كان " باخوم " من ذلك الصِّنف من البشر الذي يُحِبُّ مسقط رأسه ويألف مرتع طفولته وصباه، ويحفظ الود الخالص والمحبة الصادقة لمن نشأ بينهم وعاش في كنفهم، فكان لا يستشعر الدفء إلا بينهم ، ولا يجد السكينة إلا بالقرب منهم، فكان كلمَّا أبعد في إقليم من أقاليم مصر أو مدينة من مُدُنه لا يلبث أن يعود إلى قريته بعد انتهاء عمله فيمكث فيها أيامًا أو أسابيعًا، ثم يعاود الكَرَّةَ مرَّةً أخرى.
وكان أهل قريته يبادلونه حبًّا بحب، ويمنحونه عطفًا بعطف، ويشتاقون لاحتضانه بينهم كما يشتاق لعودته إليهم.
وكان " باخوم " بعد أن بُسِطَ له في رزقه وتحسنت أحواله، يرى أن لأهل قريته عليه حقًّا ولضعفائهم وفقرائهم فيما يرزقه الله به نصيبا، فكان لا يكفُّ عن صلة فقرائهم والإحسان إلى بؤسائهم والإهداء إلى السالمين من قسوة الحياة وشظف العيش منهم.
وقد كان " باخوم " فتًى ديِّنًا، يصل أديرة قريته وما جاورها من قرى، ويُكبر الرُّهبان والقسيسين ورجال الدين، لا سيِّما وقد كان أحدهم هو صاحب الفضل في التغيير الجذريِّ الذي شهدته حياته.
كما كان يُقيم الولائم لأهل قريته عند عودته إليهم ويسمر معهم ويحكي لهم عمَّا شاهده من معالم المدن، وما خبره من طبائع الناس وعاداتهم فيما طوَّف به من مدنٍ وأقاليم.
وكان " باخوم " عذب الحديث، طيِّب العشرة، نقي الضمير، صادق القول، فكان أهل قريته يَكْلَفُون بحديثه ويعشقون الاستماع إليه.
وسارت الحياة بـ " باخوم " على هذا النحو، يغيب عن قريته أسابيع أو أشهرا، ثم يعود ليمكث بينهم أيامًا أو أسابيع، يجدد مَوَدَّته بهم وإحسانه إليهم وحكاياه لهم.
إلى أن جاءت واحدة من تلك الليالي التي يسمر فيها مع أهل قريته بعد أن أولم لهم، ليخبرهم بأمرٍ انقبضت له نفوسهم وذرفت منه الدموع عيونهم.
أخبرهم أنَّ ما حققه من نجاحٍ في عمله بوطنه لم يعد مُرضيًا لنفسه، مُشبعًا لطموحه، وأنه قد قرر أن يترك وطنه ليجوب ما استطاع في أقطار الأرض ويتنقل بين مشارقها ومغاربها ليضيف إلى فنِّه جمالًا، ويزيد في عدد المنتفعين بمهارته أقطارًا وأوطانًا.
وانقسم الناس في مقولته بين مؤيدٍ لطموحه ومعارضٍ لفراقه أهله ووطنه، ولكنه لم يكن يستشيرهم، أو ينتظر رأيهم، بل كان قد عقد العزم على أمرٍ ورأى من حقهم عليه أن يخبرهم به.
وجاء يوم الفراق ووقف أهل القرية يشيعون " باخوم " بدموعهم، وتلهج بالدعاء له قلوبهم، وتكثر من وصايته بنفسه وسرعة عودته ألسنتهم.
وهكذا فارق " باخوم " أهله ووطنه ضاربًا في أقطار الأرض، يعمل ويتعلم، والناس في قريته يذكرونه بالخير ويدعون له بالسلامة من حوادث الدهر، والحفظ من النوائب والخطوب.
وبدأ " باخوم " ينتقل مع القوافل ويجوب أقطار الأرض، حتى جاءت الرحلة التي غيَّرت مجرى حياته، وفتح باب التاريخ مصراعيه أمام "باخوم" ليدخله مرفوع الرأس معتدل القامة، ويسجل باسمه واسم بلده "مصر" عملًا هو من أحب الأعمال إلى الله ومن أدعاها للعزة والفخر بين عباد الله.