تشهد الساحة الإعلامية في لبنان و غزة ظاهرة متفاقمة تتمثل في المبارزة الاستعراضية على الشاشات حيث تتسابق الحركات المسلحة على إبراز وجودها وقوتها من خلال عروض بصرية وتصريحات وتصوير احتفالي تبث عبر مختلف وسائل الإعلام وعلى الرغم من أن هذه التصرفات تهدف إلى تأكيد الهوية والسلطة إلا أنها تظل مجرد استعراضية بعيدة عن مصالح الشعوب التي تعاني من عواقب هذه السياسات على أرض الواقع ففي الوقت الذي يظهر فيه كل طرف قوته ومكانته يدفع المواطن العادي ثمن هذه المبارزة في صورة تفاقم معاناته وتدهور أوضاعه المعيشية.
إن الدافع الرئيسي وراء هذه المبارزة الاستعراضية يكمن في محاولة الحركات المسلحة إثبات وجودها في ظل فراغ السلطة أو تنافسها على النفوذ السياسي والاجتماعي بعد فترات من الصراعات والحروب ففي لبنان على سبيل المثال تعد مشاهد المظاهرات العسكرية والاحتفالات القتالية جزءاً من التراث السياسي الذي تعود جذوره إلى حقبة الحرب الأهلية وقد تحول ذلك إلى أداة تستخدمها الأحزاب والجماعات المسلحة لإعادة تأكيد حضورها وتبرير وجودها السياسي حتى وإن كان ذلك يتم على حساب استقرار الشعب وحقوقه.
وفي غزة بالرغم من الظروف القاهرة والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها السكان تنشط حركات مسلحة تقوم بعروض بصرية وتصريحات مثيرة عبر شاشات التلفزيون والإعلام الرقمي وهذه التصرفات ليست سوى محاولة للظهور بمظهر المنتصر رغم الجروح الغائرة وتأكيد لجاهزية ثبت على مدار 17 عاما أنها لم تكن قادرة على حماية الفلسطينيين أو إعادة سنتيمتر من أرض محتلة ما يضفي بعداً من الاستعراضية على الواقع المرير الذي يعاني منه المواطنون وكأن الروح القتالية تستغل في إطار تنافسي لتوجيه رسالة للداخل والخارج للبقاء في السلطة ليس إلا إلا أن هذا التوجه غالبا ما يفضي إلى تفاقم الصراع بدلا من الحلول البناءة.
وعلى الرغم من أن هذه العروض قد تبدو للوهلة الأولى كوسيلة لتعزيز الشعور الوطني أو المقاومة إلا أنها تحمل في طياتها العديد من السلبيات فعوضا عن تقديم حلول عملية لمشاكل المواطنين تركز الحركات المسلحة على إبراز قوتها العسكرية والسياسية ما يؤدي إلى انقسام المجتمع ومن جهة أخرى تتكبد الشعوب ثمن هذه الاستعراضية فبينما تنفق موارد الجماعات المسلحة على تنظيم الاحتفالات والعروض تهمل القطاعات الحيوية التي تتعلق بمعيشة المواطن التي تدهورت وانسحقت دون تحقيق أي تقدم حقيقي ودون النظر إلى المصالح الحقيقية للمواطنين.
ويكتسب مصطلح "اليوم التالي لوقف الحرب" بعدا رمزيا يشير إلى الفترة التي تلي انتهاء الصراع المسلح حيث يفترض أن يبدأ فصل جديد من السلام وإعادة البناء إلا أن ما يحدث في الواقع غالبا ما يكون بعيدا عن هذه التصورات المثالية ففي العديد من الحالات يستمر وجود الحركات المسلحة حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار مما يعني أننا لا نكترث لأفعالنا ولا لخطوات أقدامنا ففي لبنان و غزة على سبيل المثال يبدو الأمر وكأننا نقاتل من أجل بقاء حماس أو إحياء نفوذ حزب الله لا من أجل أن يعيش اللبنانيون والفلسطينيين حياة كريمة في حدها الأدني إلى أن يأذن الله بواقع أفضل ففي اليوم التالي لوقف الحرب تكون هناك حاجة ملحة لتحويل الطاقة العسكرية إلى جهود سياسية واجتماعية تهدف إلى إعادة الثقة وإعادة بناء المؤسسات إلا أن استمرار الحركات المسلحة في استعراض قوتها وإثبات وجودها يعيد فتح جراح الصراع بلا أي ثمن ويؤخر عملية المصالحة الوطنية وإعادة الهيكلة المجتمعية المطلوبة
هذا التناقض بين إعلان وقف الحرب واستمرار الاستعراضية العسكرية يؤكد أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد انتهاء إطلاق النار بل يتطلب تحولا حقيقيا في السياسات والنهج المتبع إذ ينبغي على الأطراف أن تتحول من منطق "الأنا" وأنه بدوني تضيع الدنيا وتنتهي القضية إلى اتخاذ خطوات جدية نحو الحوار وبناء الثقة المتبادلة.
إن الاستعراضية على الشاشات تما هي إلا انعكاس لحالة من الاضطراب السياسي حيث تصبح الهوية والتواجد السياسي أكثر أهمية من تحسين حياة المواطنين لذلك فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا الواقع المزدوج إلى مسار نحو الإصلاح والإصلاح السياسي الذي يضع مصلحة الشعب فوق المظاهر لذلك يبقى السؤال المطروح: كيف يمكن تحويل تلك الاستعراضية إلى خطوات فعلية نحو الإصلاح وهو ما يتطلب إرادة سياسية قوية وتعاونا دوليا ومحليا منسقا فهل يتحقق ذلك اختيارا قبل أن يفرض إجبارا.