طفلها، أو فتاة تتمسك بدفترها، أو امرأة تروى للعالم كيف عاشت وفقدت ونجت واستمرت.
ولهذا فإن مهرجان غزة الدولى ل سينما المرأة لا ينبغى النظر إليه باعتباره مجرد مناسبة فنية، وإنما باعتباره فعلا من أفعال التشبث بالحياة، وربما لا تستطيع السينما أن توقف الحرب، ولا أن تعيد بيتا تهدم أو ابنا فقدته أم، لكنها تستطيع أن تمنع المأساة من أن تصبح بلا وجه ولا ذاكرة، وتؤكد أن وراء كل صورة حكاية، ووراء كل امرأة فلسطينية صامدة تاريخ من الألم والأمل.