ما بين العبور ومعركة البقاء والوجود إرادة شعب قادرة على الصمود وصناعة المعجزات، تلك الإرادة المصرية التى تشكلت من فولاذ أثقله الدهر فصنع منه عزيمة لا تلين أمام أى صعاب، ليتضح للقاصى والدانى أن الشخصية المصرية عصية قاهرة للأعداء والتحديات، ولعل انتصار السادس من أكتوبر العظيم خير شاهد ودليل على معدن هذا الشعب النفيس الذى ظهر بريقه مجددًا حينما قرر استرداد الوطن من الإرهاب وخوض معركة لا تقل أهمية عن معركة العبور ألا وهى معركة البقاء والوجود.
مصر التى اختارت من السلام سبيلًا لم تكن يومًا مستسلمة أو راضخة، بل على العكس، فقد قررت السلام من منطلق قوة لا تقهر تجلت عبر سحق الأعداء وعبور القناة فى السادس من أكتوبر عام 1973، تلك القوة المصرية الرشيدة القادرة على صون مقدرات الوطن وحماية أراضيه، والتي توصف بكونها قوة وطنية شاملة ترتكز على الردع الشامل وجبهة داخلية متماسكة، هى اليوم أيضًا تخوض معركة بقاء ووجود وسط هذا الإقليم المضطرب الذى تموج به الصراعات والأزمات، فصمود الدولة المصرية اليوم والذى يتطلب صبرًا استراتيجيًا ومواصلة العمل والبناء وصون مقدرات البلاد هو السبيل الأمثل للاستمرار والعبور من معترك إقليمى فوضوى يعصف بالدول والشعوب، فإذا كان الآباء الأمجاد قد نجحوا فى عبور القناة لانتزاع النصر، فعلينا اليوم عبور مستنقع الفوضى الإقليمية وصولًا إلى البقاء والوجود، وأيضًا تعظيم النصر واستكمال مسيرة العطاء للوطن، ولهذا جاءت كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة ذكرى النصر تستدعى روح أكتوبر التى نحن فى أمس الحاجة لاستدعائها الآن ونحن نواجه تداعيات تحديات ومهددات إقليمية غير مسبوقة تؤثر على الوضع المعيشى للمواطن، وهو ما تستشعره وتقدره القيادة السياسية التى تراهن على وعى الشعب المصرى الذى فرض عليه استكمال معركة العبور والحفاظ على تماسك الدولة المصرية وسط هذا الإقليم الهش الذى تتمزق فيه الجغرافيا وتشرد على أرضه الشعوب.
فنحن ومنذ هبت رياح الخريف العربى على المنطقة فى مواجهة تحديات الفوضى الإقليمية والإرهاب والتبعات الاقتصادية للصراعات والحروب الإقليمية والدولية على الداخل المصرى، ليتأكد لنا اليوم أن تحقيق النصر كان معجزة وأمرًا صعبًا، لكن المحافظة على هذا النصر هى المهمة الأصعب فى ظل معركة تعتمد على استهداف الجبهة الداخلية واختراق الوعى الجمعى المصرى الذى يجب أن يصمد أمام تلك المحاولات باليقين بأن مهمة الأجيال الحالية هى العبور بالجمهورية من فوضى إقليمية إلى عالم يتشكل من جديد.