دار المعارف _ داليا كامل
بعد أسابيع من الترقب لما ستؤول إليه العلاقات الأمريكية- الصينية بعد تولى الرئيس الأمريكى جو بايدن منصبه رسميا.. وتضارب الآراء حول احتمالات استمرار التوتر بين
واشنطن وبكين بعد زوال عهد ترامب. وأخيرا جاءت الإجابة على لسان الرئيس الأمريكى الجديد نفسه بقوله، إن العلاقات مع بكين ستتخذ شكل «المنافسة القصوى»، واعتباره أن الصين «أكبر منافس للولايات المتحدة»، وهو ما ينذر باستمرار التوتر بينهما، حتى إن لم يدخل البلدان فى نزاعات مباشرة.
أكد الرئيس جو بايدن فى مقابلة مع شبكة «سى بى اس»، أن الخصومة بين الولايات المتحدة والصين ستتخذ شكل «منافسة قصوى»، مؤكدا فى الوقت نفسه أنه يريد تجنب أى «نزاع» بين أكبر قوتين اقتصاديتين.
وسئل بايدن فى المقابلة عن تفاصيل ما يعتزم القيام به، فأكد أنه يريد «التركيز على النظم الدولية»، مضيفا «لن أتعامل مع هذا الأمر كما فعل دونالد ترامب.. ينبغى ألا يندلع نزاع ولكن ستكون هناك منافسة قصوى».
وهاجم بايدن نظيره الصينى شى جين بينج، موضحا أنه يعرف الرئيس الصينى «جيدا» كونه أجرى معه «24 إلى 25 ساعة من المحادثات الثنائية» حين كان نائبا للرئيس باراك أوباما بين 2009 و2017، لكنه أضاف قائلا عنه: «(شى) قاس جدا، وليس هناك ذرة من الديمقراطية فى شخصه، ولا أقول ذلك من باب الانتقاد، إنها الحقيقة فقط»، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
تصريحات بايدن خلال المقابلة جاءت تأكيدا لما قاله فى خطابه الأول عن السياسة الخارجية، حيث وصف الرئيس الأمريكى الصين بأنها «أكبر منافس للولايات المتحدة»، قائلا: «سنتصدى بشكل مباشر للتحديات التى يشكلها منافسنا الأكبر، الصين، على قيمنا للازدهار والأمن والديمقراطية».
وتابع قائلا: «سنواجه انتهاكات الصين الاقتصادية، وسنتصدى لأعمالها العدوانية، ونقاوم تعدى الصين على حقوق الإنسان والملكية الفكرية وممارسات الحوكمة العالمية. لكننا على استعداد للعمل مع بكين عندما يكون ذلك فى المصلحة الأمريكية. سوف نتنافس من موقع قوة».
وفى أول اتصال دبلوماسى رفيع المستوى منذ تولى الرئيس جو بايدن منصبه، أكد وزير الخارجية الأمريكى، أنتونى بلينكن، لكبير الدبلوماسيين الصينيين يانج جيتشى، أن
واشنطن ستدافع عن حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية فى شينجيانج والتبت وهونج كونج.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية فى بيان، إن بلينكين ضغط على الصين لإدانة الانقلاب العسكرى فى ميانمار، وأكد مجددا أن
واشنطن ستعمل مع الحلفاء لمحاسبة الصين على محاولات تهديد الاستقرار فى المحيطين الهندى والهادئ بما فى ذلك عبر مضيق تايوان، وفق وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية.
وكان بلينكن أكد خلال جلسة الاستماع المخصصة للموافقة على تعيينه، أنه سيواصل نهج الرئيس السابق دونالد
ترامب تجاه الصين، وهى إحدى نقاط الاتفاق النادرة بين إدارتى
ترامب وبايدن.
التصريحات الأخيرة من الجانب الأمريكى اعتبرت على نطاق واسع أنها تشكل تغييرا طفيفا عن سياسة ترامب، وفى هذا الإطار، اعتبرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن تصريحات بايدن الأخيرة تعد أحدث علامة على استمرار التوترات الصينية الأمريكية فى عهده، خاصة بعد أن قالت إدارته إنها ستحاسب بكين على «انتهاكاتها» وسجلها فى مجال حقوق الإنسان.
وأضافت الصحيفة البريطانية أن كبار المسئولين الأمريكيين اتخذوا فى الأسابيع الثلاثة الأولى من تولى إدارة بايدن، موقفًا خطابيًا صارمًا تجاه الصين بشأن كل شىء بدءًا من سجلها الحقوقى فى إقليم (شينجيانج) و(هونج كونج) إلى نشاطها العسكرى بالقرب من (تايوان)، وهو ما يشير إلى أن الرئيس الأمريكى الجديد ينوى اتباع سياسة
ترامب المتشددة تجاه بكين.
وفى إشارة أخرى إلى أن فريق بايدن يعتزم أن يكون صارمًا فيما يتعلق بسجل الصين الحقوقى، أبرزت الصحيفة البريطانية وصف بلينكين مؤخرًا لقمع مليون شخص من طائفة الإيجور المسلمة فى مقاطعة شينجيانج بأنه «إبادة جماعية».
لكن، مع التوقعات باستمرار التوتر بين
واشنطن وبكين، هناك من رأى فى تصريحات بايدن ما يعتبر بمثابة إعلان مبدئى لنهاية الحرب التجارية التى بدأها الرئيس السابق دونالد
ترامب مع الصين، وذلك لسببين، بحسب محللين، أولهما أن تلك الحرب لا تضر الصين وحدها، وثانيهما هو حاجة الولايات المتحدة لتحقيق تقدم اقتصادى فى ظل الخسائر الناجمة عن فيروس كورونا.
وفى تقرير لصحيفة «بيزنس إنسايدر»، قالت الصحيفة: تتمثل الخطوة الأولى الأكثر منطقية فى إلغاء الرسوم الجمركية المتبقية من الحرب التجارية المضللة لإدارة
ترامب مع الصين، فمنذ أن بدأت إدارة
ترامب فى تنفيذها لأول مرة فى عام 2018 تحت ستار الوقوف فى وجه الصين، عملت هذه التعريفات على تضخيم الأسعار على السلع اليومية التى يحتاجها الأمريكيون وجعلت توفيرها لعائلاتهم أكثر تكلفة. ولسوء الحظ، أثرت هذه التكاليف على المستهلكين بشكل أكبر منذ أن بدأ الوباء العام الماضى.
وعن حتمية اشتداد المنافسة والتوتر بين
واشنطن وبكين خلال السنوات القادمة، كتب كيفين رود، رئيس الوزراء الاسترالى الأسبق والرئيس الحالى لـمنتدى «مجتمع آسيا» بنيويورك، بمقال بمجلة «فورين آفيرز» الأمريكية، أن المسئولين فى
واشنطن وبكين لا يتفقون هذه الأيام بشأن الكثير من الأمور، لكن هناك أمرًا واحدًا يرونه بوضوح: المنافسة بين بلديهما ستدخل مرحلة حاسمة خلال العقد الحالى.
وتابع قائلا: بغض النظر عن الاستراتيجيات التى يتبعها الجانبان أو الأحداث التى ستتكشف، فإن التوتر بين الولايات المتحدة والصين سوف يتصاعد، والمنافسة ستشتد؛ لا مفر من هذا، ولكن، مع ذلك، لن تتطور المنافسة بينهما إلى صراع مفتوح.
ويوضح رود فى مقاله أن الحزب الشيوعى الصينى الحاكم يزداد ثقة فى أنه بحلول نهاية العقد الحالى، سيتجاوز الاقتصاد الصينى أخيرًا الاقتصاد الأمريكى باعتباره الأكبر فى العالم من حيث الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما سيؤدى إلى زيادة ثقة بكين وإصرارها ونفوذها فى تعاملاتها مع واشنطن، وسيجعل البنك المركزى الصينى أكثر احتمالاً لتعويم العملة الصينية اليوان، وفتح الحساب الرأسمالى الخاص به، وتحدى الدولار الأمريكى باعتباره العملة الرئيسية للاحتياطى العالمى.
هذا فى الوقت الذى تواصل فيه الصين التقدم على جبهات أخرى أيضًا، حيث أعلنت بكين الخريف الماضى عن سياسة جديدة، تهدف إلى السماح للصين بالسيطرة على جميع مجالات التكنولوجيا الجديدة، بما فى ذلك الذكاء الاصطناعى، بحلول عام 2035.
إلى جانب ذلك، حسبما يقول الكاتب، تعتزم بكين الآن إكمال برنامجها للتحديث العسكرى بحلول عام 2027 (أقل بسبع سنوات عن الجدول الزمنى السابق)، وذلك بهدف رئيسى هو منح الصين ميزة حاسمة فى جميع السيناريوهات التى يمكن تصورها للصراع مع الولايات المتحدة بشأن تايوان. ويرى رود أن
واشنطن يجب أن تقرر - وبسرعة - كيفية الرد على أجندة بكين الحازمة.