كتب: عاطف عبد الغنى
(هات من الآخر) عبارة دارجة يلجأ إليها المصريون عندما يحاورهم أو يناورهم من يحاول أن يستخف بذكائهم أو يراهن على خديعتهم.. والعبارة تحمل دلالات محددة، منها مثلا إيصال رسالة للمتحدث " أن توقف حالا" عن مناوراتك، ومنها أيضاً ألق كلامك و اختصر لأن حديثك ثقيل، أو شديد الوطأة، ومنها إنك لن تستطيع أن تخدعنى وهذا هو المعنى الأقرب لما أريد أن أقوله لبعض من المشاركين – وأكثرهم كاذبون ثقلاء ظل - فى السجال الدائر الآن عن الأزهر.
إلى هؤلاء الذين اندفعوا فى الهجوم على الأزهر فى مزايدة مكشوفة، لاول متطلبها منهم القيادة السياسية، نقول لهم من الآخر الدولة ولا الرئيس السيسى ولا مسئول حكومى ذو حيثية طلب منكم أن تزايدوا على موقفهم من الأزهر، ونقول لهم ثانيا إنه لاأحد عاقل فى هذا الوطن يتصور أن هناك مسئول يسعى للحفاظ على هذه الدولة ووحدتها، يطرح أو يقبل أن تدخل الدولة فى صدام مع الأزهر، إلا أن تعض الدولة إصبعها، أو تسعى لتقويض مؤسسة من أهم مؤسساتها، ولاحظ من فضلك إن نىقلت "الدولة" وليس الرئيس، فالدولة مصطلح أعم وأشمل للسلطات، فسلطة الرئيس تمثل دائرة من عدة دوائر للسلطة وليس كل السلطة.. لكن إذا سألتنى عن موقف الرئيس عبد الفتاح السيسى نفسه، فرأيى الشخصى – دون مزايدة – أنه يدرك أهمية الأزهر على كل المستويات: الدينية والاجتماعية والتاريخية والتى تمنح الأزهر فى مجموعها مكانة، و دورا هو فرض عين، مكلف للقيام به لا مختارا ، ويصب هذا الدور فى الرافد السياسى للدوائر المصرية والعربية والإسلامية.
ومنذ بداية المشهد السياسى الذى تواجد فيه رئيس مصر الحالى وأفضى للحاضر، كان موقفه واضحا من الأزهر، وجلاء هذا الموقف عندما حرص وزير الدفاع عبد الفتاح السيسى، ومعه قادة الجيش المصرى أن يجعل من الأزهر شريكا فى تحالف 30 / 6 ، حدث هذا قبل 4 سنوات، وفى ذات المشهد جلس إلى جوار الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب، البابا تواضروس الثانى رأس المؤسسة الدينية القبطية المصرية لتكتمل صورة الأغلبية الشعبية على أساس العقيدة، وبسبب هذا الموقف يدفع الأقباط ثمن وقوفهم إلى جوار أشقائهم المسلمين فيما انعقدت عليه نية الأغلبية الشعبية و ترجمته إلى فعل رافض لحكم الإخوان بعد إدراك أن الأخيرين يسيرون بالوطن إلى الحفرة التى سقطت فيها دول المنطقة العربية المنكوبة.
الأزهر أيضا لم يسلم من الطعنات التى تطوله منذ ثورة 25 يناير، وقد قد تعرض لهجمة شرسة فى أعقاب تلك الثورة، كان من الواضح أن النية فيها مبيتة على سؤ، وأن كل التيارات السياسية الإسلاموية التى صعدت للسلطة قررت أن تسيطر على الأزهر، وإذا لم تستطع أن تعلن نفسها بديلا عنه، فعلى الأقل تخترقه من الداخل، وأول وأبرز هذه التيارات الإخوان، وساندهم فى ذلك السلفيين قبل أن يختلفا على تقاسم السلطة، ومن هنا تحرك المجلس العسكرى لتعديل قانون الأزهر ومنح هيئة كبار العلماء فيه سلطة اختيار شيخ الأزهر والمفتى حتى يكون اختيار هذين المنصبين من داخل المؤسسة ذاتها ولا يفرض عليها، وبذلك تم قطع الطريق على المتنمرين - من الإخوان والسلفيين - لاصطياد المؤسسة الجامع قبل الجامعة.
ومع اشتداد هجمة الإرهاب المبنى على اجتهادات وتفسيرات خاطئة منسوبة للشرع الحنيف، واشتداد هجمة التشويه لصورة العقيدة المحمدية، والدين الإسلامى، فى الداخل والخارج، كرر الرئيس السيسى دعوته لتجديد الخطاب الدينى، وكانت الدعوة موجهة بالأساس للأزهر فليس هناك من يستطيع التصدى للتفسيرات الشرعية المغلوطة والخطاب التكفيرى المؤسس على اجتهادات خاطئة فى تفسير النصوص القرآنية إلا الأزهر، والأزهر يملك هذا الفكر لكنه للأسف لا يملك آليات توصيله ونشره على الناس، ولم ينسق مع الجهات الإعلامية التابعة للدولة بهذا الشأن، ومع الإقرار بالجهود الكبيرة التى يبذلها الأزهر على مستوى الجامعة وكلياتها التى تدرس علوم الدين، فيما يخص تنقية المناهج المختلفة، إلا أن الأزهر الجامع لم يستطع حتى اللحظة الوصول إلي المعنيين، وخاصة من فئات الشباب الذين يمثلون تربة خصبة لنمو وتكاثر فيروسات التطرف.
وبمعنى أخر إذا كان الأزهر يبذل مجهودا كبيرا على مستوى خططى طويل الأمد فهناك خطوات عاجلة لم يستطع أن يخطوها، ولو أن هذه الخطوات تحتاج فى رأيى إلى إبداع وعمل غير تقليدى ومجهود خرافى، وهذه الصفات الثلاثة لاأراها تتوفر لعمل الأزهر فى هذا الشأن، ولعل ما أراد الرئيس أن يوصله مرارا للشيخ الطيب هو السؤال : أين عمل الأزهر؟! وأن يفعل الرئيس ذلك على مرأى ومسمع من الشعب فهو كمن يشهده ، وفى ذات الوقت يشرك الشعب معه فى أفكاره وهمومه.
وما سبق هو مجرد اجتهاد شخصى، لاأزايد فيه على أحد، ولا أدعى أننى أقرأ مايدور فى عقل الرئيس، إلا أننى على ثقة أنه لايمكن لعاقل يحكم مصر أن يسعى لهدم الأزهر أو الصدام معه والرئيس السيسى سيدالعاقلين.