في هدوء شديد ودون ممارسة أي ضغوط من الحكومة البريطانية عليه أقدم السير كيم داروش السفير البريطاني في الولايات المتحدة على تقديم استقالته من منصبه، مبرراً ذلك بأنه أراد وضع حد للتكهنات التي تثار بشأن مستقبله كسفير في واشنطن وأيضاً لعجزه النفسي عن مواصلة دوره بحرية وأداء عمله كما يرغب....
الاستقالة جاءت كطوق نجاة للعاصمتين الحليفتين (لندن وواشنطن) لإنهاء بوادر أزمة دبلوماسية كانت قد بدأت تلوح في الأفق، ربما تتسع لتدفع العلاقات بينهما إلى مستوى أدنى مما هي عليه الآن، خاصة بعد ليلة من التلاسن والتراشق اللفظي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت.
الأزمة بدأت على مدار الأيام الماضية وتصاعدت بعد نشر جريدة الديلي ميل البريطانية اليمينية تسريبات سرية لمجموعة من المراسلات الدبلوماسية، التي أرسلها ( كيم داروش) لحكومته في لندن يُقيّم فيها أداء الرئيس الأمريكي وإدارته ويُبدي آراء حول شخصية الرئيس، التي جاءت كلها في المجمل سلبية وصادمة.
فمثلاً وصف السير داروش في إحدى برقياته الوضع داخل البيت الأبيض بأنه أشبه بمعركة بالسكاكين وأنه أشبه بحالة من الاقتتال الوحشي والفوضى وكل ما ينفيه الإعلام ويكذبه هو حقيقة بل إن واقع الأمر أسوء بكثير، وأن إدارة ترامب مُختلة ولا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تفعله لأنها عبارة عن أكثر من فصيل ممزق ما بين دبلوماسي أخرق وسياسي غير كفء!
أما عن تقييمه لشخصية ترامب فقد وصفه في إحدى البرقيات بأنه غير كفء ولا نزيه ولا أمين ويمكن وصفه بأنه مختل.
سيحصد العار والخزى في النهاية... وفي برقية أخرى قال: إن ترامب شخص غارق في الفضيحة لكنه قادر على إخراج نفسه من كل الفضائح وشبهه بشخصية آرنوولد شوارزينجر في سلسلة أفلام المدمر..
أما عن سياسات ترامب فقد قال السفير: إن سياسته الاقتصادية يمكن أن تدمر نظام التجارة العالمي وأن تعامله مع الأزمة الإيرانية غير متماسك وفوضوي وأنه يتشكك في أن يكون ترامب قد أوقف الضربة العسكرية على إيران لأن ليس لديه القدرة أصلاً على اتخاذ القرار بالضربة من البداية...
الرئيس ترامب بدوره قال: إن السير كيم داروش يضع مسيرته الدبلوسية على المحك وأنه لا يخدم مصالح بلاده (بريطانيا) وأن الرئيس وإدارته ليسوا من كبار المعجبين بذلك الرجل الذي تم فرضه سفيراً في واشنطن، وأنه غبي وضئيل وشخص سخيف ومتعجرف... كما شن هجوماً أيضاً على رئيسة الوزراء المستقيلة ( تريزا ماي) قائلاً: إنها لم تستمع لنصائحه في موضوع البريكست وأنه أخبرها كيف تنجز الصفقة؟ لكنها تابعت السير في طريقها الغبي العاجز وانتهت بكارثة.
المشكلة الحقيقية هنا ليست في محتوى الرسائل الدبلوماسية فبالرغم من أن الحكومة البريطانية قالت: إنها آراء شخصية للسفير وليست بالضرورة تمثل وجهة نظر الحكومة البريطانية إلا أنها لم تنفِ حقيقة ما جاء فيها، وليست المشكلة أيضاً في مدى أخلاقية التسريب من عدمه، فالعالم عرف سلاح التسريب وأصبح مألوفاً ومستخدماً وهناك من يرحب به ومن يتحفظ عليه ولنتذكر وثائق ويكيليكس في عام 2010 وما أحدثته من ضجة هائلة وما احتوته من ملايين الصفحات والمراسلات لدبلوماسيين أمريكيين وفضائح لـ ( سي آي إيه) وما يجري في سجن
أبوغريب في العراق وغيرها من الفضائح والتسريبات ولكن المشكلة الحقيقية بالطبع في الانعكاسات السياسية لهذه التسريبات ومن هو المستفيد من حدوث تلك الأزمة الدبلوماسية بين واشنطن ولندن وفي هذا التوقيت بالذات؟ والمغزى والأهداف؟ أم أن التسريبات لا تعدو كونها إحدى شظايا المعركة الدائرة بين أعضاء حزب المحافظين على خلافة تريزا ماي فلجأ بعضهم لتسريب هذه الرسائل خاصة بعد التوافق الكبير بين جيرمي هانت وزير الخارجية البريطاني والولايات المتحدة والذي وصل إلى حد أن هانت قال: إن بريطانيا من الممكن أن تنسحب من الاتفاق النووي بالإضافة إلى العديد من التوافقات الأخرى.
هذه الأسئلة ربما سيتم الإجابة عنها في الأيام القادمة حينما تظهر نتائج التحقيق الذي تجريه بريطانيا وتقوم به إدارة مكافحة الإرهاب.
لمعرفة المسربين ومن ثم معرفة دوافعهم لأن هذا التسريب هو مخالفة جنائية لقانون الأسرار الرسمية.
ولكني أود أن أسأل الرئيس ترامب سؤالين فقط وأرجو أن يتحملني فيهما:
أولاً أليس السفير البريطاني مثله مثل أي سفير من حقه أن يؤدي عمله بأمانة وصدق لأنها مسئولية سيحاسب عنها فهو يجب أن يصف بدقة متناهية وبتجرد تام كل ما يراه ويعتقده لأن ما يقوله سوف يترتب عليه الكثير من القرارات الهامة لبلاده.
والسؤال الثاني: ماذا لو كانت هذه التسريبات وما جاء فيها من وصف له ولإدارته منسوبة للسفير الإسرائيلي في واشنطن هل كان سيغضب كل هذا الغضب وينعت السفير بهذه الألفاظ ويكيل الاتهامات له ولرئيس وزرائه أم كان سيأخذ الأمر برحابة صدر ويعتبر أنه مجرد مزحة من السفير لم ولن تُعكر الصفو بين البلدين...؟