«أكتوبر».. عندما تشتعل النار فى مؤخرة سموتريتش وآخرين

«أكتوبر».. عندما تشتعل النار فى مؤخرة سموتريتش وآخرينسعيد صلاح

الرأى11-10-2026 | 16:00

كلما جاءت ذكرى نصر أكتوبر المجيد، أجد نفسي أمام مشهد يتكرر بطريقة تكاد تكون لافتة للنظر، فى مصر نحتفل بذكرى حرب أكتوبر، نستعيد ذكريات العبور، نتذكرالشهداء، وننظر إلى سيناء التي عادت كاملة إلى السيادة المصرية، وفى إسرائيل يبدأ الكلام من جديد عن أكتوبر.
مرة يخرج بنيامين نتنياهو ليقول إن إسرائيل تعرضت لهجوم مفاجئ فى بداية الحرب، لكنها قلبت موازين المعركة بعد ذلك، ومرة يخرج سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي المختل، ليتحدث عن سيناء وكأنها ورقة فى معركة انتخابية داخل إسرائيل.
وفى القاهرة، تأتي السفارة السورية لتعلن توقف أعمالها لأن الخميس عطلة رسمية فى «البلد المضيف»، من دون أن تقول إن المناسبة هي ذكرى حرب أكتوبر، أو حرب تشرين، التي شاركت فيها سوريا إلى جانب مصر.
قد تبدو هذه الوقائع منفصلة، لكني أنا لا أراها كذلك، أراها كلها تدور حول شيء واحد، «أكتوبر» ما زال حاضرًا، وما زال مؤثرًا، وما زال قادرًا على إزعاج من يريدون إعادة كتابة التاريخ على مقاس اللحظة السياسية.
سموتريتش، فى تقديري، لا يستحق أكثر من حجمه الحقيقي، هو وزير إسرائيلي كما قلت مختل ومعروف بمواقفه المتطرفة، ويتحدث فى سياق سياسي وانتخابي إسرائيلي، ويحاول أن يقدم نفسه لجمهوره باعتباره الرجل الذي لا يتراجع أمام أحد، لكن عندما يختار سيناء موضوعًا لكلامه، فهنا يصبح الأمر مختلفًا، سيناء ليست شعارًا انتخابيًا، وليست ورقة فى حملة سياسية، وليست مساحة يمكن استعادتها بالكلام.
سيناء أرض مصرية عادت إلى مصر، عادت بعد حرب خاضها الجيش المصري، وعادت بعد تضحيات كبيرة، وعادت أيضًا من خلال مسار سياسي تفاوضت فيه الدولة المصرية وهي تعرف جيدًا ما تريد، ولهذا فإن الكلام عن سيناء بهذه الخفة لا يقول شيئًا عن قوة مصر، لكنه يقول الكثيرعن طبيعة الخطاب الذي يخرج من داخل إسرائيل كلما اقتربت ذكرى أكتوبر، والأهم أن الرد المصري الرسمي كان واضحًا، مصر لا تحتاج إلى الدخول فى مزايدة،
ولا تحتاج إلى تكرار عبارات الحرب والتهديد.
الموقف المصري قال ببساطة إن الزج باسم سيناء فى هذه التصريحات مرفوض، وإن مصر تعرف كيف تحمي أرضها وسيادتها وأمنها القومي، وهذه فى رأيي، هي النقطة التي يجب أن نفهمها جيدًا، القوة ليست فى ارتفاع الصوت، القوة الحقيقية فى أن يعرف الآخر حدودك، ويعرف أنك قادر على الدفاع عنها.
أعود إلى «أكتوبر»، لأن البعض يتعامل مع حرب أكتوبر وكأنها حرب انتهت بانتهاء المعارك، وهذا غير صحيح، الحروب تنتهي على الأرض، لكنها تترك آثارها فى السياسة وفى موازين القوى وفى الوعي، ففى السادس من أكتوبر 1973 عبر الجيش المصري قناة السويس واقتحم خط بارليف، وأسقط واحدة من أغرب الأساطير العسكرية التي استندت إليها إسرائيل بعد عام 1967، وهي أسطورة أن جيشها قادر على منع أي جيش عربي من تغيير المعادلة بالقوة، هذه حقيقة لا تحتاج إلى مبالغة، ولا تحتاج إلى خطابة، ولا تحتاج إلى رواية إسرائيلية تؤكدها أو تنفيها، يكفى أن ننظر إلى ما حدث بعد الحرب، سيناء التي كانت تحت الاحتلال عادت إلى مصر.
ولهذا لا أفهم أحيانًا هذا الإصرار الإسرائيلي الغريب على تقديم «أكتوبر» باعتبارها مجرد ضربة مفاجئة نجحت إسرائيل بعد ذلك فى تجاوزها، إذا كان الأمر بهذه البساطة، فلماذا ما زال «أكتوبر» حاضرًا فى الخطاب الإسرائيلي بعد 53 عامًا؟ ، لماذا يحتاج رئيس وزراء إسرائيلي إلى إعادة شرح الحرب كلما جاءت ذكراها؟، ولماذا يخرج وزير إسرائيلي ليتحدث عن سيناء تحديدًا فى أيام الاحتفال بذكرى العبور؟ لأن الذاكرة العسكرية ليست سهلة المحو، وأكتوبر بالنسبة لإسرائيل لم يكن يومًا عاديًا، كان صدمة، وكان اختبارًا، وكان درسًا فى أن التفوق العسكري لا يعني امتلاك المستقبل.
لا أريد أن أتوقف طويلًا عند الرواية الإسرائيلية المزعومة ، لأن هناك شيئًا أهم، أكتوبر ليس ملكًا لإسرائيل حتى ننتظر منها تفسيره، وهو أيضًا ليس ملكًا لحكومة عربية بعينها حتى تستطيع أن تلغيه من الذاكرة بمجرد قرار إداري، ولهذا توقفت أمام قرار سلطات الحكومة السورية المؤقته إلغاء عطلة حرب تشرين من قائمة العطلات الرسمية، أنا لا أتحدث هنا عن السوريين،
ولا أحمّل شعبًا كاملًا موقف حكومة، لكنني أتحدث عن قرار رسمي وعن صياغة رسمية، الحرب وقعت، والجيش السوري شارك فيها، والسوريون قاتلوا، وهذه حقائق تاريخية لا تتغير بتغيير السلطة أو النظام، ومن حق أي دولة أن تعيد ترتيب عطلاتها الرسمية، لكن إسقاط مناسبة من التقويم لا يسقطها من التاريخ، والأغرب أن السفارة السورية فى القاهرة، فى يوم العطلة المصرية، اختارت أن تقول إن الإغلاق سببه أن اليوم عطلة فى «البلد المضيف» فقط ، لا أكتوبر، ولا تشرين، ولا الحرب، ولا المناسبة المشتركة.
وهنا أتساءل: لماذا؟....... لا أحتاج إلى إجابة سياسية جاهزة، لكن من حقي أن أتساءل، هل يمكن أن تصبح حرب خاضها الجيش السوري نفسه مرتبطة بنظام سياسي سابق إلى الدرجة التي تجعل التخلص من رمزية النظام يعني التخلص من ذكرى الحرب أيضًا؟ إذا كان هذا هو المنطق، فهو منطق لا يصمد أمام التاريخ، الشعوب لا ترث انتصاراتها من الحكومات، ولا تفقدها بسقوط الحكومات.
الأمر نفسه ينطبق على محاولات أخرى تظهر من حين إلى آخر لتقديم أحداث لاحقة باعتبارها البديل عن أكتوبر، ومن هنا يأتي الكلام عن 7 أكتوبر 2023 ومحاولة وضعه فى مواجهة 6 أكتوبر 1973، أنا لا أرى أن المقارنة من الأساس صحيحة 6 أكتوبر 1973 حرب خاضتها مصر بجيشها، فى إطار قرار دولة، وبهدف استعادة أرضها، أما 7 أكتوبر 2023 فهو حدث آخر تمامًا، له ظروفه وأطرافه ونتائجه وسياقه.
ليس من حق أحد أن يسرق من أكتوبر المصري مكانته ليمنح حدثًا آخر بطولة لمجرد أنه يريد إعادة ترتيب التاريخ وفق حساباته السياسية، التاريخ ليس مسابقة، ولا توجد حاجة لأن نخفض من قيمة حدث حتى نرفع من قيمة حدث آخر، أكتوبر المصري يقف على أرضه، وهذا يكفي، لكن الأهم بالنسبة لي ليس فقط ما حدث فى 1973، الأهم هو ما الذي تعلمته مصر من أكتوبر.
وهنا نصل إلى مصر اليوم، مصر التي دخلت حرب 1973 ليست هي مصر اليوم، والجيش المصري الذي خاض حرب العبور تطورت قدراته عشرات المرات، الدولة المصرية تعرف أن المنطقة تغيرت، وأن مصادر الخطر تغيرت، وأن حماية الأرض لا تبدأ عندما تبدأ الحرب، تبدأ قبل ذلك بكثير.
بناء القوة جزء من حماية السلام، تنويع مصادر التسليح جزء من حماية القرار الوطني، تطوير القوات المسلحة جزء من حماية الحدود، ورفع الجاهزية جزء من منع الحرب أصلًا، وهذه هي النقطة التي أرى أنها غائبة عن كثير من الكلام الذي يقال عن مصر، مصر لا تبني قوتها لأنها تبحث عن حرب، مصر تبني قوتها حتى لا تضطر إلى خوض حرب.
وهنا تحديدًا أرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يملك فهمًا واضحًا لمعنى الردع، الردع ليس أن تستخدم السلاح، الردع أن تمتلك السلاح، وأن يعرف الآخر أنك قادر على استخدامه إذا فُرض عليك، أن تكون مستعدًا، لكنك لا تبحث عن المعركة، أن تترك للدبلوماسية مساحتها، لكنك لا تسمح لأحد بأن يفسر ضبط النفس باعتباره ضعفًا، وهذه معادلة صعبة، لكنها المعادلة التي تحتاجها مصر فى منطقة شديدة الاضطراب.
والرئيس السيسي، خلال السنوات الماضية، عمل على بناء قوة عسكرية مصرية حديثة، وعلى تنويع مصادر التسليح، وعلى رفع جاهزية القوات المسلحة، وفى الوقت نفسه، ظلت الدولة المصرية تستخدم الدبلوماسية والسياسة والتفاوض، لم تتحول القوة إلى استعراض، ولم تتحول الدبلوماسية إلى تردد.
وهنا بالضبط يظهر معنى الردع، أحيانًا تكون أقوى طلقة هي التي لا تضطر إلى إطلاقها، وأحيانًا يكون أفضل دليل على القوة أن تستطيع استخدام القوة، ثم تختار ألا تستخدمها، لكن هناك شيئًا آخر لا يجب أن ننساه، القوة وحدها لا تكفي، الوعي بالقوة جزء من القوة، والذاكرة الوطنية جزء من القوة.
ولهذا لا أرى أن علينا أن ننفعل كل عام أمام تصريح إسرائيلي جديد، ولا أن ندخل فى مباراة تصريحات، ولا أن نرد على كل سموتريتش بسموتريتش مصري، مصر أكبر من ذلك، الرد الحقيقي موجود ، فى سيناء نفسها، فى العلم المصري المرفوع عليها، فى الجيش الذي يحمي حدودها، فى الدولة التي تعرف أين تقف، وفى شعب يعرف ماذا دفع حتى تعود الأرض
سموتريتش يستطيع أن يتحدث عن سيناء فى مقابلة انتخابية، ونتنياهو يستطيع أن يعيد تفسير أكتوبر بالطريقة التي تناسب جمهوره، والسفارة السورية تستطيع أن تكتب «البلد المضيف» بدلًا من اسم المناسبة، ويمكن لأصوات أخرى أن تحاول أن تضع 7 أكتوبر مكان 6 أكتوبر، كل ذلك لن يغير الحقيقة.
أكتوبر حدث.. العبور حدث.. وتحرير سيناء حدث، والجيش المصري قاتل وانتصر فى معركة استعادة الأرض، ثم خاضت الدولة المصرية معركة أخرى، طويلة وصعبة، حتى عادت سيناء كاملة، لهذا أعتقد أن أفضل احتفال بأكتوبر ليس أن نصرخ أكثر، بل أن نفهم أكثر، أن نعرف لماذا حاربنا، وكيف حاربنا، وكيف استعدنا الأرض، وكيف حافظنا عليها، وكيف نبني اليوم القوة التي تمنع أي طرف من التفكير أصلًا فى الاقتراب منها، هذه هي رسالة أكتوبر التي أفهمها، لا نريد الحرب، لكننا لا نخاف منها.. نريد السلام، لكننا نعرف كيف نحميه.. نمد أيدينا للسلام، لكننا لا نترك أرضنا بلا حماية، وهذا هو الفارق بين دولة تتحدث عن القوة ودولة تمتلكها.
بعد 53 عامًا، ما زال أكتوبر يزعجهم ويشعل النار فى مؤخراتهم ، وما زال بعضهم يحاول إعادة تفسيره، وما زال بعضهم يريد إسقاطه من التقويم، وما زال بعضهم يحاول استبداله بذكرى أخرى.
أما نحن، فلا نحتاج إلى كل هذا، يكفينا أن ننظر إلى سيناء، ثم نتذكر، ونفهم لماذا كان نصرأكتوبر نقطة تحول، ولماذا ستظل مصر، وهي تحتفل بأكتوبر، تقول بهدوء وثقة: هذه أرضنا..هذه قوتنا.. وهذا سلامنا.، ولن نسمح لأحد بأن يختبر صبر مصر أو يمس ذرة من ترابها.. و«لو عايز تجرب قرب».
حفظ الله الجيش .. حفظ الله الوطن

أضف تعليق

معجزة النصر

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين
اعلان