"حسن المصري" نقاط بدون حروف

"حسن المصري" نقاط بدون حروفمحمود عبد الشكور

الرأى22-10-2023 | 16:50

لست ضد الأفلام التي تصور في بلدين أو أكثر أو تلك التي يشترك فيها ممثلون مصريون وعرب معا، وبالذات ممثلون وفنيون من لبنان، فالعلاقة قديمة جدا مع الفن والفنانين اللبنانيين، وبيروت وكل مناظر لبنان الساحرة تظهر في الأفلام المصرية منذ زمن الأبيض والأسود، وكثير من الفنانين والممثلين والممثلات في مصر أقاموا لسنوات في بيروت، وقاموا ببطولة أفلام من الإنتاج اللبناني.

كل ذلك لا جدال فيه، أتمنى فقط لو كانت هناك عودة لهذا التعاون، أفضل مما شاهدنا في فيلم حسن المصري، عن قصة لنورا لبيب، سيناريو وحوار سمر طاهر، وإشراف على السيناريو لمحمود زهران، ومن إخراج المخرج اللبناني سمير حبشي، ومن أشهر أفلامه المعروفة السابقة "دخان بلا نار".

يقدم "حسن المصري" مزيجا من الحالة الإنسانية، ومن أفلام الحركة التقليدية، ولكن بكثير من الخفة والسطحية، التي جعلت الفيلم أقرب ما يكون إلى نقاط بلا حروف، أو مثل دخان بلا نار، إذا استعرنا عنوان فيلم المخرج سمير حبشي المعروف، أما سبب هذه المشكلة فيرجع كالمعتاد إلى الكتابة، حيث ظهرت ثغرات كثيرة واضحة سواء فى بناء الأحداث أو فى تصرفات الشخصيات، بل وبدت الأسس التي يقوم عليها الصراع مضطربة ومشوشة.

تعودت أن أذهب إلى الأفلام بدون أفكار مسبقة، وإن لم أسترح إلى العنوان "حسن المصري"، فقد زادت مسألة استخدام صفة "المصري" فى أسماء الشخصيات الدرامية حتى صارت دليل سذاجة ومباشرة، فالفيلم بطولة أحمد حاتم، أي أننا أمام شخصية مصرية بلا جدال، فلا داعي لكي يكون اسم الشخصية "المصري" أيضا، ولكن كان لدي فضول وتفاؤل؛ لأن الفيلم من إنتاج عدة شركات سينمائية كبيرة، من بينها شركة أفلام مصر العالمية، التي ارتبطت تاريخيا بأفلام مؤسسها المخرج يوسف شاهين، وفيلم "حسن المصري" من إنتاج جابي خوري، منتج عدة أفلام لشاهين.

بالطبع ليس متوقعا أن يكرر جابي ابن شقيق شاهين، اختيارات خاله المتفردة، ولكن علينا أن نتوقع على الأقل فيلما جيد الصنع، حتى لو عمل على القوالب التقليدية للأنواع.

لكن "حسن المصري" يستمر تقريبا طوال نصفه الأول فى وصف حالة بطله حسن "أحمد حاتم"، القادم من القاهرة إلى بيروت، حيث دعته حبيبته جويل؛ لكي يقيم ويعمل فى شركة الأمن التابعة لها، ورغم أنه كما يقول "ميت الروح"، ومدمن للخمور، ومكتئب طوال الوقت، وتهاجمه كوابيس، ومشكلات فى التنفس، ويحتاج إلى رعاية صحية بالأساس قبل أن يسافر، أو يفعل أي شيء، فإننا سنتجاوز عن كل ذلك، وسنتقبل أن يكتئب حسن فى بيروت بدلا من القاهرة، على الأقل اكتئاب بيروت يرد الروح، والنوادي الليلية تواسي المجاريح.

المدهش أنه سيعمل "بودي جارد" وسائقا فى شركة جويل، مع أننا سنعرف بعد مشاهد قليلة أن أزمته النفسية سببها عمله كبودي جارد فى القاهرة، فقد انتقم منه أعداء غامضون لن نعرف عنهم شيئا، وبدلا من أن يقتلوه، قتلوا أخته الوحيدة التي كان يحبها.

الأعجب أنه رغم كآبة حسن، وسوء مزاجه وسلوكه، أزماته التنفسية، إدمانه للخمور، إلا أن حبيبته اللبنانية جويل (دايامان أبو عبود) تصر على توظيفه عندها، بل وتتحدى مساعدتها ناتالي، فمحبة شخص مصري أمر فريد، وجاذبية المصريين لا تقاوم، تشاء الظروف أن يصبح حسن حارسا وسائقا لفتاة فى عمر شقيقته المقتولة، وستكون العلاقة بين حسن والفتاة نادية، التي تلعب دورها لينا صوفيا، محور أحداث الحكاية، بعد أن نترك حكاية حسن وجويل مؤقتا.

يفترض أن يترك حسن نادية؛ لأنها تذكره بمأساته، فالإنسان يهرب دوما من أشباحه، ولكن السيناريو يجعل حسن متعلقا بنادية، التي تزور لبنان لحضور حفل زفاف يخص صديق والدها (مراد مكرم)، مع خطف نادية ومساومة العصابة للأب وتدخل حسن وجويل وناتالي لإنقاذ نادية، يتحول الفيلم فى جزئه الثاني لفيلم أكشن، مع نهاية نصف منتصرة، وأقرب إلى المأساة.

أكبر ثغرات فى السيناريو هي الأسس التي يقوم عليها الصراع، فالحالة الإنسانية لحسن تجعله محتاجا للعلاج، وتجعل من الصعب أن يتحول من جديد إلى بطل ومنقذ، هو حطام بني آدم، وميت الروح، والخمور أنهكته، ولديه مشكلة نفسية من عمله، حادث قتل أخته غامض، وأعداؤه فى مصر غامضون، وإصرار جويل على أن يعمل عندها غبي وساذج، وكان يمكن أن تختاره لعمل بعيد عن الناس، كما كان يريد.

أما سبب اختطاف نادية، وعالم والدها تاجر السلاح، فهو أيضا مشوش وغامض، حكاية شحنة السلاح التي ستتجه إلى ليبيا ويريدون تحويلها إلى سوريا، قصة مضحكة وغريبة، مسألة تصفية أسرة تاجر السلاح المصري عجيبة، فالعصابة تخطف ابنته، ولا تقوم بقتله، أو قتل زوجته مع أنهما كان فى متناول الأيدي منذ وصولهما إلى بيروت، بل كان يمكن تصفية الأسرة كلها فى مصر مثلا، ولكنها الفبركة التي أضعفت الحبكة، وجعلت ما نراه من معارك ومحاولات كر وفر، واستخدام الدرون فى قصف مقر العصابة بالقنابل، جعلت كل ذلك أقرب الى ألعاب "الفيديو جيم"، فكل شيء معلق فى الهواء، ولا يوجد تأسيس للشخصيات والدوافع، بصورة قوية أو محكمة.

هناك فكرة ساذجة أخرى هي عدم إبلاغ البوليس عن اختطاف الفتاة نادية، مع أن التصرف المنطقي هو إصرار الأب على إبلاغ الشرطة، لفقدان الثقة فى كفاءة شركة الأمن تبع الأخت جويل، ولكنه سيواصل التعاون مع شركة الأمن، بينما كان دخول البوليس إلى اللعبة سيزيد من الصراع وسيقوّي من الحبكة.

حسن من ناحيته طاح فى أعدائه بل قام بقتل رجل بالرصاص، قام بتفجير مقر العصابة الشريرة، استعاد نادية، اشترى لها مناقيش، وعندما تتوقع أنها النهاية، تستمر العصابة فى مطاردة نادية من خلال جهاز تتبع، ويذهب البطل التراجيدي إلى معركة أخيرة تمجد بطولته.

لا يفتقد الفيلم بعض اللحظات الإنسانية الجيدة، وخط علاقة حسن بأخته من أفضل أجزاء الفيلم، خاصة مع اجتهاد أحمد حاتم، الذي تطور أداؤه كثيرا، الذي قدم مشاهد الاكتئاب والانهيار، مشاهد المحبة والتعاطف مع أخته، بمشاعر وتعبيرات ممتازة، كما كان مقنعا فى مشاهد الحركة، وحاتم ثم دايامان أبو عبود هما الأفضل أداء، ورغم أن لينا صوفيا تمتلك حضورا وقبولا، إلا أنها تحتاج إلى تدريبات لإلقاء الحوار ببطء، وبصورة بطريقة تتسق مع تعبيرات وجهها.
ظلت المشكلة فى أن الكتابة والتفاصيل خذلتا الشخصية، فلم تبق إلا صورة جميلة سياحية ل لبنان أو مشاهد حركة منفذة بشكل معقول، بمصاحبة موسيقى تامر كروان المعبرة، مجرد شكل بدون إقناع أو فرجة ينقصها المعنى.

أضف تعليق