المواطن أولاً

رغم التطورات الجيوسياسية فى المنطقة والعالم وتأثيرها على الأوضاع الاقتصادية الطاحنة يظل المواطن المصري وتخفيف العبء عنه هو الشغل الشاغل للقيادة السياسية، فلم تكن كلمات الرئيس وإشادته بمدى قدرة وتحمل المواطن المصري لأعباء الأزمة الاقتصادية محاولة لدغدغة المشاعر لدى المواطنين كما حاولت وسائل إعلام الشر تصوير ذلك، لكنها كانت تعبر عن إدراك القيادة السياسية لحجم ما يتحمله المواطن المصري من الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تأثرت سلبًا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بسبب الأوضاع الاقتصادية، لكنها رغم تلك الأعباء الطاحنة كان الحفاظ على الوطن يأتي فى المرتبة الأولى لديها.. تهون أمامه كل المشكلات والتحديات ومصاعب الحياة.

جاءت التوجيهات الرئاسية الأخيرة التي شملت 12بندًا ضمن أكبر حزمة للحماية الاجتماعية لتخفيف العبء عن المواطنين، ولم تمر سوى دقائق عقب إعلان المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية عن التوجهات الرئاسية التي أعقبت اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير المالية الدكتور محمد معيط، الأربعاء الماضي؛ حتى نشرت قوى الشر سمومها بسيل من الشائعات حول أن تلك القرارات الخاصة بالحماية الاجتماعية تأتي مقدمة لعملية تحرير سعر الصرف.

ليتم الرد على الفور من قبل الحكومة بنفي الشائعة وكشف الهدف الخفي من نشر تلك الشائعات واختيار التوقيت، وهو محاولة من قِبل المتربحين وتجار الأزمة فى سوق الصرف لتعويض خسائرهم من انخفاض سعر الدولار فى السوق الموازية، وكذا انخفاض أسعار الذهب بعد الضربة القوية التي وجهتها الحكومة المصرية لهم.

مثل تلك الشائعات تكشف حجم الحرب الاقتصادية التي تواجهها الدولة المصرية ومحاولة زعزعة الثقة بين المواطن والقيادة السياسية، والتي فشلت خلال الفترة الماضية فى إحداث ذلك وكان خير دليل حجم المشاركة فى الانتخابات الرئاسية والتي كانت بمثابة صفعة قوية على وجه قوى الشر وداعميهم والموالين لهم.

نعود لحزمة القرارات الرئاسية الخاصة بالحماية الاجتماعية والتي تبلغ تكلفتها 180 مليار جنيه ضمن مسارات محددة حددها الرئيس، وهي:

- رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50%، ليصل إلى 6 آلاف جنيه شهريًا.

- زيادة أجور العاملين بالدولة والهيئات الاقتصادية، بحد أدنى يتراوح بين 1000 إلى 1200 جنيه بحسب الدرجة الوظيفية.

- علاوات دورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية بنسبة 10% من الأجر الوظيفي، و15% من الأجر الأساسي لغير المخاطبين، وبحد أدنى 150 جنيهًا وبتكلفة إجمالية 11 مليار جنيه.

- حافز إضافى يبدأ من 500 جنيه للدرجة السادسة، ويزيد بقيمة 50 جنيهًا لكل درجة، ليصل إلى 900 جنيه للدرجة الممتازة، بتكلفة 37,5 مليار جنيه.

- تخصيص 6 مليارات جنيه لتعيين 120 ألفًا من أعضاء المهن الطبية والمعلمين والعاملين بالجهات الإدارية الأخرى.

- 15 مليار جنيه زيادات إضافية للأطباء والتمريض والمعلمين وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات.

- 8,1 مليار جنيه لإقرار زيادة إضافية لأجور المعلمين بالتعليم قبل الجامعي، تتراوح من 325 جنيهًا إلى 475 جنيهًا.

- 1,6 مليار جنيه لإقرار زيادة إضافية لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات والمعاهد والمراكز البحثية.

- 4,5 مليار جنيه لإقرار زيادة إضافية لأعضاء المهن الطبية وهيئات التمريض تتراوح من 250 إلى 300 جنيه فى بدل المخاطر للمهن الطبية، وزيادة تقترب من 100% فى بدل السهر والمبيت.

- 15% زيادة فى المعاشات لـ 13 مليون مواطن، بتكلفة إجمالية 74 مليار جنيه.

- 15% زيادة لمعاشات « تكافل وكرامة » بتكلفة 5,5 مليار جنيه، لتصبح الزيادة خلال سنة 55% من قيمة المعاش، وتخصيص 41 مليار جنيه لمعاشات «تكافل وكرامة» فى العام المالي 2024/2025.

- رفع حد الإعفاء الضريبي لكل العاملين بالدولة بالحكومة والقطاعين العام والخاص بنسبة 33%، من 45 ألف جنيه إلى 60 ألف جنيه.

البنود الإثنى عشر التي حددها الرئيس ووجه الحكومة للعمل بها بدءًا من الشهر المقبل تلقاها الشارع بترحاب شديد، لكن على الجانب الآخر عمل المشككون على نشر الشائعات مستغلين المناخ المناسب لدى تجار الأزمة الذين وجهت لهم الحكومة ضربات قوية خلال الأيام الماضية، لكن أذنابهم لا تزال تتحرك والبعض منها يحاول الصيد فى الماء العكر، بدءًا من تجار الدولار ومحتكري السلع، ومن مُلئت جيوبهم وبطونهم من الأزمة دون أن يتحرك لهم جفن وهم يتربحون من أقوات البسطاء.

فقد أسرع تجار الدولار فى السوق الموازية بنشر شائعة أن حزمة القرارات تلك هي مقدمة لعملية التعويم، وهو ما يحلمون به للانقضاض على مزيد من الأرباح الحرام.

فى الوقت ذاته، حاول المتلاعبون بالأسواق من تجار الأزمات تخزين كميات كبيرة من البضائع وعدم عرضها بحثًا عن الربح الحرام مع اقتراب شهر رمضان مستغلين حالة الشارع وزيادة الطلب على السلع قبيل حلول الشهر الكريم.

وعلى جانب آخر يعمل ناشرو حالة الإحباط والسلبية على ترويج العديد من الجمل المحفوظة التي منها (كم تساوي تلك الزيادة 2 كيلو لحمة) أو الزيادة المقررة لن نهنأ بها، فالأسعار سوف تلتهمها وسترتفع ارتفاعًا جنونيًا دون رقيب.

هذا المشهد المتكرر فى كل أزمة يتطلب منا أن نتوقف عند بعض النقاط فيه..

أولاً: هذه الأزمة ليست الحكومة وحدها مسئولة عن مواجهتها؛ لكننا جميعًا مسئولون فى تلك المواجهة.

ثانيًا: لا بد من حلول غير تقليدية لمواجهة الأزمات وأكرر ذلك وقد تحدثت عنه فى أكثر من مقال، لأن الحلول التقليدية باتت غير قادرة على مواجهة الأزمة.

ثالثًا: قرارات الحماية الاجتماعية التي أطلقها الرئيس فى هذا التوقيت أقوى دليل على أن القيادة السياسية تعيش وتتابع لحظة بلحظة ما يعاني منه المواطن من أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وتعمل جاهدة على دعمه وتخفيف العبء عنه لأن الرئيس دائمًا ما يقول «المواطن أولاً» ويؤكد أهمية العمل من قِبل الحكومة على رعاية المواطن، وتقديم خدمات تليق به وتوفير كل الاحتياجات اليومية له.

فإذا كان على المواطن أن يغير من سياسته الاستهلاكية فى ظل الظروف الحالية لتقليل الطلب على العملة الأجنبية، خاصة أن الدولة تستورد 40% من بعض المواد الغذائية ومع زيادة الطلب عليها نجد الفجوة تزداد نظرًا لحرص البعض على تخزين كميات منها فى الوقت ذاته يجد تجار الأزمة ضالتهم فيتلاعبون بالأسعار، خاصة مع ضعف الرقابة التموينية بشكل ملحوظ، فمعظم التجار يقومون بتخزين السلع التي يجدون عليها طلبًا بعيدًا عن أعين الرقابة وكذا غياب فواتير المصدر، فى النهاية يجد المواطن البسيط نفسه أمام أسعار متفاوتة ومبالغ فيها دون مبرر.

ففي الوقت الذي حرصت فيه الدولة على توفير العُملة الصعبة لمدخلات الإنتاج للأعلاف الخاصة بتربية الثروة الحيوانية والداجنة والأسماك، لا تزال أسعار الأعلاف تواصل ارتفاعها دون مبرر، وهذا بالتأكيد دور الحكومة أن تتابع مسار شحنات الفول الصويا والذرة التي وفرت لصالح استيرادها أكثر من 4 مليارات دولار، إلا أن أصحاب مصانع الأعلاف ما زالوا يحسبون تكاليف المنتج حسب سعر السوق الموازية، فارتفعت أسعار الدواجن واللحوم والأسماك، كما كان لغياب الرقابة دور كبير فى عدم القدرة على ضبط الأسواق.

فإذا كان على المواطن أن يضبط ثقافته الاستهلاكية لعبور الأزمة، فعلى الحكومة أن تضرب بيد من حديد متدثرة بالقانون على أيدي المتلاعبين بالأسواق وهم كُثر دون أن تأخذها بهم رحمة فى ظل الظروف الحالية.

فلن يشعر المواطن بحجم تأثير حزمة الحماية الاجتماعية التي وجه بها الرئيس ما لم تقم الحكومة بكل وزاراتها بمواجهة المتلاعبين بالأسواق.

فلا يزال هناك أكثر من 10 مليارات دولار داخل المنازل لم يتم إخراجها حتى الآن إلى السوق الرسمية، ويتمنى أصحابها أن يعود سعر الصرف فى السوق الموازية للارتفاع مرة أخرى أو تقوم الدولة بالتعويم للعملة لجني أرباح حرام، من الأموال المسمومة لأنها جاءت على حساب البسطاء.

لا تزال مافيا الدولار و الذهب أذنابها لم تقطع وبعض عناصرها المختبئة حاليًا تنتظر لحظة الظهور مرة أخرى، وهنا على الحكومة أن تفعَّل القانون فى مواجهة هؤلاء.
كما أن نجاح مروجي الاستثمار فى العملة الأجنبية و الذهب فى إقناع البعض بذلك جعل من مواجهتهم أمرًا يحتاج إلى إجراءات قانونية ليست رد فعل فقط بل خطوات استباقية فى مواجهة مدمري الأوطان.

لقد جاءت الضربات للسوق الموازية قبل قرارات حزمة الحماية الاجتماعية بمثابة ضربة استباقية ناجحة نحتاج لمواصلة تلك الضربات ضد المتلاعبين بالأسعار.

كما أنه على الحكومة وبعض وزرائها مثل التموين والتجارة والصناعة والزراعة أن يتحركوا باتجاه مواجهة الأزمة بشكل مختلف، ففي الوقت الذي حذر فيه البعض من عدة سنوات من أن مصر تحتاج إلى إنتاج مليون كتكوت سنويًا إضافية لمواجهة الطلب المتزايد على الدواجن، وجدنا وزارة الزراعة وكأنها لم تسمع شيئًا بل تصم آذانها.

كان من الممكن التوسع فى حجم المزارع المقننة والتي تعمل وفق نظم التربية الحديثة واستنباط سلالات أكثر إنتاجًا للحوم، وأعلى فى نسبة تحويل اللحم، لكن تُرك الأمر لكبار المربين الذين يتلاعبون بالأسواق على حساب المستهلك والوزارة مجرد مُتفرج.

أذكر أن الهيئة العامة للإصلاح الزراعي خلال السبعينيات والثمانينيات وأوائل التسعينيات، كانت تقدم للفلاحين كميات من الكتاكيت على بطاقة الحيازة الزراعية للتربية المنزلية ليست بالمجان لكن الفلاح كان يدفع ثمنها عند جني المحصول، مما كان له الأثر الجيد فى تحسين سلالات التربية المنزلية فى القرى، ويقلل من حجم الطلب والضغط على الأسواق.

لقد كانت الهيئة العامة للإصلاح الزراعي تمتلك مزرعة لتربية الثروة الحيوانية فى كل جمعية إصلاح زراعي بالقرى يقوم عليها العاملون بالإصلاح الزراعي، ويتم الذبح بمعرفة الجمعية وتوزع اللحوم على الفلاحين بسعر التكلفة، لكن فساد الذمم أهدر مثل تلك المؤسسات فكان الحل التخلص منها وليس إصلاحها والإبقاء عليها لضبط الأسواق وإحكام الرقابة عليها.

فلماذا لا تتم الاستفادة من تلك المباني المنتشرة فى قرى مصر لإعادة التربية لسلالات أكثر إنتاجًا للحوم لضبط الأسواق؟!

فالتعاونيات الزراعية ظاهرة عالمية، وهي النموذج الأشهر لإنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية، حيث يوجد أكثر من 1.2 مليون تعاونية زراعية فى جميع أنحاء العالم، وتختلف تلك التعاونيات فيما بينها تبعًا للظروف والاحتياجات المحلية لكل دولة، وعلى الرغم من اختلاف أنواع التعاونيات وأهدافها وأنشطتها فى دول العالم، فإنها جميعًا تسعى إلى تحقيق الفائدة المشتركة للمزارعين وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الريفية.

إن إعادة إحياء دور التعاونيات الزراعية أصبح ضرورة والتوسع فيها بات لزامًا فى مواجهة الأزمات خاصة فى مجال إنتاج الثروة الحيوانية والداجنة والثروة السمكية والمحاصيل الاستراتيجية.

علينا جميعًا إدراك أن العمل معًا هو بداية الطريق الصحيح لحل الأزمة ومواجهة التحديات.

لم يعد هناك وقت للعمل فى جزر منعزلة من قِبل بعض الوزارات ومحاولة الإلقاء بالأزمة فى اتجاه الآخرين، على الحكومة أن يكون ملف الأمن الغذائي مسئولية تشاركية بين الوزارات المعنية (التموين، الزراعة، الصناعة والتجارة، الصحة).

أضف تعليق